قبل الخوض في الدور الذي أصبحت تلعبه الثقافة على العموم والموسيقى على الخصوص في خدمة الاقتصاد و السياسة وجب التنبيه والتحذير من خطورة سوء استخدام المصطلح السياسي. فمثلا عندما نطالع بعض المقالات نلاحظ أن كلمة"أمازيغي" أصبحت تستخدم مقابلا لكلمة" مغربي" وهذا عيب لغوي وجب تصحيحه. فعندما نقرأ العنوان التالي"لماذا لم يوشّح فنانون أمازيغ بأوسمة ملكية في ذكرى المسيرة؟ " يخيل لنا أن هناك فنانون أمازيغ و فنانون آخرون و أن الأوسمة أعطيت تبعا للميز العنصري و هذا ينطوي على خطر محدق بالثقافة المغربية القومية.فمن المستحيل أن تجد أن كل الذين يتكلمون اللغة الأمازيغية في المغرب من أصل أمازيغي قح. فأنت لديك في شمال المغرب سكان ذوو البشرة البيضاء والشعر الأشقر والعيون الزرقاء يشبهون إلى حد ما الشعوب الجرمانية ولديك في الجنوب سكان ذوو البشرة السمراء يشبهون إلى حد ما الأفارقة وشعوب الشرق الأوسط وفي الوسط هناك سكان ذوو البشرة البيضاء والشعر الأسود والعيون البنية.
وزد على ذلك الاختلافات البيولوجية بين العناصر المكونة وهل من تفسير علمي على تشابه بعض السكان المغاربة مع سكان جنوب شرق أسيا؟إضافة إلى الاختلاط بين المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط و السكان المحلين.وهذا يوضح بجلاء أن صاحب العنوان أخطأ عندما ربط اللغة بالعرق وهذا غير صحيح لعاملين اثنين:إذ ليس كل الذين يغنون باللهجات الأمازيغية هم من العرق الأمازيغي و العكس صحيح بالنسبة للذين يغنون باللغة العربية أو الدرجة المغربية.العامل الثاني يتجلى في ملائمة الأغاني الموشحة لحدث المسيرة الخضراء واعتزازها بالانتماء للمغرب. والأصح أن نقول الفنانون المغاربة الناطقين بالأمازيغية أو الفنانون المغاربة الناطقين بالعربية إذا استدعت الضرورة ذلك، بيد أنه من الأفضل تجنب التفرقة بين المغاربة و المصطلحات السياسية من قبيل أمازيغي/عربي حفاظا على الوحدة الوطنية لأنه عندما تصبح اللغة مرادف للعرق تحدث الكارثة السياسية.
ما يلاحظ أن التوشيحات تنبني على مدى قدرة الأغاني على الترويج للثقافة المغربية على الصعيد الدولي. فمثلا أغاني سعد المجرد أصبح لها صدى عالمي و ساهمت إلى حد ما في نشر الدرجة المغربية في العالم و قد تم تقليد أغانيه من طرف فنانين في عدة أنحاء من المعمور كإيران و كوريا الجنوبية. و نفس الشيء تقوم به دنيا باطما حاليا و فنانون آخرون و ما على الطامعين في التوشيحات سوى التنافس في إظهار المملكة المغربية في أبهى حلة و الاعتزاز بالانتماء و الافتخار بالوطن. ومن منا لم يحس بالعز عندما رفض سعد المجرد الحديث باللغة الفرنسية عندما تمت استضافته من طرف إحدى القنوات الفرنسية وفضل الحديث بالدرجة المغربية مما أجبر القناة الفرنسية على استدعاء مترجمة.كان على صاحب المقال ترشيح بعض الأسماء التي تغني باللهجات الأمازيغية وإظهار أعمالها التي أسدتها خدمة للوطن والصحراء المغربية و الانتشار العالمي الواسع وقدرتها على الاستمالة وإجراء مقارنة علمية بين أغاني سعد المجرد ودنيا باطما و عبد الهادي بلخياط وهذه الأغاني دون اللعب على الورقة العنصرية التي توظف من الحين إلى الآخر للضغط والتاريخ سوف لن يرحم كل من ابتز بلده. إن توظيف هذه الورقة لنيل بعض المصالح والمنافع الذاتية يسيء إلى حد ما للثقافة ذاتها وما نحتاجه اليوم إصدار قانون يمنع استخدام مفردات عنصرية من قبيل "عربي" و أمازيغي" في سياقات معينة وتعويضهما بكلمة" مغربي" حتى نضع حدا لابتزاز وأن تتركز الأنظار على الكفاءة في الأداء في جميع المجالات.
ما لا يعلمه البعض أن العمل الدبلوماسي تطور في الألفية الثالثة وأصبحت الدول تراهن على أدوات جديدة للتأثير في الرأي العام الدولي والضغط على الدول الأخرى. وما الموسيقى إلى وسيلة من الوسائل الثقافية المتاحة لاستمالة الثقافية.ولا يخفى على الكثيرين والمتتبعين أن وزارة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية نظمت سنة 1955 جولات من الطراز العالي لفرق موسيقى الجاز يقودها فنانون أمثال ديزي جليسبي و لويس أرمسترونغ وآخرون لزيارة الاتحاد السفياتي وبعض أجزاء الكثلة الشرقية لغرض إبراز قدرة النظام السياسي الأمريكي على استيعاب الصراعات الداخلية والانتصار للديمقراطية.وكانت الغاية من كل ذلك نيل الرضا والمساندة للولايات المتحدة الأمريكية.ونفس الشيء تم القيام به سنة2005 عندما اندلعت أحداث الشغب بالأحياء الهامشية الفرنسية حيث عملت الولايات المتحدة الأمريكية على توظيف موسيقى الراب و الهيب هوب لخلق جسور تواصل بين االولايات المتحدة الأمريكية والمهمشين في أوروبا دفاعا عن المصالح الأمريكية ومثل ذلك تقوم به العديد من الدول حول العالم وما الاحتفالات الموسيقية التي تنظمها السفارات إلى خير دليل على ذلك ويحضرني في هذا الباب التنبيه إلى المبالغة في حفاوة استقبال بعض الفرق الموسيقية الأجنبية في بلادنا علما أنها تخدم السياسة الخارجية لبلدانها بطريقة أو أخرى والأصح أن تقابل الحفاوة بحفاوة مثلها خدمة لسياسة الخارجية المغربية حتى لا تستغل طيبوبة المغاربة لأن العلاقات الدولية تنبني على المصلحة المشتركة.
أما السياسة الثقافية الخارجية الفرنسية فتتركز على ثلاث محاور أساسية:(1)نشر الأعمال الإبداعية الفرنسية بكل أنواعها،(2)إشعاع الثقافة الفرنسية والتبادل الثقافي من خلال تنظيم لقاءات سنوية خارج وداخل فرنسا،(3) وأخيرا تعزيز القدرات الفنية لبلدان العالم عبر تنظيم تظاهرات محلية.وتندرج هذه المحاور في إطار الدبلوماسية الثقافية الفرنسية التي تشمل مجالات الإعلام و الإنترنيت و الفنون البصرية و الاستعراضية و السينما و المتاحف و الرياضة الرامية إلى خدمة المصالح الإستراتيجية الفرنسية في المجالين الاقتصادي و السياسي.وللحديث عن تأثير الثقافي في السياسي والاقتصادي لا مفر من العروج على مفهوم " القوة الناعمة" لفهم هذه العلاقة.فلقد خصص مستشار الأمن القومي السابق الأستاذ بجامعة هارفرد جوزيف ناي كتابا كاملا تحث عنوان"القوة الناعمة:وسيلة النجاح في السياسة الدولية"لمناقشة هذا المفهوم. ويربط جزيف ني القوة بالأهداف التي يتم تحقيقها على الواقع،حيث تستخدم ثلاث طرق أساسية في هذا الباب:التهديد والمال والانجذاب.فعلى الصعيد الدولي تلجأ الدول تارة للتهديد بالاستخدام القوة العسكرية أو العقوبات المالية لتحقيق مآربها لكن الورقة الثالثة تظل عصية التوظيف نظرا لتداخل عدة عوامل منها القيم المؤسسة للدول ومدى تأثير سياستها على وجدان الشعوب وهذا ما يفسر الغاية من تخصيص برامج التبادل الثقافي لأمريكي و استهدافه للنخب لأنها هي التي ستكون في أعلى المناصب في بلدانها وسيسهل على الولايات المتحدة التعامل معها لأن لديها القابلية لخدمة المصالح الأمريكية دون أن تعي ذلك.
هذه القوة الثالثة التي تجعل الفرد منبهرا بالآخر هي ما سماها جوزيف ني القوة الناعمة. وعندما تفلح دولة ما في توظيفها فإنه يصبح من السهل عليها خدمة مصالحها السياسية والاقتصادية.فمثلا إذا نجح المغرب في نشر ثقافته على نطاق واسع سيسهل عليه التأثير على السياسات الخارجية للدول و بالتالي خدمة مصالحه الحيوية والعكس صحيح مما يحتم على الدول الانفتاح بحظر على الثقافات الأخرى نظرا لوجود هذه العلاقة الاضطرارية بين السياسة والثقافة. ومن تم يصبح الأمن الثقافي ضرورة ملحة.ولتحقيق الأمن الثقافي ينبغي نشر الثقافة الوطنية على الصعيد المحلي حتى يتولد لد المتلقي مناعة ثقافيه تقيه من كل فيروس ثقافي غريب من شأنه أن يفكك بنيته الداخليه.على سبيل الذكر لا الحصر،إذا تخلى المغاربة عن المذهب المالكي سيصبح المغرب دولة تابعة للمركز الموجه وسوف لن تقوم له قائمة. ولا نستغرب أن تقوم الصين بمنع أغاني المغنية الأمريكية ليدي غاغا و المغنية كاتي بيري لتأثيرهما السلبي على الشباب الصيني. بالإضافة إلى ذلك، لازالت المواقع الإباحية ممنوعة في الصين تماشيا مع ثقافتها وسياستها الاجتماعية.
اليوم أمام المغرب تحدي كبير يتجلى في إقناع المغاربة بدون استثناء بضرورة المساهمة في التنمية في كل المجالات للتفوق على باقي الدول وتبوأ مكانة هامة على الصعيد الدولي. إنه ورش حيوي و يتطلب الصبر و تضافر الجهود وتغيير العقليات و التخلي عن التيئيس والعرقله والاستعداد للمساهمة في مغرب الغد عبر العمل الجاد و المثابرة و الاجتهاد والإخلاص لله في الأفعال والتخلي عن الصراعات العقيمة وأن يضع الجميع الوطن صوب عينيه متخلصا من الأنانية.وإذا أفلح المغرب في توظيف أكبر نسبة من الذكاء الجماعي المغربي فإنه سيوفر عليه الكثير من السنوات في سبيل التفوق على باقي الدول وليس ذلك بالمستحيل في ظل وجود قائد حكيم من طينة صاحب الجلالة محمد السادس نصرة الله تعالى.

17/11/2015