حمل خطاب الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء يوم 6 نونبر 2015،دلالات عميقة تمتزج بالبعدين الإنساني و الحقوقي ، حيث كرست إحدى صفاته الملك " الإنساني " أو الملك " المواطن " ، الرجل القريب من شعبه والمحب له ، خصوصا عندما شعر بما يعانيه سكان تندوف من فقر ويأس وحرمان، و من خرق منهجي لحقوقهم الأساسية، معربا عن تأسفه من كون أن الجزائر لم تستطع أو لا تريد أن توفر لهؤلاء السكان طيلة أربعين سنة حوالي 6000 سكن ، يصون كرامتهم بمعدل 150 وحدة سكنية سنويا. وللإشارة فإن سكان تندوف يسكنون في الخيام ولايتوفرون على صناديد المياه الصالح للشرب، ويفتقدون لمقومات الحياة المدنية المتحضرة.

علما بأن الدول والمنظمات الدولية رصدت مئات الملايين من الأورو كمساعدات إنسانية والتي تتجاوز 60 مليون أورو سنويا، دون احتساب الملايير المخصصة للتسلح ولدعم الآلة الدعائية والقمعية للانفصاليين.

وتساءل الملك محمد السادس بنبرة حقوقية شجاعة عندما قال في خطابه " كيف يمكن تفسير الغنى الفاحش لزعماء الانفصال الذين يملكون العقارات ويتوفرون على حسابات وأرصدة بنكية بأوروبا وأمريكا اللاتينية؟. ولماذا لم تقم الجزائر بأي شيء من أجل تحسين أوضاع سكان تندوف الذين لا يتجاوز عددهم 40 ألفا على أقصى تقدير، أي حي متوسط بالجزائر العاصمة؟".

كما تساءل "لماذا تقبل الجزائر التي صرفت الملايير في حربها العسكرية والدبلوماسية ضد المغرب بترك ساكنة تندوف في هذه الوضعية المأساوية واللاإنسانية؟". استغلوا مأساة مجموعة من نساء وأطفال الصحراء وحولوهم إلى غنيمة حرب، ورصيد للاتجار اللامشروع ووسيلة للصراع الدبلوماسي".

هذا الخطاب ليس موجها فقط للجزائر والمنظمات الدولية المعنية ، وإنما موجها أيضا لسكان تندوف ، هؤلاء الذين ضاقت بهم مرارة الحياة اليائسة والحرمان المتزايد والانتهاك المستمر لحقوقهم الأساسية ، وهو ما سيدفعهم، عاجلا أو آجلا ،للانتفاضة ضد زعماء البوليساريو الذين يستغلون معاناتهم للحصول على الامتيازات المتنوعة من بعض الدول ، ويجولون عبر العالم ، وينزلون في أفخم الفنادق، تاركين وراءهم مجموعة من الرجال والنساء والأطفال تائهين في منطقة من صحراء الجزائر، هي جزء من صحرائنا، تحت الخيام وسقوف البنايات العشوائية ، ينتظرون الوهم. فقد حان الوقت ، لكي يفضح سكان تندوف الزعماء الانتهازيين الذين يتاجرون بقضية الصحراء.

وعندما نتحدث عن معاناة سكان منطقة تندوف ، فإن ذلك لم يأت من فراغ ، أو هو عبارة عن تضليل أو مزايدة ، وإنما ثابت في تقارير عدد من المنظمات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان ، فقد سبق أن كشف تقرير للجنة الأمريكية لشؤون اللاجئين والمهاجرين صدر في 2010م، عن تورُّط قادة البوليساريو في قضايا يُجرمها القانون الدولي تتمثل في الاستغلال والعنف الجنسي والتعذيب والتجارة في الأطفال.

وحسب هذا التقرير فإن ممارسات الاستغلال تتمثل في نهب المساعدات الإنسانية التي ترسلها المجموعة الدولية لسكان المخيمات وتبيعها في أسواق الجزائر ومالي وموريتانيا.

وفيما يخص التعذيب؛ فيتمثل في عدة أنواع أبرزها: الاعتقال التعسفي والاستغلال الجنسي للنساء.

وبالنسبة للتجارة في الأطفال ، فقد تم تهجير هؤلاء إلى إسبانيا و ترحيلهم إلى كوبا للتدريب العسكري والتكوين الإيديولوجي ، مما يشكل معاناة للأسر والعائلات الصحراوية بتندوف، حيث يقضي الأطفال سنوات طويلة بعيداً عن العائلة ورقابتها وتنشئتها .

في نفس السياق أكدت تقارير دولية أخرى ما سبق الإشارة إليه ، ونذكر تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، الذي وردت فيه أنواع من الانتهاكات الصارخة لحقوق المرأة ، فعلى سبيل المثال ، تتعرَّض المرأة الصحراوية لظاهرة الزواج القسري وتُغتصب براءتها وتُستغل في البِغاء وفي أعْمال إباحية.

و في هذا الخصوص نتساءل : كيف يفهم المرء أن تطالب جبهة البوريساريو وحليفتها الجزائر المنتظم الدولي لمراقبة حقوق الإنسان في الأقاليم الصحراوية مع غض الطرف عن الانتهاكات الخطيرة التي ترتكب بمنطقة تندوف ؟. وكيف يستسيغ المرء أن نساوي بين الوضع الحقوقي بالمغرب على علاته وبين الوضع الحقوقي بمخيمات تندوف حيث تنعدم أبسط حقوق الإنسان؟. هذا مع العلم أن قادة الجزائر وقادة البوليساريو يمنعون فتح الحدود أمام كل أي منظمة أو وفد إقليمي أو دولي يريد الاطلاع على الوضع الحقوقي بالجزائز أو بمخيمات تندوف.

خالد الشرقاوي السموني
*مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والإستراتيجية

28/01/2016