بعد إعلان السويد نيتها الاعتراف بالبوليساريو كدولة من جانب واحد، على هامش انعقاد الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تفعيلا لتوصية سابقة لبرلمانها سنة 2012، التي تدعو الحكومة إلى ذلك، واحتجاج المغرب على أكثر من مستوى، أعلنت السويد أنها ستجري تقييما سياسيا لموقفها، وعلى ضوئه ستتخذ القرار المناسب. وبعد زهاء شهرين اثنين، أعلنت وزارة خارجيتها عن فحوى تلك المراجعة.

 

فما مضمون تلك المراجعة؟ وما طبيعتها؟ وما مدى انسجامها وتماهيها مع المرافعات المغربية؟ وما مدى ملاءمتها مع السياسة الخارجية الأوروبية وعمل المؤسسات الأوروبية وعمل وإشراف منظمة الأمم المتحدة؟

أولا: أسباب المراجعة السويدية

 

أصدرت الخارجية السويدية، يوم الجمعة الماضي، قرارا إثر توصلها بتقرير من سفيرها فردريك فلورين (Frederik Floren)، يدور حول تقييم سياستها بخصوص الصحراء "الغربية"، يتضمن مجموعة من التوصيات، منها دعم مسلسل السلام الذي ترعاه وتشرف عليه منظمة الأمم المتحدة، بعدما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة عن مبادرات جديدة، وعاين معد التقرير أن الشروط الموجبة للاعتراف بالبوليساريو كدولة غير متوفرة في نظر القانون الدولي.

 

وعلى إثر ذلك التقرير، قررت وزيرة خارجية السويد، السيدة مارجوت والستروم Margot Walstrom، أن الحكومة السويدية ستكثف دعمها لمسلسل السلام من أجل إيجاد حل عادل للنزاع ومقبول من الطرفين، كما تلتزم بالاستمرار في التزامها بالسهر على احترام القانون الدولي، والزيادة في المساعدات الإنسانية العاجلة، وتلتزم بإقامة تواصل على أعلى مستوى مع جميع الأطراف، والتزامها بالعمل على إنجاح مواصلة تواصل الطرفين.

 

ثانيا: حيثيات بناء تقرير المراجعة

 

خلص التقرير إلى أن البوليساريو لا تتوفر على مقومات الكيان السياسي الممكن الاعتراف به كدولة، ذلك لأنها لا تسيطر سوى على جزء صغير من إقليم الصحراء، بينما جل الإقليم يتواجد تحت حيازة المغرب، إضافة إلى وجود غالبية الصحراويين في الإقليم الذي يضمه المغرب، والقلة الأخرى تعيش في وضعية اللجوء في مخيمات تيندوف بالجزائر، علاوة على أن الدول التي تعترف بالبوليساريو لا تتعدى الأربعين.

 

ثالثا: أوجه تقاطع واختلاف تقرير المراجعة والمرافعة المغربية؟

 

يتوصل تقرير السفير السويدي فردريك فلورين إلى كون المغرب كان يرفض توصية البرلمان الأوروبي لسنة 2012 للاعتراف بالبوليساريو كدولة، كما احتج رسميا وشعبيا وبرلمانيا ومدنيا على حكومة السويد في إعلانها تجسيد تلك التوصية، بحجج مفادها أن البوليساريو كيان لا يستوفي أركان قيام ونشوء دولة بالمفهوم الدستوري وفي نظر القانون الدولي والأعراف الدولية، التي تحكم الاعتراف في مجال العلاقات الدولية.

 

ذلك أن الاعتراف الدولي كركن رابع لقيام الدول، لا يأتي إلا بعد استجماع كيان دولي لثلاثة أركان أساسية؛ وهي الإقليم والسلطة السياسية والشعب، فلا وجود لدى البوليساريو لإقليم ورقعة ترابية، ولا وجود لشعب، بل لاجئين تحت مسؤولية قانونية لدولة الاستضافة، وهي دولة الجزائر، وهذا الوضع لا يعطي الصفة ولا الشرعية لقيام ولا ادعاء أية سلطة سياسية، ولا الترامي على تمثيلية سكان إقليم الصحراء. ويأتي التقرير في العدول عن الاعتراف للسبب المغربي نفسه، ليدعم ويعضد بذلك الدفع والموقف المغربي.

 

رابعا: مراجعة السويد وسياسة الاتحاد والمؤسسات الأوروبية

 

شكل إعلان السويد نيتها الاعتراف بالبوليساريو كدولة، نشازا واستثناء عن الموقف الجماعي للاتحاد الأوروبي إزاء قضية الصحراء، الذي يدعم التسوية السياسية التي تشرف عليها منظمة الأمم المتحدة ولقراراتها ذات الصلة، والتي حدد إطارها مجلس الأمن منذ سنوات، وبالضبط في أبريل من سنة 2007، في البحث عن حل سياسي متفق ومتوافق عليه.

 

هذا الموقف يلتقي مع الموقف الذي عبرت عنه فيديريكا موغيريني، المفوضية العليا للسياسة الخارجية والأمن في الإتحاد الأوروبي، في أكثر من مرة ومناسبة، بأن "الاتحاد الأوروبي يشجع الأطراف على البحث عن حل تفاوضي للنزاع ويدعم المسلسل الأممي"، ويدعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة من أجل التوصل إلى اتفاق "سياسي عادل ودائم ومقبول، وتعبر عن قلقها إزاء استمرار هذا النزاع وانعكاساته، لاسيما على الأمن، واحترام حقوق الإنسان، وكذا على الاندماج في المنطقة".

 

إلا أن التقرير ولئن تطابق مع سابق دعوة المفوضية إلى احترام حقوق الإنسان في الصحراء والمخيمات، فإنه مع ذلك لم يرق إلى المطالبة بمستوى ما صادق عليه البرلمان الأوروبي، مؤخرا، في تقريره حول حقوق الإنسان في الصحراء "الغربية"، والداعي إلى تكليف المينورسو بمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء.

 

خامسا: علاقة التقييم السويدي بتوجيهات مجلس الأمن

 

تضمن تقرير السفير السويدي فردريك فلورين توصية، بمثابة خلاصة أساسية، تدعو حكومة بلاده إلى دعم الأمم المتحدة للوصول إلى حل سياسي يقبله الطرفان، وبرر ذلك بثلاثة أسباب؛ مرتبطة بأمن واستقرار منطقة شمال إفريقيا والساحل، وبالمبادرات الجديدة التي أعلن عليها الأمين العام للأمم المتحدة، والتي من شأنها، بحسب التقرير، أن تعطي دينامية جديدة، وحالة اللاجئين في المخيمات، التي تحتاج جهودا لتفادي مخاطر عدم الاستقرار في الأمد البعيد.

 

ويبدو من ظاهر التقرير أنه يتقاطع مع توجيه مجلس الأمن للأطراف، في كون فحوى المطلوب هو البحث عن حل سياسي، وفي الشكل بتقرير المصير. والواضح أنه ولئن انسجم التقرير مع التوجيه والمسألة في شقه الأول، المتعلق بالبحث عن حل سياسي، فإنه تناقض معه في دفاعه عن حق تقرير مصير الصحراء "الغربية" وفقا للقانون الدولي، لأن قصد مجلس الأمن في المسألة الثانية المرتبطة بشكل تقرير المصير، ليس هو الحق في جوهره وكنهه، بل في الشكل والقالب القانوني الذي سيمر منه الحل السياسي المتفق عليه، أي طبيعة وطريقة المصادقة على الحل.

 

وهذه العبارة لمجلس الأمن، والواردة في التوصية رقم 94 من التقرير رقم 2152 وتاريخ 10 أبريل 2014 ، يبدو أنها تحتاج إلى شرح وتوضيح، لأن الأغلبية العظمى، وخاصة من غير أهل الخبرة، تجهل حقيقة قصد مجلس الأمن، ويختلط عليها الأمر. فهي تعتقد أن مجلس الأمن يدعو بذلك إلى تقرير حق المصير في الصحراء. والحال أنه ليس كذلك، ولو صح ذلك ما احتاج إلى البحث عن حل سياسي بمعيّة الطرفين، ويحظى بقبولها، فالأمر لا يعدو البحث عن قناة، وغلاف، وشكل يمر عبره المصادقة على الحل السياسي الذي لقي رضا وقبول الطرفين. وهكذا، فإن سفير السويد قد سقط، من حيث يدري أو لا يدري، في الخلط نفسه. وإذا كان بقصد منه، فقد تناقض في منطلقاته وخلاصاته.

 

وبينما يشير تقرير وزارة الخارجية السويدية إلى أن الأمر في الصحراء، و تبعا "للأمم المتحدة يتعلق بالاستعمار"، ويذكر بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في الموضوع سنة 1975، واستنتج منه فردريك فورين عدم اعتراف المجموعة الدولية بسيادة المغرب على إقليم الصحراء، فإن تقرير الأمين العام عدد 2152 بتاريخ 2014 يشير، في التوصية رقم 93، إلى أن الإقليم مسجل ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ 1963 فقط، ولا يعطي وصفا للتواجد المغربي، عكس ما ذهب إليه، خطأً أو إيهاما بسوء نية، تقرير فريدريك فلورين للخارجية السويدية.

 

سادسا: التقييمات القابلة للنقاش في تقرير المراجعة السويدية

 

أدركت السويد أن سابق إعلانها يتناقض والمقاصد والمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وإعلان مبادئ القانون الدولي المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يحث على واجب تنمية وتعزيز التعاون الدولي فيما بين الدول، وليس مع مجموعات أو جماعات انفصالية، ووضعت نفسها في مركز من اتخذ موقفا لطرف البوليساريو، وخرجت عن مبدأ الحياد، ولم تعد تصلح، بعد رفض المغرب، لتقديم المقترحات ولا التوصيات، وليس لها من حق في المشاركة والمساهمة في صناعة الحل، وأن تشهير إعلانها يعتبر من قبيل أعمال التأثير المباشر في عمل مجلس الأمن، ويشكل نوعا من الضغط غير المبرر وغير الأخلاقي لعمل الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي.

 

ولا شك أن السويد عاينت خرقها يطال ويمتد إلى المساس بالأعراف الدولية، وقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، منها اتفاقية اللجوء 1951، التي لا تعطي صفة شعب لثلة قليلة وجدت في وضع اللجوء، وفي غياب للأرض والإقليم، ومنحت صفة السلطة لقيادة لا تحظى بقبول أغلبية السكان، التي تتواجد داخل المغرب، ولم يتم استشارتها. ولا مراء أيضاً أنها تفطنت، فاعترفت أن سلوكها سيعصف بأمن واستقرار منطقة شمال أفريقيا والساحل عامة، وسيادة المملكة المغربية ضمن نطاق المجال الكبير الذي أشار إليه تقرير خارجيتها، وتعرض بذلك السلم والأمن العالميين للخطر، وهما التزامان دوليان يجب النظر إليهما ومراعاتهما بالأولوية، وهو أولوية مجلس الأمن الدولي، فسارعت إلى إجراء التقييم والرجوع في إعلانها، ودعمها للتسوية السياسية وعمل الأمين العام للأمم المتحدة.

 

ومع ذلك، فإن تقريرها المذيل بتوقيع سفيرها فردريك فلورين، والذي اعتمدته الحكومة السويدية لتغيير رأي كاد أن يشكل قناعتها واعتقادها وإيمانها مرحليا أو دائما، وهو بطبيعة الحال شأن يعنيها ويخصها، فإنه لا يخلو من معطيات، تبقى محل تعقيب ومناقشة، لأنه مبني ومؤسس على استنتاج خاطئ في مجمله، وتبرير اعتباطي ومغلوط، يوجب المبادرة لتصحيحه وتقويمه، حتى لا يتوهم السويد أن المغرب يرضى به ويقبله على حالته، ويحتج به في مواجهته فيما بعد، بل يجب تجزئة بنيان التقرير والتعقيب عليها قانونيا وواقعيا.

 

أـ تقييم وصف القضية أنها تصفية استعمار!

 

إن ادعاء كون قضية الصحراء في نظر الأمم المتحدة، في طبيعتها، تتعلق بتصفية الاستعمار، هو تقييم مغلوط، لأن المنظمة الأممية ليست جهازاً وآلية وحيدة، فمنها من يصدر قرارات قابلة للتنفيذ، كمجلس الأمن، ومنها من يصدر مجرد توصيات غير ملزمة، كالجمعية العامة للأمم المتحدة ولجانه، ولكل منها زاوية خاصة تنظر منها إلى نزاع الصحراء. ويؤول معه ذلك التنوع والاختلاف ليطال وصف النزاع. وهذا الوصف لم يعرف ثباتا واستقرارا، حتى وصل وانتهى على مستوى جميع آليات المنظمة إلى خلاصة واحدة؛ وهو دعم التسوية السياسية للوصول إلى حل مقبول من الطرفين.

 

وهو الإطار الذي اعتمده مجلس الأمن منذ سنة 2007. واستوت بذلك نظرة كل أجهزة الأمم المتحدة، ولا فرق في ذلك بين الجمعية العامة واللجنة الرابعة ومجلس الأمن. كما أن الاعتماد على حكم المحكمة الأوروبية بتاريخ 10 دجنبر 2015 للقول بذلك، ارتكازا على ما اعتمدت عليه في إلغاء الاتفاق الزراعي مع الاتحاد الأوروبي لا يستقيم، لأنها محكمة غير ذات ولاية للتصريح بذلك، ولأن قرارها غير نهائي، ولأن المغرب لا يمكن مواجهته بحكم ليس طرفا فيه.

 

كما أن مجلس الأمن ولئن أورد في الفقرة 93 من تقرير 2014 أن الإقليم مسجل ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ 1963، فإنه لم يعط وصفاً أنه يرزح تحت الاستعمار، بل أشار إلى أنه سيستمر في إشرافه حتى تحديد وضع الإقليم النهائي، وغاب عن السفير السويدي حقيقة أخرى أن إدراج الإقليم في تلك الحالة كان بسعي مغربي، بصفته صاحب الحق في الإقليم، وفي التاريخ نفسه الذي أشار إليه تقرير مجلس الأمن 1963، عندما كان الإقليم محتلا من قبل الإسبان.

 

ب ـ محكمة العدل الدولية وسيادة المغرب

 

وفيما يتعلق بالقول إن المجموعة الدولية لا تعترف للمغرب بسيادته على الإقليم تأسيسا على الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975، فلم يتم الوقوف عند جواب القرار بوجود روابط قانونية وبالطبيعة بين الإقليم والإدارة المركزية، وبين سكان الإقليم والسلاطين العلويين، ودون الإشارة إلى البطلان الذي يطال الجزء الذي قد يكون استند إليه ما دامت المحكمة انتقلت إلى الخوض في أمور لم تطلب منها.

 

ج ـ مجلس الأمن بين الحق أو الشكل في تقرير المصير

إحالة على الفقرة الخامسة، والمرتبطة بعلاقة التقييم السويدي بتوجيهات مجلس الأمن، ومنه أعيد تكرار هذه الفقرة "فالعبارة الواردة في تقرير الأمين العام، والواردة في التوصية رقم 94 من تقرير 10 أبريل 2014، يبدو أنها تحتاج إلى شرح وتوضيح، لأن الأغلبية العظمى، وخاصة من غير أهل الخبرة تجهل حقيقة قصده، ويختلط عليها الأمر. فهي تعتقد أن مجلس الأمن يدعو بذلك إلى تقرير حق المصير في الصحراء، ولو صح ذلك ما احتاج إلى البحث عن حل سياسي بمعيّة الطرفين، ويحظى بقبولها، فالأمر لا يعدو البحث عن قناة، وغلاف، وشكل يمر عبره المصادقة على الحل السياسي الذي لقي رضا وقبول الطرفين. وهكذا، فإن سفير السويد قد سقط، من حيث يدري أو لا يدري، في الخلط نفسه. وإن كان بقصد منه، فقد تناقض في منطلقاته وخلاصاته".

 

خلاصة:

 

لا ريب أن هذه المراجعة السياسية انبنت على قراءة لقواعد القانون الدولي، ومجمل القراءة مغلوطة وخاطئة وتعسفية واعتباطية، ورغم إشارة بلاغ وزارة الخارجية المغربي في الفقرات الأربع الموجزة والمقتضبة جدا بوجود تقييمات قابلة للنقاش في تقييم المراجعة السويدية، فإنه كان من الأجدر والحري الجواب عنها بدلا من التهليل لتقرير ملغوم ومفخخ، لأن موجبات خلاصته، والتي احتفى بها المغرب في اللحظة، قد تتغير بالإقرار ضمنيا بالتقييم الخاطئ.

 

ومهما يكن من أمر يمكن تداركه في المستقبل من طرف الدبلوماسية المغربية، فان السويد علمت للمغرب والجميع درسا في التأني، فقد أخذت وقتها كافيا للتقييم، وأعطت تكليفا لسفيرها فردريك فلورين، لصاحب الخبرة والاهتمام بالموضوع، فما أحوج دبلوماسية المغرب لتقليد ذلك. فكم من قضية ضاعت بسبب العجالة والخطب العشواء، وتكليف غير ذي علم ولا إلمام بالموضوع.

صبري الحو

خبير في القانون الدولي ـ الهجرة ونزاع الصحراء

19/01/2016