سخرية القدر

أجلس في مقهى، أعبث بثمالة فنجان قهوة باردة وسيجارة، أقوم بفحص دقيق، على رقصات الدخان المنبعث منها، لتضاريس شفتاي المحترقة... أنظر إليها نظرة إشفاق.. لعلها إشفاق على نفسي. 

أجلس في المقهى دون أن بالي بالوجوه الميتة منها وغير الصادقة في ما تقول... صفحة الفايسبوك مفتوحة، لا أصدقاء افتراضيون، لا صور لا رسائل مزيفة. شاشة الحاسوب حبلى بالأكاذيب كالدنيا ومن يعمرها. الدنيا جامدة أو كولشي ممل... الثلاجة(التلفزة) المغربية وغير المغربية مملة، لا حديث لها إلا عن كرة القدم والمنتجات التجارية... بليدة وتستبلد الحيوان الذي ننسب إليه صفة العقل حتى ننافقه وحتى لا ينهار نفسيا هاهاها. أما فنجان القهوة فهو في مكانه ثابت يوسوس لضحالة الماضي. إلى جانب القهوة الباردة والسيجارة المحترقة، لدي هنا بعض السطور المبعثرة تراود أحلام سيرة الشاعر الفيلسوف الأرجنتيني بورخيس الذي انتهت حياته كباقي الشعراء والفلاسفة... ضحالة في ضحالة، وحدة في وحدة، حياة تملأها النقط والفواصل... و أصدقاء لا يكتمون الأسرار لأنهم 

لم يكونوا يوما أصدقاء...

   أهلا بكل من يتخذ الكتابة مسدسا، كلما فقد الرغبة في الحياة، واشتدت عليه حمى الوحدة، عبأه بكل ما يملك من رصاصات، ثم ينتحر ليبعث من رماده، ويشارك الذئاب في التضرع للبدر البعيد، ويتطهر في دم العذراء.

       هنا والآن، صمت بارد تحمل سفنه إلي صوت قطرات الماء الذي يثقب أُذُنَيَّ كلما انسلت من الصنبور وسقطت على حوض المطبخ المصنوع من الألمنيوم. يقشعر لها جلدي فأشعر كما لو أنها تستنجد بي. فعندما أسمع طنينها يخيل إلي أن الزمن يصارع سكرات الموت، بينما القدر يوقظ الأموات ويرقَبُه من بعيد، وابتسامة السخرية بادية على محياه… 

       تيقن أيها القارئ أنني الآن، عن طيب خاطر، أطعمتك قطعة من فؤادي، أهديكها وأهديك دمي رشفة نبيذ تسري في جوفك جريان الدم في عروقك. فأنا الآن أنت وأنت الآن أنا. فأبلغ ملهمتي أن النسيان آت لا محالة بعد أن كشف الحب عن عورته وطرد من الجنة.

     الثانية ليلا، أحاول أن أكتب، لكن مخيلتي تلوح بي في عوالم الضيق وقسوة الانتظار، انتظار لحظات الفناء، فاعجز عن تحريك قلمي الثقيل وسط هذا الليل الأليل،... الرغبة في النوم تقتلني، والرغبة في السهر أقوى، وأنا أكتب، وأكتب وأكتب...

لا أجد لنفسي ملتحدا، سمعت موسيقى الكون واقتلعت جذور الخطايا من خطوط يدي، رغم ذلك لا أجد لنفسي قبرا، وحتى لو حصل ذلك فهل لي أن أعثر على نفسي...

محمد أرسلان

02/04/2016