خلاصات تقرير الجمعية العامة للأمم المتحدة حول ”مسألة الصحراء الغربية”

أصدرت الجمعية العامة في دورتها 63 في شهر غشت الجاري، تقريرا مقدما من طرف الأمين العام للأمم المتحدة حول مسألة ”“الصحراء الغربية”، و هو التقرير الذي جاء في ستة صفحات، مقدما 21 نقطة أو فقرة تتعلق بقضية الصحراء، و بالتطورات التي عرفها هذا الملف منذ قرار مجلس الأمن لسنة 2014 وصولا للحظة الحالية، و هي الفترة التي تميزت بتطور ملفت للملف لصالح المغرب، و لصالح الحل السياسي الذي طرحه المغرب الذي أصبح يوما بعد آخر يحوز على ثقة المنتظم الدولي، و الفاعلين الأمميين.

بالتالي فهذا التقرير أهميته تنبع من كونه وثيقة رسمية صادرة عن أعلى جهاز أممي، يعي جيدا حجم المخاطر التي تعرفها المنطقة، و مدى جدية كل طرف في هذا النزاع، و تأثير المحيط الإقليمي"الجزائر” فيه و في طرفيه، سلبا، من خلال رغبة يحكمها نزوع نحو محاولة يائسة لإضعاف المغرب، و التضييق عليه، كما أنه وثيقة صادرة بعد أشهر قليلة من إصدار مجلس الأمن لقراره عدد 2218 بتاريخ 18 أبريل 2015.

عليه فهذا التقرير يعتبر مكملا للقرار السالف ذكره،يكون بذلك قد تكون إجماع لدى مختلف أجهزة الأمم المتحدة سواء التشاورية منها أو التقريرية عن طبيعة هذا الصراع، و الحلول المفترضة، و الجدية للخروج من هذا النزاع الذي يظل اللاجئين هم ضحاياه الأساسيين بسبب افتقارهم لكل مقومات الحياة الطبيعية بالمخيمات، عدم توفرهم على أية حماية تقيهم شر و بطش قيادة الجبهة، و الدرك الوطني الجزائري الذي يفرض رقابة حقيقية على المخيمات و على حركة التنقل داخلها، من و إليها، الذي تسببت تدخلاته العنيفة التي يستعمل فيها الرصاص الحي وفاة عدة أشخاص بالمخيمات دون أن يعاقبوا، أو يحاسبوا على هذه الجرائم، في صمت مريب لقيادة البوليساريو على هذه الجرائم التي تعد تواطئا مفضوحا معهم و تزكية لهذه الجرائم إن لم يكونوا شركاء فيها بسبب موقفهم السلبي.

بالعودة لهذا التقرير سيتم ملاحظة انه يحمل في طياته أربع مرتكزات رئيسية، الانتباه اليها سيسعف الباحث، و الفاعل في الملف الى فهم و استشراف طبيعة تطور الملف على صعيد أجهزة الامم المتحدة، و الأسس التي سيرتكز عليها أي حوار أو تفاوض مستقبلي بين المغرب و جبهة البوليساريو سواء كان مباشرا أو غير مباشر، حيث حدد هذا التقرير ملامحه الكبرى و الاستراتيجية، بالتالي فالجمعية العامة في دورتها 63 هاته تكون قد أصدرت ملخصا عن حالة الصحراء الذي يمكن قراءته من خلال:

1- التقرير أعاد التذكير في ثلاث فقرات منه بموقف المغرب من قرار مجلس الأمن الصادر سنة 2014، و بالأجواء التي صاحبته،و الممهدة للموقف الذي اتخذه المغرب رسميا سواء بإعادة تحديد علاقته بالمبعوث الشخصي كريستوفر روس الذي تسبب رفض المغرب التعامل معه إلى وقف المفاوضات لأكثر من تسعة اشهر، مما أدى إلى إحداث تأخر في الملف نتيجة الملاحظات التي أبداها المغرب حوله و حول تحركاته بالمنطقة، و هو المبعوث الذي لم يعد لممارسة مهامه إلا بعد أن أخذ المغرب كامل الضمانات من طرف الأمين العام للأمم المتحدة بعد المكالمة التي أجراها محمد السادس معه، و هي المكالمة التي أعاد هذا التقرير التذكير بها، بعد أن تضمنها قرار مجلس الأمن الأخير، التي تحولت نظرا للوضوح، و الإنزعاج الذي أبداه المغرب في هذه المكالمة، كذا للالتزامات الشخصية أعلنها الأمين العام للأمم المتحدة اتجاه ملك المغرب و هي الالتزامات المعبر عنها في التقرير في فقرته السادسة ب: ”” وفي 22 كانون الثاني / يناير 2015 ، تحادث الملك محمد السادس هاتفيا مع الامين العام واتفقا على المضي قدما .وقدم الامين العام تأكيدات بأنه سيبذل عناية فائقة في إعداد تقاريره في المستقبل وأنه لن يسعى لإجراء أي تغيير في ولاية البعثة”، التي بموجبها فتح المغرب أبوابه لرئيس بعثة المينورسو الجديدة، كذا لعودة المفاوضات التي انطلقت مجددا في فبراير التي كانت مناسبة لإطلاق مشاورات دولية حول الملف و حول التمهيد لقرار مجلس الأمن.

2- التقرير أعاد التركيز، و التأكيد على معطى أساسي هو الكيفية التي سيتم تناول بها موضوع حقوق الإنسان بإقليم الصحراء، حيث أجهض التقرير أية محاولة مستقبلية لطرح فكرة تغيير و توسيع مهام بعثة المينورسو لتشمل حقوق الإنسان، عليه أسقط كل تفكير نحو تغيير تدبير الملف من المادة 6 إلى المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، اعتبارا لكون ما كان يتم تقديمه من طرف الجزائر و جبهة البوليساريو من مطالب تتعلق بهذين الموضوعين قد ”نسفهما” المغرب بفعل الإجراءات و الإصلاحات الدستورية و المؤسساتية التي قام بها المغرب خاصة في الثلاث سنوات الأخيرة آخرها الاعتراف ب جمعيات صحراوية ”حقوقية”، و هي الإصلاحات التي جعلت من المنتظم الدولي يثق في المغرب و في مؤسساته الوطنية خاصة منها المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي حوله لشريك في مسألة حقوق الإنسان بالمنطقة، و بديل عن فكرة توسيع مهام المينورسو لتشمل حقوق الإنسان، من خلال عمل لجنه الجهوية بإقليم الصحراء، كذا من خلال المجهود الإيجابي الذي قام به مع المفوضية الأممية لحقوق الإنسان الذي حولته لشريك بالمنطقة، و لمخاطب في كل ما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان حيث جاء في التقرير كتأكيد على هذا التوجه ما جاء فيه بفقرته 13: ”وقامت مفوضية الامم المتحدة بإيفاد بعثة إلى المغرب والصحراء الغربية ، في الفترة من 12الى 18 من نيسان / أبريل من أجل تقييم التطورات في مجال حقوق الانسان والتحديات القائمة على ارض الواقع ، واستكشاف سبل التعاون لضمان توفير الحماية الفعالة لحقوق الانسان بالصحراء الغربية .والتقى فريق المفوضية اثناء البعثة ، بمجموعة واسعة من المسؤولين الحكوميين ،والسلطات المحلية والمجلس الوطني المغربي لحقوق الانسان وممثلي المجتمع المدني...).

عليه يكون المغرب قد أغلق على الأقل في الفترة الحالية مطلب توسيع مهام المينورسو لتشمل حقوق الإنسان،عزز من إمكانية قيام المؤسسات الوطنية المستقلة بهذه المهمة، و بتطوير حالة حقوق الإنسان بالمنطقة، و إذا كان المغرب هنا قد قدم مخاطبا للأمم المتحدة يتوفر على جل المعايير المعترف بها دوليا خاصة منها مبادئ باريس التي مكنته من الحصول على تأشيرة الأمم المتحدة للتعامل معه، فإن الإشكال يطرح نفسه بقوة داخل مخيمات تندوف التي لا يتوفر سكانها على أية حماية، بل جبهة البوليساريو هي من تتوفر على حماية عسكر الجزائر للقيام بجرائمها و انتهاكها المستمر لحقوق الإنسان بهذه المخيمات دون أن يتعرض مرتكبيها لأية مساءلة أو متابعة.

3- خطر الإرهاب القادم من المخيمات بسبب حالة اليأس و الإحباط التي يعيش فيها سكانها، و انسداد الأفق بالنسبة إليهم، خاصة و أن جزء كبير منهم تحول لشبه رهائن لدى النظام الجزائري و قيادة الجبهة، و خزان حطب للتنظيمات الإرهابية بالمنطقة، التقرير أعاد الوعي بأهمية الربط بين استمرار هذا النزاع و حالة الأمن و السلم بالمنطقة، هذا الوعي الذي تجلى من خلال ما أورده التقرير بعدة فقرات أولها فقرته الثانية منه التي ربطت بين خطر استمرار هذا النزاع على المنطقة، ضرورة التوصل لحل سياسي من خلال ما يلي :

”و يتناول مجلس الامن مسألة الصحراء الغربية باعتبارها مسألة تتعلق السلم و الامن، داعيا في قرارات متتالية إلى التوصل الى حل سياسي مقبول من الطرفين...” و هي القاعدة التي ستكون محور أي تفاوض مستقبلي بين طرفي النزاع، هذا الربط بينهما، أعاد هذا التقرير التأكيد عليها من خلال تغييبه للاستفتاء كحل، بالمقابل أعاد التذكير بمقترح المغرب و مبادرة الحكم الذاتي.

فقد اتجه التقرير في هذا الباب، من إخلال أكثر من 6 فقرات منه من أصل 13 فقرة، إلى الحديث عن التحديات التي يفرضها الملف، خاصة على مستوى المخاطر و التهديدات الإرهابية التي يفرضها النزاع، حيث أكد التقرير على لسان مبعوث الشخصي في الفقرة 11 إلى أنه ” لفت الانتباه إلى التهديدات الأمنية المتزايدة في منطقة الساحل و الصحراء، بما في ذلك احتمال نشوء علاقة بين السكان اللاجئين المحبطين، و خاصة شبابهم، و بين الأنشطة الواسعة النطاق للمجموعات الإجرامية، و جماعات العنف المتطرفة، و الارهابية...”.

هذا الربط بين المخيمات و بين ما يجري داخلها، خاصة على مستوى حالة اليأس و الإحباط، و انسداد الأفق بالنسبة للأجيال الشابة خاصة منها التي ازدادت بالمخيمات، و يصعب عليها نظرا لعدم توفرها على بطاقة لاجئ التي قد تمكنهم من حرية الحركة، إلى التوجه نحو التنظيمات الإرهابية التي تتحرك بكل حرية في تخوم المخيمات، إذا أضفنا إليها ما تعرفه المنطقة ككل من انتعاشة للتنظيمات الإرهابية التي بعد أن دمرت منطقة الشرق الأوسط أصبحت تضع أعينها الإرهابية على وسط و شمال افريقيا، ما الأحداث الأخيرة التي عرفتها مصر، بعدها تونس إلا أكبر مؤشر على هذا التهديد، الذي يستغل وضعية المخيمات و الحالة النفسية للاجئين من انسداد أفق أي حل يضمن لهم العودة الكريمة لأرضهم المغرب في ظل استمرار تعنت قيادة الجبهة على القبول بمبادرة الحكم الذاتي المعبر الطبيعي عن الحل السياسي الذي تحدث عنه الأمين العام للأمم المتحدة في هذا التقرير و في قرار مجلس الأمن 2218.

هذا التقرير ينضاف إلى عدة تقارير و قرارات أممية تؤكد على صوابية التوجه الذي خطه المغرب دبلوماسيا، و هو التوجه الذي لا يجب أن يصيب الآلة الدبلوماسية المغربية رسميا، شعبيا بأية حالة ارتخاء قد يتسبب فيها الإحساس صوابية بنشوة الانتصارات المتكررة، بل يجب أن تزيد من عزم المغرب على السير قدما في تعزيز إصلاحاته خاصة الحقوقية منها، و في يقظة دبلوماسيته و إصلاحها لتجاوز الملاحظات التي أبداها الخطاب الملكي الأخير حولها.

نوفل البعمري

01/09/2015