في خطاب المسيرة لسنة 2006، أعلن جلالة الملك أن حكومته بصدد إعداد مشروع ومبادرة للحل في الصحراء، وفي أبريل من سنة 2007، سلم مندوب المغرب للأمين العام للأمم المتحدة رسالة المبادرة، وكشف بذلك عن طبيعتها، الحكم الذاتي، ومضمونها بمنح إقليم الصحراء نظاما خاصا يسمح لسكان الصحراء بتولي تدبير شؤونهم بأنفسهم من خلال هيآت تشريعية وتنفيذية وقضائية، داخل سيادة المغرب الواحدة.

 

ويكيف مقترح المغرب بالحكم الذاتي في الصحراء، في نظر علم السياسة والفكر السياسي، بنظام وشكل وطريقة لتدبير الحكم والسلطة وتولي تدبير الشأن العام، وهو نظام سياسي تعمل به مجموعة من الدول الغربية الديمقراطية، منها ألمانيا وإسبانيا، ولو بأشكال مختلفة نسبيا. وهو بذلك ينطبق وينسجم مع إرادة الأمم المتحدة المتجهة منذ 2004 نحو ضرورة البحث عن حل سياسي متوافق عليه.

وعلى الرغم من مجهود جبهة البوليساريو لاستباق المغرب بيوم واحد في توفير واقتراح مبادرة، حيث وجهت للأمين العام رسالة بتاريخ 9 أبريل 2007 تتشبث فيها فقط بالاستفتاء، فإن هذا المقترح لا يرقى عمليا ونظريا إلى حل يمكن إدراجه ووصفه بالحل السياسي، لأن الاستفتاء مجرد آلية لاستشارة الإرادة في ما تتجه إليه من تعبير عن الاختيار فقط، وليس طريقا للحكم ولا وسيلة للمشاركة في تدبيره.

 

إلا أن تعميق التمحيص وإمعان قراءة ورقة البوليساريو ينبلج عن أنها تنفتح على حلول ثلاث؛ الاستقلال أو الاندماج أو الحكم الذاتي. فهل يمكن إيجاد رابط بين مقترح للبوليساريو ومقترح المغرب؟ لا أدري هل تفطنت الأمم المتحدة ومجلس الأمن وأمانته العامة وأعضاؤه على الأقل منذ طرح المقترحين على تفكيكهما؟ والبحث في ما قد يتقاطعان فيه ويجمعهما؟ أم أن التناقض البين بين المقترحين يخلق لدى الجميع الانطباع وحكم القيمة بعدم جدوى الخوض في أمر يبدو مستحيلا؟

 

أولا: القاسم المشترك بين المقترح المغربي بالحكم الذاتي ومقترح البوليساريو بالاستفتاء

 

يلتقي مقترح المغرب ومقترح جبهة البوليساريو، الموجهين إلى مجلس الأمن في أبريل 2007، في أن المغرب يعرض التفاوض لتطبيق الحكم الذاتي في جهة الصحراء، بينما تقبل البوليساريو بحل الحكم الذاتي ضمن خيارات ثلاثة تعرض على الاستفتاء؛ وهي الاستقلال والاندماج والحكم الذاتي.

 

ثانيا: تجارب الأمم المتحدة مع الاستفتاء؛ الصعوبات، الرفض وعدم الواقعية

 

في علاقة بالاستفتاء، الذي تعيد البوليساريو طرحه وتكراره الآن في مبادرتها لسنة أبريل 2007، لا شيء تغير من الصعوبات نفسها التي صادفتها الأمم مع الأطراف ومع نفسها في علاقة بمقترح البوليساريو بالاستفتاء، منها المتعلقة بالنزاع حول حصر لائحة الهيئة الناخبة والطعون، والتي تجعل منه مستحيل عمليا، كما تجدر الإشارة إلى تجربة مخطط بيكر سنة 2004، الذي انتهى برفض المغرب للاستفتاء، والى امتناع الأمم المتحدة عن تقديم دعمها لخلاصات بيتر فان والسوم بعدم واقعية خيار الاستفتاء، وتوصيته بتعليقه سنة 2008.

 

وهو ما جعل هيئة الأمم المتحدة ترى أن النزاع والأطراف تضعها أمام ثلاث خيارات: فرض حل على الطرفين، أو الانسحاب من عملية البحث عن حل أو الصبر ومزيدا من المفاوضات، وهي في ذلك تكرر سابق الخيارات التي أشار إليها الأمين العام السابق كوفي عنان في تقريره الموجه لمجلس الأمن سنة 2002. ومع ذلك، فإن الأمم المتحدة تميل في النهاية إلى الحل المرتبط بمزيد من المفاوضات.

 

ثالثا: عمليات الترجيح والطرح تجعل مقترح البوليساريو يقابل مبادرة المغرب

 

عمليا، وباستعمال معيار المفاضلة والترجيح بين الأنظمة الإدارية والسياسية التقدمية، فإن الحكم الذاتي، الذي تضعه البوليساريو في الدرجة الثالثة، هو أقل تقدمية من الاستقلال، على المستوى النظري فقط، لكنه، أي الحكم الذاتي، أكثر تقدمية من حل الاندماج الذي وضعته البوليساريو في المرتبة الثانية، وعليه فيمكن رسوب الانضمام والاندماج من خيارات استفتاء البوليساريو لصالح الحكم الذاتي الذي يحويه ويستغرقه.

 

وهو ما يجعل البولساريو، وفي علاقتها بالمسألة المطروحة بين الحكم الذاتي والاستقلال المنفتح على ثلاثة خيارات، وبعد إسقاط خيار الاستفتاء غير الواقعي وإسقاط خيار الاندماج لاستغراق الحكم الذاتي له، فإن حصيلة ما تبقى من خيارات بعد طرح الخيارين الأول والثاني، هو الحكم الذاتي. ويبقى وجها لوجه أمام خيار المغرب الوحيد بالحكم الذاتي أو لا شيء. والبوليساريو في ناتج المسألة، ومن حيث لا تدري، تقبل بمقترح الحكم الذاتي.

 

رابعا: الحكم الذاتي حل سياسي والجهوية المتقدمة تضمن حق تقرير المصير

 

ولأن مشروع الحكم الذاتي يحقق حق ساكنة جهة الصحراء في تولي شؤون أمورها وتسييرها بنفسها ويسمح لها بالتصرف واستغلال مواردها لتحقيق تنميته الجهة، فهو بذلك، أي الحكم الذاتي، يعتبر حلا سياسيا، ولأن الجهوية المتقدمة في صيغتها الحالية تضمن حق المشاركة السياسية وتضمن حق التنمية، وما يتفرع عنها من ضمان للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإنها في مرتبة الكافلة لحق تقرير المصير، الذي عبرت عنه نسبة مشاركة جهة الصحراء في الانتخابات التي ناهزت ثمانين بالمائة.

 

ويضمن نظام الجهوية المتقدمة ومبادرة الحكم الذاتي سيادة جهة الصحراء، لكن داخل سيادة وطنية واحدة وكبيرة. وهو ما انطلق المغرب على وضع لبناته الأولى، وكأن المغرب يعلن للعالم وللمجموعة الدولية أنه يتوفر على حل كامل وجاهز، وأنه ماض في تنفيذه وتطبيقه عن طريق تنمية الجهة، وأنه لن يجعل نفسه ومستقبل الجهة ورفاهية ساكنتها رهينة إرادة البوليساريو الجامدة والمكرهة، ويرفض أن يكون سجين إرادة أخرى حاضنة للأولى ومعادية وبغيضة ومنافسة للمغرب، وتأبى النظر بعين العقل إلى المستقبل.

صبري الحو

خبير في القانون الدولي والهجرة وشؤون نزاع الصحراء

03/11/2015