تداول نشطاء فيسبوكيون على نطاق واسع شريط مصوردارت أحداته في أحد أروقة معرض الفلاحة بمكناس،حيث تظهر بعض الفتيات وهن محلقات حول بعض الخليجين دون الاكتراث لسخرية المصور والحاضرين وسمعة البلد وصورة المرأة المغربية وهذه قمة الأنانية. إنها آفة جديدة حلت بالمجتمع المغربي و برزت على السطح تزامنا مع تيسير وسائل الاتصال و الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية على نطاق واسع.فمثل هذه الأحداث لا يجب أن تمر مرور الكرام ،بل تتطلب تحليلا دقيقا لخلفياتها وتداعياتها على المدى البعيد.
قد يقول قائل إن الدعارة ليست وليدة اليوم وأنها لصيقة بكل المجتمعات البشرية،بيد أن النسبة تختلف من مجتمع إلى آخر و الأمر يتوقف على التربية الأسرية بالدرجة الأولى والوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد.فكما هو معلوم فكل مولود يولد على فطرة والمجتمع هو الذي يحدد مساره الأخلاقي ونظرته للعالم.فالتربية الأخلاقية تبدأ من الأسرة بالدرجة الأولى والتي يقع على عاتقها تلقين الفرد أسس العيش الكريم.وبعدها يأتي دور المدرسة في إكمال المسيرة التربوية.غير أن غياب الوعي الأسري وضعف التربية الأخلاقية المدرسية ينتج لنا فردا ضعيفا هش البنية الفكرية ويفتقد للحماية الذاتية من كل تأثير أجنبي قد يغير مسار حياته إلى العالم السفلي الذي لا يرحم كل من دنا منه.
إننا أمام أفراد محطمي الروح المعنوية تحدوهم رغبة الوصول وتحقيق أحلامهم بكل الوسائل و الطرق ضاربين عرض الحائط كل طرق السعي المباح وهذه هي المصيبة الكبرى لأن المادة ليست كل شيء في هذا الكون الفسيح،بل هناك عوالم روحية أخرى.إن هذه النزعة الوصولية التي تتخذ مقولة الغاية تبرر الوسيلة منهجا للحياة خطر على المجتمع المغربي ويهدده بالزوال لأنه في غياب الأخلاق تنهار الأمم و تحضرني قصة تحكى حول خصام دار بين مواطن مغاربي وأحد الأجانب الأوروبيين حيث رفض الأجنبي تسديد ما بذمته من دين مما حدا بالمغاربي أن يلجأ إلى القس المسيحي،حيث قال القس لابن جلدته:"هم يعملون عندنا اليوم وغدا سنعمل عندهم إذا ظلمناهم".فالفقر ليس مبررا كافيا لكي يبيع الإنسان جسده مقابل المال لأن الله تعالى هو الرزاق وما على العبد سوى السعي الحلال مادام أنه يغني بدون حساب ويرزقنا من حيث لا نحتسب إذا نحن اتقيناه واتبعنا الأسباب وسعينا وأجهدنا نفسنا في البحث عن لقمة عيش شريفة.
إنا هذه المسألة تتجاوز شعارات من قبيل تنورتي حريتي وحجابي عفتي لأن الحل يتوقف على إعادة البناء الأخلاقي للفرد المغربي حتى نضمن الاستمرارية والتفوق في الكون وليس لنا بديل عن مساءلة الذات وتقويم الوضع القائم تقييما موضوعيا وطنيا دون مزايدات سياسية في محاولة لضبط الظواهر الدخيلة على المجتمع المغربي وصياغة برامج اجتماعية عاجلة.وينبغي استخدام كل الوسائل المتاحة بما في ذلك وسائل الإعلام و التركيز بشكل كبير على الأصالة المغربية والقيم التي يتميز بها المغاربة عبر التاريخ.وإن خير وسيلة لضبط كل انحراف هو الإقناع الفكري ومخاطبة الضمير الفردي واستنهاض همم الأفراد للعيش بكرامة وعفة بالرغم من قلة ذات اليد.فالقناعة والبركة تغني الإنسان عن كل تذلل للآخرين وجلب العار لبنات البلد في غياب المسؤولية الفردية.وليس المقاربة الزجرية لأنها مهما طبقت لن تحل المشكل لأن الأمر له علاقة بالقناعات التي أصبح يؤمن بها الأفراد.فكما هو معلوم فإن السمعة الطيبة أفضل من الرداء الجميل ولا يجب على الفتاة أن تستعبد نفسها طواعية في الوقت الذي تشن عدة منظمات إنسانية حربا ضارية على الرق الجديد.
كما أن البرامج الحزبية لا تزال عاجزة عن التصدي لكل هذه الانحرافات الأخلاقية. ولا نكاد نلمس برنامج سياسي فعال يهدف إلى محاربة ظاهرة الدعارة في المجتمع أو التقليل منها ولا نكاد نعرف عدد الممارسات.والسؤال الذي يحضرني هو ماذا تستطيع الأحزاب المغربية القيام به للتقليل من كل ما من شأنه أن يمس صورة المرأة المغربية؟وماذا سطرته لمحاربة الظواهر الدخيلة على المجتمع المغربي خارج نطاق الدفاع عن المظهر الخارجي للمرأة والحرية الجنسية؟وماذا ستقدمه كحل بديل لكل من يشتغل في العالم السفلي لإصلاح ما أفسده الظهر؟ويبقى الحل الأمثل هو الذي يأتي من عند الأفراد ذاتهم من خلال إعادة ضبط موازين الخطأ والصواب مما يتطلب جهدا مجتمعيا في الوصول إلى بنية وعي الأفراد و إعادة تطويعها وفق الضوابط الأخلاقية.

مدني عبد المجيد

06/05/2016