صنع إعلان المغرب نيته الرجوع إلى الاتحاد الإفريقي حدث القمة الـ27 لقادة الأفارقة، التي استضافتها كيغالي، عاصمة رواندا، يومي 18 و19 من الشهر الجاري، بالنظر إلى عدم زوال سبب انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984، احتجاجا منه على قبولها عضوية البوليساريو فيه، تحت اسم "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، وضدا على ميثاقها، الذي يمنح العضوية حصراً للدول الإفريقية، المستوفية لشروط وأركان قيامها، التي تنعدم كلها، ولازالت، في تنظيم البوليساريو.

وأعقب هذا الإعلان المغربي تقدم 28 دولة عضو في الاتحاد الإفريقي بملتمس لتعليق عضوية البوليساريو من أجهزة ومؤسسات الاتحاد، وهو ما عضد رسالة التعبير المغربي عن الرغبة في العودة، وأكد صحة الأسباب والحيثيات الواردة فيها، خاصة ما تضمنته من وجود رغبة كبيرة من الدول أعضاء الاتحاد الإفريقي لعودة المملكة، بل وإقدامها على البدء في تنفيذ الشرط والتحفظ المغربي بإصلاح خطأ الاتحاد قبول عضوية البوليساريو.

غير أن هذين الحدثين، اللذين سيميزان قمة كيغالي عبر التاريخ، لأنهما يبرزان التواجد والتغلغل المغربي القوي داخل الجسم الإفريقي، ويبينان قدرته على استقطاب أكثر من نصف دول الاتحاد وجمعها حوله، بل وتبنيها لتظلماته، ومبادرتها لتصحيح خطأ التنظيم السياسي القاري الإفريقي السابق، الذي أكره المملكة على الانسحاب منه والتضحية بمقعدها فيه.

ويزيد من أهمية ذلك سياسيا استطاعة المغرب إحداث شرخ واسع، وانقسام واضح، في سابق المواقف التوافقية الإفريقية ضده، ولفائدة البوليساريو والجزائر.. كما عمق ذلك وضاعف جروح البوليساريو بعد رحيل رمزها وقائدها؛ وفي الوقت نفسه يشكل أول طعنة سامة يوجهها المغرب لقائدها الجديد..صحيح لم تكن قاتلة، لكنها أحدثت إعاقة، أكيد أنها ستشل طموح القيادة الجديدة للبوليساريو إلى بث حركية فيها.

وتبرز أهمية ونجاعة التصرفين السياسيين والقانونيين المذكورين في توفيرهما بعضا من الثقة المفقودة، والنجاح الغائب، واسترجاع شيء من التركيز، بعد طول تيه للدبلوماسية المغربية، بغض النظر عن مآل الطلب والملتمس في النهاية.

وفي المقابل فإن درجة هذه الأهمية لا تطال مجرد إعلان المغرب رغبته في العودة، ما دام ذلك مجرد حق يؤول له بانتمائه الإفريقي، دون أن يقلل هذا من الشجاعة في اتخاذ القرار بعد ثلاثة عقود وينيف من الصمت المطبق والغياب المسترسل.

ولا شك أن أولى النتائج الإيجابية التي يحدثها قرار الدول الإفريقية تعليق عضوية البوليساريو لصالح دعم مسلسل السلام الذي تشرف عليه الأمم المتحدة أنه يقلص من حدة الضغط الذي يمارسه الاتحاد الإفريقي على المنظمة الأممية، ككتلة تصدر قراراتها بالتوافق أو بالأغلبية المطلقة، سواء في قراره تعيين مبعوث إفريقي خاص به حول الصحراء، ومطالبته بتحديد موعد لتنظيم الاستفتاء، وتوسيع مهام المينورسو لتشمل حقوق الإنسان، ووقف استغلال الموارد الطبيعية في الصحراء، وغيرها.

كما أن هذا الملتمس يعطي الحجة للأمم المتحدة على عدم تماسك توافق وشبه إجماع الدول الإفريقية نفسها، بل يظهرها منقسمة، وغير مقتنعة بالبوليساريو كعضو لديها، ويبرهن أن أعضاء الاتحاد الأفريقي لا يتوفرون على اعتقاد راسخ بخصوصها.

غير أن الأمور لا تقاس بما تحدثه من رجة واهتزاز، بل بما تحدثه من دمار وتغيير، وثورة في بنية الواقع القائم، فبلوغ النجاح أسهل من الحفاظ عليه. ولئن كان المغرب أفلح في إحداث الشك والمراء في قاعدة أعضاء الاتحاد الإفريقي، وأظهرها غير مستقرة، وقابلة للتفكك، فإنه كان ليجني ثمارا وفوائد أكثر من ذلك لو اكتفى بتقديم الدول الإفريقية المؤيدة له لطلب تعليق عضوية خصمه البوليساريو، وأحجم عن التعبير عن إرادته العودة إلى وقت لاحق، في انتظار زوال سبب الانسحاب السابق، وشرطه الضمني الوارد في رسالة التعبير.

وكان حريا وأولى بالدول الإفريقية، التي ارتأت إصلاح سبب انسحاب المغرب من الاتحاد الأفريقي بملتمسها الحالي، أن تتقدم بطلب تعديل قوانين الاتحاد، بما يسمح لها بإمكانية تعليق عضوية أو طرد أحد أعضائه؛ لكون الترسانة الحالية للاتحاد تتحدث عن الانسحاب الإرادي للدول الأعضاء فقط..ومع ذلك فإن ملتمسها يبقى مهما سياسياً، رغم اصطدامه بقوانين الاتحاد الأفريقي (قانون 11 يوليوز 2000 وتعديل 30 شتنبر 2009)، فالعبرة بوجود إرادة لدى المجموعة الإفريقية، وهذه الإرادة هي التي تشرع القوانين وتصنعها لتتلاءم مع هذا التتويج الجديد.

غير أن إدراك هذه الغاية والنتيجة رهين بمزيد من الوقت والانتظار، ومزيد من المبادرات، وكثير من العمل، ومضاعفة الاجتهاد، دون كلل ولا ملل، مع اعتماد دقة المرافعات، ونجاعة التكتيكات والخطوات لاستمرار التكتل الإفريقي المناصر، حتى لا يتعرض للاختراق أولا، ودعمه بإقناع مزيد من الدول الإفريقية برجحان الموقف المغربي وشرعية حقوقه، تاريخيا وقانونيا ثانياً، ودفعها إلى فك (مجموعة الدول الإفريقية) العقبات القانونية التي تحول بينها وبين فعل الطرد ثالثا؛ وهو أمر في مقدورها واستطاعتها، وليس بالعسير ولا بالمستحيل، رغم الصعوبات والعراقيل التي ستعترض الوصول إليه.

صبري الحو
خبير في القانون الدولي، الهجرة ونزاع الصحراء

22/07/2016