الحرية بما يكفل كرامتها، ذلك الحق الذي يجد جذوره في الأصول الإنسانية و القانونية و الأخلاقية، و الذي يتطور بتطور الحاجيات الإنسانية – الفردية و الجماعية -، و يمارس في الأطر الشرعية التي تكفل الأمن و الإستقرار الدوليين ودون النيل من مبادئ أساسية في القانون الدولي و لاسيما ماتعلق ب: مبدأ سيادة الدولة، مبدأ الإستقلال السياسي، مبدأ الوحدة الترابية . و عليه لا يمكن قبول الخلط المقصود أو غير المقصود بين الإعتبارات الشرعية القائمة على دعامتي الحق و القانون، و الإعتبارات الإديولوجية القائمة على المصالح الضيقة أو الحسابات الشخصية التي ترتبط في الغالب بالزعامات و المذاهب التي ارتبطت بدورها بالحرب الباردة و الصراع الإديولوجي بين المعسكرين – الشرقي و الغربي -، كما لا يقبل الإنحراف في استخدام المبادئ و القيم الإنسانية و القانونية للوصول إلى أوضاع غير مقبولة أو إضفاء الشرعية على أوضاع واقعية لم تكن لتكون شرعية لولا التدخلات و التقاطبات الدولية ، و التي تستفيد من كون قواعد القانون الدولي قواعد إرادية تتسم بالذاتية و واقعية القوة أكثر مما تتصل بالموضوعية و المثالية.

إن الخوض في موضوع حق الشعوب في تقرير المصير ليس خوضا جديدا و لكن أريده في هذه المقال أن يكون خوضا مباشرا و موضوعيا و عقلانيا بعيدا عن المزايدات التي لم تزد العلاقات الدولية إلا توترا و توتيرا ، و التي لم تخلو فيها مواقف الدول من التناقضات النظرية و العملية بين المتحدث و الحديث و الحوادث . أريد في هذه المقال التحرر من كل قيد سياسي أو إديولوجي، و التقيد بكل ما هو قانوني و دلالي بالدلالتين اللغوية و الإصطلاحية، و حاصل القول العمل الجاهد على لفت العالم إلى واجب حماية الدولة باعتبارها الطرف الرئيس في بناء القانون الدولي و في تطبيقه و تفسيره و في تطويره و تمكينه، و عدم السماح تحت أي ظرف أو عنوان المساس بالسيادة الوطنية أو الوحدة الترابية أو الإستقلال السياسي لدول مستقلة، و مجاراة الأفراد أو الجماعات في مطالبها ببناء كيانات جديدة و تحت مسوغات عاطفية أو ثقافية أو خصوصيات في الأعراف و التقاليد. و عليه يكون من الوجوب القانوني رفع اللبس عن العلاقة بين مبدأ تقرير المصير و مبدأ حماية الدولة في سيادتها ووحدتها و استقلالها .

و رفع مثل هذا اللبس في غاية من الأهمية من أجل تحقيق الوضوح في العلاقات الدولية و تدعيم أواصر التعاون و التكافل بين مجموعة الدول ذات السيادة الوطنية و التقليل من احتمالات الخلط مقصودا كان أو غير ذلك بين أفعال التحرر المشروعة و أفعال العنف السياسي غير المشروع و هنا تتداخل المفاهيم و المصطلحات بشكل يثير كثيرا من الغموض و اللبس في المعاني و المدلولات. و هو الأمر الذي يقتضي تحديد الطبيعة القانونية لتقرير المصير من خلال إبراز الإتجاهين :

 

الإتجاه الأول: حق الشعوب في تقرير مصيرها مجرد مبدأ سياسي:

يستند القائلون بهذا الرأي إلى العديد من الحجج و الأسانيد، فهم يرون أن حق تقرير المصير لا يعدو أن يكون مجرد مبدأ سياسي وضع لإنهاء أوضاع إستعمارية، و ترتيب أوضاع إقليمية ناشئة عن ظروف دولية و خاصة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، و لم يغير ميثاق الأمم المتحدة من هذا الوضع شيئا، فقد ذكر تقرير المصير في الميثاق كمجرد مبدأ و ليس كحق، فضلا عن أن نصوص الميثاق المتعلقة بتقرير المصير يشوبها الغموض و عدم التحديد، بحيث لا يمكن بأنها تخلق مبدأ قانونيا يرتب إلتزامات قانونية، و أما القول بأن قرارات عديدة صدرت عن الأمم المتحدة تؤيد حق الشعوب في تقرير مصيرها، فذلك أيضا مردود في ضوء تجرد هذه القرارات من الصفة القانونية الملزمة، خاصة و أن المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية لم تدرج هذه القرارات ضمن مصادر القانون الدولي، و حاصل القول: أن تقرير المصير – في عرف هذا الإتجاه- لم يزل بعد مبدأ سياسيا يتعين على الدول أن تنشد تحقيقه كمثل أعلى دون أن يقع عليها إلتزام قانوني في هذا الشأن.

 

الإتجاه الثاني: تقرير المصير حق : يقول الدكتور مصطفى الناجي:

( بسبب اختلاف وجهات النظر في تفسير هذا الحق من قبل القوى الاستعمارية والمناهضة للاستعمار لا سيما في شأن منح الشعوب غير المستقلة استقلالها، فقد عمل ممثلو الدول الاستعمارية على التقليل من شأن هذا الحق وإضعاف أهميته إلى حد إنكار وجوده ضمن مبادئ القانون الدولي، مما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تطلب من لجنة حقوق الإنسان في قرارها رقم 421 الصادر عام 1950 وضع توصياتها حول الطرق والوسائل التي تضمن حق تقرير المصير للشعوب، كما نصت في قرارها رقم 545 الصادر عام 1952 على ضرورة تضمين الاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مادة خاصة تكفل حق الشعوب في تقرير مصيرها. كما وأصدرت عام 1952 القرار رقم 637 الذي جعلت بمقتضاه حق الشعوب في تقرير مصيرها شرطا ضروريا للتمتع بالحقوق الأساسية جميعها، وانه يتوجب على كل عضو في الأمم المتحدة الحفاظ على حق تقرير المصير للأمم الأخرى واحترامه.

يقول الدكتور مصطفى الناجي: ( بسبب اختلاف وجهات النظر في تفسير هذا الحق من قبل القوى الاستعمارية والمناهضة للاستعمار لا سيما في شأن منح الشعوب غير المستقلة استقلالها، فقد عمل ممثلو الدول الاستعمارية على التقليل من شأن هذا الحق وإضعاف أهميته إلى حد إنكار وجوده ضمن مبادئ القانون الدولي، مما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تطلب من لجنة حقوق الإنسان في قرارها رقم 421 الصادر عام 1950 وضع توصياتها حول الطرق والوسائل التي تضمن حق تقرير المصير للشعوب، كما نصت في قرارها رقم 545 الصادر عام 1952 على ضرورة تضمين الاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مادة خاصة تكفل حق الشعوب في تقرير مصيرها. كما وأصدرت عام 1952 القرار رقم 637 الذي جعلت بمقتضاه حق الشعوب في تقرير مصيرها شرطا ضروريا للتمتع بالحقوق الأساسية جميعها، وانه يتوجب على كل عضو في الأمم المتحدة الحفاظ على حق تقرير المصير للأمم الأخرى واحترامه.

استكمال هذا التغيير تجسد في استخدام كلمة حق droit بدل مبدأ principle بدءا من قرار الأمم المتحدة رقم 1181 عام 1957 كما وأصدرت عام 1960 قرارها رقم 1514 الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، الأمر الذي شكل محورا استندت عليها جميع القرارات اللاحقة الخاصة بتقرير المصير الصادرة عن الأمم المتحدة.

وبعد سنوات من ممارسات المجتمع الدولي اتخذت الأمم المتحدة قرارها التاريخي بأغلبية 90 صوتا مقابل لا شيء وامتناع 9 دول مفاده: "حق جميع الشعوب من دون تمييز في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي على أن تتخذ خطوات مرتبة لمنح الشعوب غير المستقلة استقلالها التام، ولا يتخذ أي سبب مهما كان ذريعة لتأخير ذلك، لان إخضاع الشعوب لاستعباد الأجنبي إنما هو إنكار لحقوق الإنسان الأساسية ويناقض ميثاق الأمم المتحدة ويعيق السلم والتعاون الدوليين". وقد جمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة جميع المبادئ التي اتخذتها بصدد تقرير المصير في قرار واحد حمل الرقم 2625 عام 1970.

وقد كان عام 1962 شاهدا على صدور قرار مهم عن الجمعية العامة حمل الرقم 2955 حول حق الشعوب في تقرير المصير والحرية والاستقلال وشرعية نضالها بكل الوسائل المتاحة والمنسجمة مع ميثاق الأمم المتحدة، كما طلبت من جميع الدول الأعضاء في قرارها رقم 3070 الصادر عام 1973 الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها وتقديم الدعم المادي والمعنوي وجميع أنواع المساعدات للشعوب التي تناضل من اجل هذا الهدف. ومنذ تلك اللحظة اعتمدت الجمعية هذه المبادئ في جميع قراراتها المعنونة تحت" الإعلان العالمي لحق الشعوب في تقرير مصيرها ومنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة والاحترام العالمي لحقوق الإنسان" وقد كان الهدف من المواد الواردة في ميثاق الأمم المتحدة هي معالجة حق تقرير المصير في الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وتلك المشمولة بنظام الوصاية، وتطور فيما بعد ليشمل المجتمعات داخل الدول بشروط:

 - عدم تدخل دولة في الشؤون الداخلية أو الخارجية لدولة أخرى.

-الامتناع عن إثارة الاضطرابات الداخلية في إقليم دولة أخرى.

 جاء هذا النص على الرغم من أن مسألة حق تقرير المصير ووحدة الدولة ظلت بدون حلول أو اتفاقيات دولية واضحة بسبب محاولة الدول الكبرى استغلال حق تقرير المصير للتدخل في شؤون الدول التي لا تلتزم معها باتفاقيات أو لا تتوافق سياساتها معها.

وبناء على ما سبق فقد أصبح واضحا في الممارسة الطويلة للمجتمع الدولي دولا ومنظمات دولية أن طبيعة تقرير المصير قد تطورت فأصبحت تعني أحد أهم الحقوق التي تقررها مبادئ القانون الدولي المعاصر، فهو يرتب للشعوب حقوقا ويرتب على الدول التزامات ذات طبيعة دولية، وهو حق دولي جماعي وعام في آن واحد فهو حق للشعوب دون الأفراد وهو حق دولي عام لأنه مقرر لكل الشعوب وليس لفئة دون الأخرى وهو يشمل كل الشعوب المستقلة وغير المستقلة (مصطفى الناجي، الإستفتاء و حق تقرير مصير الشعوب حق للشعوب، ملتقى النبأ للحوار ، نقلا عن الموقع الإلكتروني: annabaa.org/arabic/reports/تاريخ آخر تصفح : 17/11/2017 الساعة 21:21 ) .

فتقرير المصير و إن كان تطور في طبيعته من مجرد مبدأ سياسي إلى مبدأ قانوني تترتب عنه التزامات و مسؤوليات قانونية، إلا مثل هذا التطور لا يمكن أن يكون سندا قانونيا لأي توسع منحرف بالمبدأ . فالشعوب المعنية بتقرير المصير، يجب أن تلك الشعوب وفق منظور القانون الدولي العام، هذا المنظور الذي يذهب إلى تحديد الشعب كمكون و كركن من أركان الدولة المتفق عليها، و المتمثلة في الإقليم، الشعب، السلطة، الإعتراف الدولي سواء كان هذا الأخير ركنا كاشفا أو منشئا . الشعب مفهوم لا تحدده العواطف، و لا منطق الأقليات و العصبيات و الجماعات تحت شماعة الخصوصيات اللغوية و الثقافية و الدينية أو التمايزية عموما، بل الشعب مفهوم قانوني وسياسي محدد الطبيعة و المعالم .

و عليه فإن تقرير المصير يتعلق بكل شعب تعرض إلى سيطرة أجنبية تأخذ صور الإحتلال و العدوان العسكري المنافي لأحكام القانون الدولي العام، أو شعب تم إخضاعه إلى نظام سياسي شمولي لا يلتزم بالحد الأدنى من قيم حقوق الإنسان و الديمقراطية القائمة على التداول السلمي للسلطة و احترام الحقوق السياسية عموما، أي أن تقرير المصير يمارس على مستويين: خارجي و داخلي . و عليه فالإحتلال مثلا لا يقع على الشعب أو الأفراد بل يقع في النهاية على الدولة، فالعدوان هو استخدام القوة العسكرية ضد السيادة الوطنية أو الوحدة الترابية أو الإستقلال السياسي لدولة مستقلة ، هذا المفهوم يترتب عنه أن تقرير المصير يتطلب من وجهتنا القانونية :

1- قيام دولة بشروطها و أركانها .
2- أن تمارس الدولة سيادتها على الصعيدين الداخلي من خلال سلطات التشريع و التنفيذ و القضاء ، و الخارجي من خلال إقامة العلاقات الدولية و العضوية بالمنظمات الدولية.
3- أن تتعرض الدولة إلى حالة من حالات الإحتلال أو العدوان أو السيطرة الأجنبية عموما.
4- ينشأ حق الشعب في مقاومة هذا الإحتلال أو العدوان أو السيطرة الأجنبية عموما وفق مبادئ القانون الدولي و الممارسة الدولية. و غير هذا الطرح من شأنه أن يقوض العلاقات الدولية و يميع مبادئ تقليدية مقدسة في القانون الدولي – التقليدي و المعاصر- كمبادئ السيادة و الوحدة الترابية و الإستقلال السياسي .

 

و إلى هذا الحد من مقالنا يكون من الضرورات الحدر من كل المحاولات التي ترمي إلى زعزعة منظومات الأمن الوطني و الإقليمي و الدولي على حد سواء، و لاسيما أن بعد انتهاء مسلسل تصفية الإستعمار أصبح تطبيق هذا المبدأ ضحية فراغ قانوني في ظل غياب محددات معيارية يمكن أن تساعدنا على تحديد مفهوم الشعب ( للتوسع راجع مقال بعنوان : تسييس مبدأ حق تقرير المصيرأو فقدان التحكم في المصير

 بقلم الدكتور ماز حسن 

30/11/2017