يبدو أن وزير الخارجية والتعاون المغربي السيد صلاح الدين مزوار قد نجح بالفعل في وضع أصبعه على الجرح الجزائري الغائر بحديثه عن الوضع البئيس لحقوق الإنسان بهذا البلد الجار، فضلا عن الهيستيريا التي خلّفتها الجولة الملكية بإفريقيا والمكاسب السياسية والإقتصادية التي حققتها.

فقد خرج علينا يوم أمس الناطق بإسم وزارة الشؤون الخارجية في الجزائر عبد العزيز بن علي شريف، بتصريحات “عنترية” لوكالة الأنباء الجزائرية معبرا فيها عن انزعاج جزائري واضح وصريح من تصريحات مزوار حيث وصفها بـ “المشينة” ملفتا إلى أنها: ” تشكل “انزلاقا”، في العلاقات بين البلدين وتنم عن حساسية مفرطة لا تليق البلدين الشقيقين والجارين”.

والحقيقة أن ما أزعج سلطات البلد الجار في تصريحات مزوار ليس حديثه عن وقوف الجزائر وحلفائها وراء قرار ما يسمى بـ “الإتحاد الإفريقي” القاضي بتعيين مبعوث له إلى الصحراء، فهم يعرفون تمام المعرفة أن هذا القرار لا يعدو كونه حبرا على ورق ولا يُلزم المغرب في شيء طالما أنه ليس عضوا في “مملكة القذافي”، وطالما أن المغرب عبر عن رفضه المطلق لتدخل هذا “الإتحاد” في مشكل الصحراء لأنه خرج عن موقف الحياد منذ اللحظة التي قبل فيها بعضوية “الجمهورية الوهمية” في هياكله، وبالتالي فهذا “الإتحاد الإفريقي” يعرف تمام المعرفة أنه لا حظ له في أن تطأ قدم مبعوثه أرض الصحراء ولا حتى أن يشم ريحها. لكن ما حرك مسؤولي البلد الجار وهز كيانهم هو حديث مزوار عن وضع حقوق الإنسان بهذا البلد، والتي يعرف القاصي والداني، أنها تعيش وضعا بئيسا ومزريا حيث قال خلال اجتماع بالبرلمان المغربي إن الجزائر “ليس لها مصداقية في خطابها وخصوصا في مجال حقوق الانسان وأن الكل يعرف ما يجري داخل هذا البلد من خروقات حقوقية”، هذه الجملة هي ما دفع سلطات الجزائر للرد سريعا عليها حيث تذكرت أخيرا أن المغرب بلد “جار” للجزائر وأن الشعبين المغربي والجزائري هما “شعبان شقيقان”.

رد الناطق باسم وزارة الخارجية الجزائرية يبدو أنه لم يكن كافيا لإطفاء النيران التي أشعلتها تصريحات مزوار في أروقة الحكومة الجزائرية فكان لا بد لنظام العسكر أن يحرك بدقة آخر من بيادقه ألا وهو فاروق قسنطيني، رئيس ما يسمونه باللجنة الاستشارية لحماية وترقية حقوق الإنسان، الذي نسي أوضاع اللاجئين الصحراويين المزرية بتندوف، ونسي الحرب الطائفية في غرداية وانحياز سلطات بلاده للعرب السنة، ونسي كذلك الإختطافات والتعذيب الذي يتعرض له النشطاء الأمازيغيين بالقبايل، ونسي مآسي الشعب الجزائري مع الجذاذة العسكرية الجزائرية، وانبرى للرد على الوزير المغربي من خلال تصريحه (الفضيحة) لإحدى اليوميات الجزائرية حيث وصف بأن ما جاء على لسان وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار بـ “كلام شارع لا يشرف صاحبه”، معربا في الوقت ذاته عن قناعته بأن: “رئيس الدبلوماسية الجزائرية الذي يتصرف دائما بحكمة سيرد في الوقت المناسب (على نظيره المغربي) ويوقفه عند حده”.

والسؤال المطروح هنا، ألم يكن جديرا “بالمناضل” الجزائري أن يلزم حدود منصبه ويقوم بتكذيب وتفنيد تصريحات صلاح الدين مزوار حول الوضع الحقوقي في بلاده، وأن يبين بالأرقام والدلائل عن أي “تقدم” من الممكن أن تكون قد “حققته” الجزائر في هذا المجال، وأن يبرهن بالملموس عن إجراءات حكومة بلاده للنهوض بأوضاع حقوق الإنسان وترقيتها، بدل أن يحشر أنفه في أمور السياسة، ويخرج بتصريح مثير للسخرية. ألم يكن تدخل “رئيس الهيئة الحقوقية الجزائرية” هذا في غير محله؟ ألا يرى “فاروق قسنطيني” أنه هو من يهرب إلى الأمام بتحاشي الحديث عن الوضع الحقوقي بالجزائر لأنه حتما سيكون حديثا لا “يشرف صاحبه”؟ ألم تعبر تصريحات “المناضل الحقوقي” الجزائري عن صدق ما تناوله مزوار، ذلك أن المناضلين الحقوقيين في شتى بقاع العالم غالبا ما يكرسون جهودهم للدفاع المستميت عن قضايا حقوق الإنسان في بلدانهم، لكن ما فعله، هو دليل واضح إلى افتقار الجيران إلى ثقافة حقوقية حقيقية، منزهة عن ترهات السياسة وشراكها.

ختاما شخصيا أقول (BRAVO) للسيد صلاح الدين مزوار لأنه فعلا نجح في ذر الملح المغربي في جرح جزائري غائر لا يزال ينزف إسمه “حقوق الإنسان”.

محمد غربي

18/07/2014