سحب ميليشيات البوليساريو من منطقة الكركارات .. الدواعي والدلالات

ساعات قليلة قبل اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2351 بخصوص ملف الصحراء، فاجأت جماعة البوليساريو الجميع بانسحابها من منطقة الكركارات، وهي المنطقة الفاصلة بين المغرب وموريتانيا، إذ لم تستطع أن تعمر طويلا رغم تصريحات سابقة بأنها لن تغادر هذه المنطقة، التي اعتبرتها "أرضا محررة"، غير أن هذه التأكيدات والتصريحات تهاوت وانهارت بانسحابها مرغمة ومجبرة غير مختارة.

 

دواعي وخلفيات الانسحاب

 

يرجع صبري الحو، الخبير في القانون الدولي، هذا الانسحاب المفاجئ إلى "الدور الذي لعبه المغرب"، إذ إنه "نصب فخا لميليشيا البوليساريو حين اتخذ قرار الانسحاب استجابة لدعوة الأمين العام للأمم المتحدة، وأوقعها في مواجهة مباشرة مع هيئة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي". وهكذا "ففي الوقت الذي لاقى القرار المغربي الترحيب من مجموعة من الدول الكبرى ومن مجموعة أصدقاء الصحراء والمالكة لحق النقض، فإن البوليساريو تتلقى طلبات بالتنديد وبضرورة الانسحاب"، يضيف المتحدث.

وأكد الحو، في اتصال مع هسبريس، أن تقرير الأمين العام أنطونيو غوتيريس "شكل صدمة قوية للبوليساريو لاحتوائه على توصيتين في الموضوع، منهما توصية تثني على موقف المغرب وعلى تعاونه، وأخرى تتحدث عن تداعيات وخطورة استمرار البوليساريو في المنطقة، واحتمال جد أكيد أن يتسبب في انهيار العملية التفاوضية ووقف إطلاق النار، ودعا إلى اتخاذ قرار يأمرها بالانسحاب الفوري من الكركارات دون شروط".

ووجدت توصية وملاحظة الأمين العام استجابة من لدن مجلس الأمن، إذ تضمن مشروع قراره ثلاث فقرات تندد بتواجد البوليساريو في الكركارات، وأنها تخرق وقف إطلاق النار، ويأمرها بالانسحاب الفوري ودون شروط، وحملها مسؤولية تطورات الأمور إلى الأسوأ ووضع لها أجل شهر واحد، وأوكل للأمين العام مراقبة تنفيذها وتطبيقها لذلك الأمر وإحاطته علما بذلك.

وأوضح الخبير في القانون الدولي أن "لغة التنديد وتحميل المسؤولية وانتهاك وقف إطلاق النار، والأجل المحدد للانسحاب، وانتداب الأمين العام للمراقبة وإعطاءه آلية استثنائية للإحاطة، أرغمت البوليساريو على الانسحاب، وتحاول تفاديها؛ بل إن الجزائر وحلفاءها طلبوا من روسيا الضغط على أعضاء مجلس الأمن من أجل تأجيل التصويت على القرار يوما واحدا من أجل تنفيذ الانسحاب لتفادي عبارة التنديد".

كما يضيف المحامي بهيئة مكناس أن البوليساريو بقرارها الانسحاب إنما "تريد نقل جزء من الضغط في اتجاه المغرب لاستئناف المفاوضات المباشرة، بادعائها أن كل مبررات المملكة برفضها لم تعد قائمة".

 

دلالات الانسحاب من الكركارات

 

من جهته، سجل عبد الرحيم المنار اسليمي، رئيس المركز الأطلسي للدراسات الإستراتيجية والتحليل الأمني، أربع دلالات لانسحاب البوليساريو من الكركارات ساعة قبل بداية التصويت على القرار بمجلس الأمن الدولي.

الدلالة الأولى، حسب المحلل السياسي ذاته، أن البوليساريو بهروبها من الكركارات ساعة قبل تصويت مجلس الأمن على قراره تكون "قد فشلت في إبعاد الأنظار أثناء مناقشة ملف الصحراء عن قضية تواجدها في الكركارات".

وفي مقابل ذلك يتفق اسليمي مع صبري الحو في القول إن الدبلوماسية المغربية نجحت في جعل محور النقاش داخل مجلس الأمن حول نقطة وجود البوليساريو في المنطقة العازلة والمخاطر الأمنية الناتجة عن ذلك.

أما الدلالة الثانية للانسحاب فإن البوليساريو، حسب اسليمي، "فشلت في إستراتيجيتها الطائشة التي بنتها عليها التواجد في منطقة عازلة تُشرف عليها القوات الأممية".

وفي السياق ذاته أوضح اسليمي أن الانسحاب قبل ساعات من قرار مجلس الأمن "تعبير عن إدانة أممية أثناء إعداد القرار لسلوك البوليساريو مهما كانت الصيغة التي أتى بها"؛ وذلك يعود إلى أن "وضعها بات مختلفا عن مرحلة ما قبل وصولها إلى الكركارات، لكونها تخيلت بتحريض جزائري أنها يمكنها تحدي الأمم المتحدة؛ وهو الوضع الذي لا يمكن للدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن أن تسمح به"، وزاد: "لا يمكن للأمم المتحدة أن تسمح بتحدي مليشيات طائشة لقراراتها".

وفي ما يخص الدلالة الثالثة فإن انسحاب البوليساريو بدون شروط بعد أن ظلت طيلة الأسابيع الماضية تربط الانسحاب بمجموعة شروط ، يعني، حسب رأي أستاذ العلوم السياسية ذاته، أن مجلس الأمن "لا يهتم بالشروط التي روجت لها"، وزاد: "الأمر يتعلق بتحول جديد في ملف الصحراء يبدو من خلاله أن مجلس الأمن مقتنع تماما باستنتاجات الأمين العام الجديد غوتيريس، الذي تجاوز كل المفاهيم القديمة التي كانت البوليساريو تروج لها".

وأما الدلالة الرابعة لهذا الانسحاب فهي "هزيمة إبراهيم غالي وأبيه الروحي القايد صالح، لكونهما اشتركا في رسم هذه الخطة العسكرية القائمة على البقاء في منطقة الكركارات"، وزاد: "إبراهيم غالي أراد بناء قوته داخل المخيمات بناء على الاستمرار في منطقة الكركارات، واليوم ستكون له صعوبة كبيرة في تبرير هذا الانسحاب بعد التعبئة التي اشتغل عليها طيلة الشهور الماضية".

واعتبر الباحث الموريتاني عبيدو سالم أن انسحاب البوليساريو من الكركارات نتيجة للضغوط الأممية التي مورست على قيادة البوليساريو في الأيام القليلة الماضية، وعملت على سحب بعض المركبات والمقاتلين في مشهد يشي بقبولها الانسحاب التدريجي بشكل يشبه إعادة انتشار قبل الانسحاب الذي من المتوقع أن يكتمل في ظرف أسبوع على أبعد تقدير.

وأوضح الإعلامي الموريتاني ذاته، في اتصال مع هسبريس، أن الكركرات منطقة "ذات حساسية بالغة جدا ولها أهميتها من الناحية الإستراتيجية بالنسبة إلى كافة الأطراف المعنية بالملف الصحراوي، وبصفة أخص المملكة المغربية، إذ تنظر بقية الأطراف إلى العائد التجاري والاقتصادي الذي تجنيه من معبرها الحدودي مع موريتانيا"ّ.

ويمتاز معبر الكركارات بكونه مقصدا دائما لرحلات المسافرين القادمين والمتجهين إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء، وكذلك لحجم التبادل التجاري القائم على المنقولات من بضائع مختلفة ومنتجات فلاحية متنوعة، إذ تعبر يوميا ما بين 200 إلى 300 عربة متوسطة وشاحنة إلى وجهتها النهائية في العديد من الدول الإفريقية، بما في ذلك موريتانيا والسنغال ومالي وغينيا بيساو وغيرها، وهي دول تمون انطلاقا من معبر الكركارات.

واعتبر الإعلامي الموريتاني أن وجود مقاتلي جبهة البوليساريو في منطقة الكركرات شكل "اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الضامنين الكبار لاتفاقية السلام الموقعة سنة 1991 على ضبط إيقاع المشهد ودفع الأطراف إلى الجنوح إلى السلم بدل قرع طبول الحرب، بعدما استعرضت على بسيطة الكركرات مؤخرا المعدات العسكرية الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، واستنفرت الجيوش جاهزيتها، وزاد: "منذ بدء التوتر دفعت موريتانيا بجيشها لحماية الثغور وضبط الحدود في حالة أي طارئ متوقع".

وخلص عبد الرحيم المنار اسليمي، في اتصاله مع هسبريس، إلى أن انسحاب البوليساريو وصدور قرار جديد من مجلس الأمن يمدد بقاء بعثة الأمم المتحدة معناه "انسداد الأفق داخل المخيمات"، مضيفا: "ساكنة تندوف بعد الرجة التي حدثت في الكركرات والطريقة التي انسحبت بها مليشيات البوليساريو ساعة قبل قرار مجلس الأمن، وحجم التعبئة والأساطير التي بنتها قيادة الجبهة، لوجود مليشياتها في الكركرات سيقود إلى رد فعل في شكل انتفاضة داخل المخيمات شبيهة بما وقع سنة 1988، لا أحد يعرف عدد القتلى الذين سيسقطون فيها على أيدي ابراهيم غالي وجماعته".