كباقي المغاربة تابعت خطاب العرش لهذه السنة بحماس شديد شوقا لسماع جلالة الملك وهو يوجه الطبقة السياسية لما في خير للوطن. وبالفعل ركز الخطاب الملكي بهذه المناسبة على عدة أمور أساسية من بينها التعبئة الدائمة للقضية الوطنية وكذا أهمية االبرامج السياسية الحزبية وترك المزايدات السياسية جانبا.وهذا ما سيقوي بلدنا لأن الأحزاب المغربية في حاجة ماسة إلى تطوير ممارساتها السياسية عوض الانزياح عن ضوابط الممارسة السياسية الراشدة. فالأحزاب مطالبة أكثر من أي وقت مضى بمراجعة نفسها وتطوير قوانينها التنظيمية لتتماشى مع الإرادة الملكية في جعل المغرب بلدا متقدما ذو مكانة عالمية.

ومع الأسف تحدث انزلاقات بين الحين والآخر من طرف بعض السياسيين علما أنهم مطالبون بترشيد الخطاب السياسي نحو البرامج السياسية والبحث عن "بدائل واقعية " كما نص على ذلك جلالة الملك.فالأحزاب مطالبة اليوم باستيعاب اللحظة التاريخية وحسن تدبيرها عبر توفير حلول إستراتيجية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية الحالية.وقد يقول قائل أنني أبخص الخطاب السياسي الحزبي وهذا غير صحيح لأن واقع الحال يشهد على بؤس الخطاب السياسي الحزبي لعدة أسباب.

أولا،عدم رغبة جل الأحزاب المغربية في الفصل ما بين الترشيح في الانتخابات الجماعات الترابية وانتخابات مجلس النواب بالرغم من ضرورة ذلك.بحيث يلاحظ تهافت مرشحي الأحزاب على انتخابات مجلس النواب علما أن بعضهم مسؤول بالجماعات الترابية و يسير الجماعة أو المدينة.و السؤال موجه لكل من يتهم كتاب الرأي بالمؤامرة على الأحزاب حول الأسباب التي تمنع الأحزاب من سن قوانين تنظيمية تمنع من نجح في انتخابات الجماعات الترابية من الترشح في البرلمان. فيا ترى من يمنع الأحزاب من القيام بهذا العمل؟وأين مصلحة البلد في الاحتفاظ بمنصب مسؤول جماعي والحصول على العضوية في البرلمان؟ فإذا كان المحرك هو الطموح الذاتي للمرشح فتلك مصيبتكم و لا تلومون إلا أنفسكم على حب المناصب.

ثانيا،احتكار الترشيح لانتخابات من لدن بعض المتنفدين في الأحزاب وترك باقي المناضلين جانبا مما يساهم في كبت الاقتراحات السياسية لباقي الأعضاء واعتبارهم أدوات مسخرة لخدمة من بيده القرار الحزبي وهذا عيب ديمقراطي وجب إصلاحه.حيث يصبح من العبث الانتماء الحزبي مادام أن التزكيات محتكرة.إن الديمقراطية بمفهومها الغربي لا تصلح للمغرب في الوقت الحالي في ظل غياب أحزاب ديمقراطية تعتمد على البرمجة الدقيقة للحظة الانتخابية.فالديمقراطية تقتضي المسؤولية الجماعية وليس الرغبة في الهيمنة على المشهد السياسي لخدمة الأغراض الشخصية.والحل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة هو إحداث مؤسسة إستراتيجية تفرض على الأحزاب التقدم ببرامج محينة قابلة للتطبيق في ظرف زمني محدد تتخذ بعين الاعتبار الظرفية الداخلية والدولية.فهل تملك الأحزاب المغربية بدائل لحلحلة العديد من المشاكل الاجتماعية؟

وما يؤسف له هو تجاهل الفاعل الحزبي لكل ما من شأنه أن يطور الممارسة السياسية بالبلد علما أن مصلحة البلد تقتضي تضافر الجهود و نكران الذات.وما يجهله هؤلاء هو أن التمثيل السياسي ليس مهنة وإنما هو ابتكار عبقري لقضاء مصالح الوطن و المواطنين و ليس غاية أبدية.وهل سيطرح الذين يتهمون كتاب الرأي بتبخيس الممارسة السياسية في برامجهم الانتخابية القادمة مسألة التخلي عن تقاعد البرلمانين علما أنه ليس للقانون أثر رجعي. فيا ترى هل القادمون الجدد مستعدون للتخلي على التقاعد خدمة لمصلحة الوطن الذي يقترض بين الفينة و الأخرى؟

إنه بإنشاء مؤسسة إستراتيجية لتدبير البرامج الحزبية سنقطع مع المزايدات السياسية من جهة ويصبح التركيز على الحلول الممكنة من جهة أخرى.فعوض توجيه النقاش إلى التشكيك سنعمل على التأسيس لممارسة سياسية ناجعة وأصيلة تتركز بالأساس على الاستفادة من الذكاء الجماعي المغربي وتوظيفه لصالح التنمية و فتح المجال للشباب لتأسيس أحزاب جديدة حسب متطلبات المرحلة والتركيز على مراكز الدراسات الحزبية عوض تأجيج مشاعر الجماهير بالخطابات العنترية.بحيث يصبح الصراع هو صراع معطيات تقنية وليس من يحسن تلويك الكلام ويحسن الصراخ.كما أن بلدنا في حاجة ماسة إلى إدخال بعض التعديلات على القوانين الانتخابية لتصبح أكثر فاعلية. بحيث يستحسن الاعتماد على لائحة وطنية لجميع الترشيحات عوض انتداب ترشيحات لأحزاب على صعيد الجهات تفاديا للعنف والممارسات السلبية وقد وصفها جلالة الملك في خطاب العرش "بالقيامة" وهو خير تعبير عن ذلك وأتوقع أن تنهار بعض الأحزاب في غياب الترشيحات الجهوية لأن مسألة الديمقراطية الحزبية ستكون عاملا حاسما في إنشاء أحزاب أخرى ولا أعتبر ذلك بلقنة بقدر ما هي بداية لنشوء أحزاب ديمقراطية بمرجعيات تنموية واقعية.وما يحتاجه زعماء الأحزاب في الوقت الحالي هو تقديم اقتراحات عملية لتطوير الممارسة السياسية والتصرف بمسؤولية عوض تحوير النقاش العمومي إلى الحياة الشخصية والوعود الكاذبة غير المبنبة على أسس علمية.

02/08/2016