الإعلانات الأحادية الجانب الصادرة عن إقليمي كردستان العراق و كاتالونيا بتنظيم استفتاء الانفصال تشكل انحراف خطير عن الشرعية الدستورية لدول ذات سيادة، كما يهدد بحالة عامة من اللاستقرار في النظام الدولي.

إن حق الشعوب في تقرير المصير هو أحد المبادئ المركزية في منظومة القانون الدولي، و لكن في نفس الوقت أكثرها إثارة للجدل. السبب راجع بالأساس إلى اختلاف الرؤى حول المعايير التي يتحدد وفقها مفهوم الشعب الذي يراد تقرير مصيره. ثم أن هناك مسألة في غاية الأهمية و التعقيد و تتعلق بأشكال تطبيق المبدأ، و منع تحوله لشعار يسوغ تقسيم الدول و تمزيقها إلى دويلات مصطنعة غير قادرة حتى على التحكم في مصيرها. 

في البداية، كان المبدأ مرتبطا ارتباطا وثيقا بالأسس الفلسفية و السياسية التي قامت عليها الدولة القومية الحديثة مثل السيادة الشعبية و العقد الاجتماعي. و الجدير بالذكر أن أول تطبيق لمبدأ تقرير المصير كان أفقه متمثلا في بناء دول أوروبية قوية مثل فرنسا وبريطانيا، وبعد ذلك في القرن التاسع عشر تحقيق الوحدة داخل كيانات مجزأة في أوروبا حينذاك مثل إيطاليا وألمانيا.و بالتالي، فإذا بحثنا في جذور المبدأ الفلسفية، نخلص إلى أن ظهوره ارتبط بفكرة الوحدة و ليس بنزعة التشرذم، إذ شكل أساسا لبناء الدولة القومية الموحدة.

ظهور الحق في تقرير المصير كأحد مبادئ القانون الدولي الحديث

بعد الحرب العالمية الاولى، أعلن الرئيس الامريكى السابق وودرو ويلسون مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير واحدا من ضمن الأربعة عشر مبدأ كمدخل لإعادة بناء السلم الدولى. ولكن هذا الحق لم يُعترف به سوى للشعوب الأوروبية بينما تم نعت الشعوب غير الأوروبية ب "غير المتحضرة" ، و كونها لا تستحق التمتع بتقرير المصير، و من تم استمر إخضاعها بالقوة الاستعمارية تحت مسميات جديدة كالوصاية و الانتداب. على إثر ذلك، نهضت حركات التحرير الوطنية في أفريقيا وآسيا بالكفاح ضد القوى الاستعمارية رافعة مبدأ الحق في تقرير المصير. بعد الحرب العالمية الثانية، تأكد من خلال ميثاق منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 و بناءا على مرجعية القرارات الأممية أنه من غير الممكن عزل مبدأ الحق في تقرير المصير عن السياق التاريخي المرتبط بمسلسل تصفية الاستعمار.

في هذا السياق، أكدت 4 توصيات مهمة صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، و ربطته بمحددات و شروط تجعله غير متعارض مع مبدأ السيادة و عدم انتهاك السلامة الترابية للدول. تماشيا مع ذلك، أعلنت التوصية رقم 673 لعام 1952، و التوصية رقم 1514 الصادرة عام 1960، حق الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها. ثم جاء القرار رقم 1541 في نفس السنة ليوضح أن الحق ينطبق على الجماعة و الإقليم المتميزين بالبعد الجغرافي، و التميز العرقي والثقافي عن الدولة التي تخضعهم للاحتلال. و قد وسع قرار الجمعية العامة رقم 2625 الذي اعتمد في عام 1970 من نطاق الحق لتستفيد منه الشعوب المعرضة للتمييز العنصري والهيمنة والاستغلال.

انطلاقا من المرجعية القانونية المسطرة من قبل الأمم المتحدة، تستوقفنا ملاحظتان رئيسيتان: الأولى هو أن جميع النصوص المذكورة تؤكد على أن حق تقرير المصير موجه بالتحديد للشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار أو التي تعاني من الاضطهاد و الاستغلال. الملاحظة الثانية تكمن في اهتجاس نفس النصوص بألا تتحول لشيك على بياض تبيح تهديد الوحدة الوطنية والسيادة الإقليمية للدول و تشرعن الانفصال، إذ اعتبرت أن ذلك يشكل انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئها. 

وإلى جانب هذه الملاحظات الأولية، فإن الإطار المعياري للحق في تقرير المصير كما هو مصاغ في القانون الدولي لا يعطينا إجابات شافية عن إشكالية أساسية تتعلق بتعريف مفهوم "الشعب"، إذ ظل هذا المفهوم مثيرا للجدل بالنظر لعدم وجود اتفاق حول طبيعة العناصر المادية والمعنوية لتوصيفه. وحتى عندما يتم عرض هذه العناصر بشكل مجزأ، لا يكون من السهل أبدا تجاهل الاستراتيجيات السياسية المستترة وراءها، وتهديداتها الكامنة للأمن الإقليمي والإنساني (حالة جنوب السودان كنموذج).

لا يختلف اثنان أن حق تقرير المصير يكتسي أهمية بالغة في القانون الدولي الحديث، ولكن بعد انتهاء مسلسل تصفية الاستعمار، أصبح تطبيق المبدأ ضحية فراغ قانوني في ظل غياب محددات معيارية يمكن أن تساعدنا على تحديد مفهوم الشعب، وبالتالي فمسألة التثبت من مشروعية مطالبة جماعة معينة بالحق في تقرير مصيرها لا تزال مفتوحة على تأويلات متعارضة، ومصدرا للصراعات في السياسة الدولية. بناءا على قرارات الأمم المتحدة، يتضح أن الشعوب المعنية بتقرير المصير هي الشعوب المستعمرة أو المحتلة بشكل غير قانوني، و الشعوب التي تتعرض للتمييز العنصري أو الاضطهاد.

ما بعد الحرب الباردة و تسييس مبدأ الحق في تقرير المصير

لقد دفع تحول النظام الدولي في حقبة ما بعد الحرب الباردة، موازاة مع تشتت القوميات و تسييس قضايا الهوية الثقافية ما دون الدولة الوطنية، إلى حدوث انحرافات وتجاوزات في إعمال مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير. في الواقع، لقد أفضى الغموض حول تعريف مفهوم "الشعب" إلى نزوع القوى العظمى إلى توظيف المبدأ بشكل انتقائي بهدف خدمة مصالحها الجيواستراتيجية على مسرح السياسية الدولية. كان من نتائج ذلك منذ بداية عقد التسعينات انطلاق موجة من الحروب في منطقة البلقان انتهت بتقسيم يوغوسلافيا السابقة إلى دول جديدة مستقلة. على هذا المنوال، انتشرت ظاهرة الإعلانات الانفرادية للاستقلال في أجزاء كثيرة من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى (ترانسنيستريا 1990 وأوسيتيا الجنوبية وناغورني كاراباخ في عام 1991 وأبخازيا عام 1999...)

تجسد انحراف المبدأ عن إطاره القانوني بشكل فج في حالتي إعلان استقلال أحادية الجانب برهنتا بوضوح عن هشاشة و تسييس فاضح لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير. الحالة الأولى عندما أعلنت كوسوفو - إقليم تعتبره صربيا تاريخيا جزء لا يتجزأ من إقليمها – عن استقلالها من جانب واحد في عام 2008. قامت الولايات المتحدة والدول الغربية مباشرة بعد ذلك بالاعتراف بالكيان الجديد، في حين اعتبرت صربيا وروسيا والصين الإعلان الانفرادي لكوسوفو غير قانوني و قائم على خرق سافر للقانون الدولي. الحالة الثانية حصلت في عام 2014، بعد إعلان إقليم شبه جزيرة القرم بشكل انفرادي انفصاله عن أوكرانيا، و في الوقت ذاته انضمامه إلى الاتحاد الروسي. بادرت حينئذ الولايات المتحدة و دول الاتحاد الأوروبي إلى الاعتراض على شرعية إعلان القرم الأحادي الجانب، واعتبرت ذلك انتهاكا صارخا للسيادة الأوكرانية وسلامة أراضيها.

من خلال قراءة ردود الفعل إزاء هاتين الحالتين، يتبين أن مبدأ حق الشعب في تقرير المصير تحول لموضوع نزاع بين القوى الكبرى و أصبح خاضعا لتفسيرات مسيسة متناقضة تنبع من تعارض المصالح الجيوسياسية.

يثير هذا الوضع الملتبس قلقا متزايدا بشأن استقرار النظام الدولي. مما لا شك فيه أن عدم وجود أساس قانوني ينظم إنشاء دول جديدة خارج قواعد إنهاء الاستعمار، بحيث يكون معترفا بشرعيته أضحى يشكل تهديدا صريحا للأسس القانونية والمادية ذاتها التي تقوم عليها كينونة الدولة الوطنية الحديثة. و الملاحظ اليوم أن الاستخدام السياسي لمبدأ حق الشعب في تقرير المصير ينطوي على رسم استراتيجي حقيقي لتفتيت الدول و إعادة رسم حدودها وفقا لما تقتضيه مصالح القوى العظمى و استراتيجيات القوة و الهيمنة. النتيجة الماثلة أمامنا هي إنتاج المزيد من الدول الفاشلة والمنهكة أو خلق كيانات كرتونية غير قابلة للحياة دون وضعها تحت نفوذ قوى أخرى. 

يطرح التفعيل المسيس لمبدأ حق تقرير المصير إشكالية الخلط بين تقرير المصير والاستقلال، و الميل لتحديد مفهوم الشعب على أساس معايير ذاتية و متعسفة. لم يعتبر القانون الدولي أبدا حق تقرير المصير مرادفا للحق في الانفصال عن دولة ذات سيادة، غير أن أطراف لعبة الشطرنج الدولية لم يعد يجدوا في الوقت الراهن أدنى حرج في تحويله إلى مبدأ سياسوي. و بالتالي، يترتب عن كل هذا أن فلسفة مبدأ تقرير المصير و معانيها الغائية المتمثلة في احترام الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعوب، وتحررها من الخوف والحاجة و الإذلال، أصبحت أمورا ثانوية تتلاشى أهميتها أمام ترجيح المقاربة الترابية بمعناها الضيق.

ختاما، لم يعد خفيا أن مبدأ تقرير المصير قد خرج عن إطاره القانوني تحت ضغوط الصراعات الجيوسياسية التي تخوضها القوى الكبرى. لكن، و بالرغم من ذلك يبقى من واجب الأمم المتحدة أن تعيد هذا المبدأ في شقه التنفيذي إلى إطاره المعياري الذي يتناسب مع المقاصد النبيلة التي وضع من أجلها، و حتى لا يفضي لانتهاك المبادئ العليا التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي برمته: سيادة الدول وحفظ سلامتها الإقليمية. بخلاف ذلك، فإن الاستمرار على هذا النهج سيحول مبدأ حق تقرير المصير إلى فتيل لإشعال الحروب و النزاعات و مصدر عدم استقرار بنيوي في النظام الدولي.

رضا الفلاح

أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ابن زهر بأكادير

17/09/2017