حوار نُشر في جريدة الأيام مع الأستاذ سعيد الصديقي (عدد الخميس 25 يناير 2018) حول استعمال المغرب لجماعات الضغط في قضية الصحراء…

وهذا هو نص الحوار الكامل:

 

في إطار الصراع بين المغرب وخصوم وحدته الترابية، تبقى اللوبيات مجالا للتأثير في الملف، كيف تقرؤون معركة "اللوبي" (جماعات الضغط) التي يخوضها المغرب ضد "البوليساريو" وداعمتها بالجزائر؟

 

المعركة الدولية بين المغرب وخصومه على قضية الصحراء تخاض على مستويات مختلفت، ويعد الضغط (lobyying) من أهم مجالات هذه المعركة التي يبذل فيها جهد دبلوماسي كبير، وتنفق في سبيله أموال كثيرة. يبدو أن المعركة سجال حتى الآن بين الطرفين، ولم تحسم بشكل واضح لأحدهما في الساحتين الأمريكية والأوروبية، وتبقى هذه الجماعات الضاغطة هي المستفيدة الأكبر من هذه المعركة بما يغدق عليها من أموال وعطايات من هذه الجهة أو تلك.

وبغض النظر عن درجة نجاح المغرب في إقناع صناع القرار والمشرعين عن طريق هذه الجماعات الموالية له، فإن عملية الضغط أصبحت عنصرا ثابتا في العمل الدولي سواء من خلال الجهاز الدبلوماسي الرسمي أو عن طريق أجهزة أخرى لاسيما المخابرات الخارجية، وأحيانا تلجأ الدول إلى بعض الأفراد من علماء ورجال أعمال وإعلاميين ونشطاء مدنيين لربط الاتصال بالشخصيات النافذة في الدول الأجنبية التي يرتبطون معها بعلاقات وثيقة.

للمغرب كل المسوغات لخوض هذه المعركة في سبيل حشد الدعم الدولي لقضيته الوطنية، وليس له خيار آخر، لكن يبيى السؤال هل يبلي حقا بلاءً حسانا في هذه المعركة أو لا.

 

تبقى أورقة الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمؤسسات الأمريكية مجالا خصبا لنشاط اللوبيات، في نظركم، هل تمتلك الدبلوماسية المغربية القدرة على استمالة صناع القرار في هذه المؤسسات الدولية لكسب تعاطفهم مع الموقف المغربي بخصوص قضية الصحراء؟

 

هناك فرق في اشتغال جماعات الضغط من جهة متسهدفة إلى أخرى. فمثلا في الولايات المتحدة يعد عمل جماعات الضغط مشروعا، ويمكن التعامل مع هذه الجماعات بدون تعقيدات قانونية كوسائط لإقناع المشرعين أو الإدارة أو وسائل الإعلام بوجهات النظر المغربية، أما في الاتحاد الأوروبي، باعتباره منظمة جهوية وليست دولة، فلأمر معقد إلى حد ما، ولا يزال الأوروبيون ينظرون بالريبة إلى هذه الجماعات، ويتم الاتصال عادة بأعضاء البرلمان الأوروبي فرادا، وأحيانا تكون هناك علاقات جيدة مع بعض المجموعات البرلمانية الممثلة فيه. ويبقى تأثير جماعات الضغط في أوروبا أمرا صعبا لكثرة عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي، وضرورة التحرك على مستوى كل دولة على حدة، بالإضافة إلى توجيه الاهتمام إلى أعضاء البرلمان الأوروبي والموظفين السامين للاتحاد ببروكسيل. أما منظمة الأمم المتحدة، فيظل التأثير المباشر للوبيات محدودا نسبيا، لأن الاهتمام يتوجه مباشرة إلى الدول الكبرى مباشرة لاسيما الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

أما فيما يتعلق بقدرة الدبلوماسية المغربية على التأثير على صناع القرار في هذه المؤسسات، فيختلف -كما قلت سابقا- من جهة مستهدفة إلى أخرى. ومن المهم أن نستحضر أن الجهاز الدبلوماسي في مجال الضغط، عادة لا يكون له إلا شرف إعلان نتيجة عمل دؤوب تقوم به مؤسسات أخرى غير معلنة والتي تملك شبكات واسعة من العلاقات والنفوذ في مجال صناع القرار السياسي والمشرعين والصحافة. وهذا ما دأبت عليه الدول خلال العقود الأخيرة، حيث أصبحت هذه المؤسسات، لاسيما المخابرات الخارجية، هي التي تتولى الجزء الأكبر من مهام إقناع المخاطبين الخارجين وليس وزارة الخارجية، وفي أحيان كثيرة يكون للدبلوماسي مجرد وظيفة شرفية. من المؤكد أن المغرب راكم تجربة مهمة من مجال الضغط المباشرو وغير المباشر في مختلف الدول التى لها الأولوية للدلوماسية المغربية، لكن هذا الدور كما قلت لم يعد حكرا على الجهاز الدبلوماسي الرسمي، وهذا ما يغفله العديد من الباحثين والمحللين المغاربة.

أما من حيث فعالية المغرب في هذا المجال، فمن الإنصاف التأكيد على ما حققه المغرب حتى الآن من نتائج مهمة، فعلى الأقل منع خصومه من إقناع الدول الكبرى باتخاذ مواقفه خطيرة ضد مصالح المغرب. أحيانا تستلزم بعض المعارك الدبلوماسية أن تكون حاضرا في المعترك، وتمنع الغير من كسب نقاط عليك، بغض النظر عن تواضع النتائج التي تحققها أنت. هناك اليوم حرب مفتوحة وعلى واجهات مختلفة بين المغرب وخصومه، ولا بد أن يكون فيها المغرب حاضرا بقوة، وعليه بالمقابل أن يراجع باستمرار استراتيجيته ويقيم آدائه.

 

هل تعتقدون بقدرة جماعات الضغط في التأثير في ملف حساس مثل الصحراء المغربية؟

 

الأمر لا يتعلق بجماعات الضغط بالمعنى الضيق، بل بعمل الضغط في عمومه (lobbying) الذي يمكن أن يمارس بطرق وسائل مختلفة. الضغط أصبح عنصرا ثابتا في عمل الدبلوماسية المعاصرة، ولا تغفله حتى الدول الصغرى، وأي إغفال لهذا الدور سيجعل الخصوم يتحركون وحدهم في الميدان لاسيما العاصمة الأمريكية التي تعج بآلاف من جماعات الضغط التي تعمل في العلن وبمسميات مختلفة. لذلك أرى أن اختيار الوسائل الملائمة لهذا العمل والتعاون مع الجماعات والمراكز المؤثرة وذات المصادقية يكون له بالتأكيد أثر إيجابي على قضية الصحراء. لكن مع الأسف يحدث أحيانا الرهان على أحصنة خاسرة أو مراكز وهمية أو عديمة التأثير، وغالبا ما يكون لمثل هذا العمل الخاطئ نتائج عكسية على القضية الوطنية وعلى سمعة المغرب.

 

ماذا يلزم المغرب لربح الرهان في هذا الجانب؟

 

لا شك أن المغرب له من التجربة ما يكفي لاستخلاص الدورس والاستفادة من أخطائه، ورسم استراتيجية هادفة في هذا المجال. لا بد من تقييم جرىء لرهان المغرب لفترة طويلة على اللوبي الإسرائلي في الولايات المتحدة الأميركية، وهل يوازي ما استفاد المغرب من هذا اللوبي في قضية الصحراء مع حجم تضحيات المغرب السياسية في هذا المجال؟ إلى أي حد استفاد المغرب من تمويل جماعات الضغط في واشنطن في التأثير على صناع القرار والمشرعين الأمريكيين؟ وهل وظف المغرب إمكانيات مغتربيه المنتشرين في مختلف أنحاء العالم؟ هذه بعض القضايا التي ينبغي أن يشتغل عليها الباحثون في الجامعات المغربية.

25/01/2018