تباينت آراء فقهاء القانون الدولي حول الإجراءات المتبعة في الواقع العملي بشأن الاعتراف بالدول والحكومات، فمنهم من يراها إجراءات قانونية بحتة، و منهم من يراها إجراءات سياسية لا تلتزم كثيرا بما يقضي به القانون الدولي في هذا الشأن، بينما ذهب فريق ثالث إلى القول بأن تلك الإجراءات هي إجراءات قانونية غير أنها متأثرة بأحكام السياسة و مصالح الدول.

 

إن عناصر الدولة في القانون الدولي هو «الشعب» و«الإقليم» و«الحكومة» غير أن وجود هذه العناصر الثلاثة كاملة لا يضمن للدولة الاعتراف بها من قبل المجتمع الدولي أو على الأقل من قبل بعض الدول الأخرى، و هذا ما ينطبق على إسرائيل التي نشأت على أساس غير شرعي و هو اغتصاب الأرض الفلسطينية و تهجير سكانها الأصليين و توطين يهود غرباء مكانهم جاؤوا من شتى أنحاء العالم، فمعظم الدول العربية و دول أخرى لا تعترف بهذا الكيان رغم أنه عضو في الأمم المتحدة، و هذا هو الاتجاه الذي يراه «طوبار» وزير خارجية الأكوادور الذي قال سنة 1907: «أن الاعتراف بالحكومة الفعلية اعتراف بسلطة غاصبة و هو لذلك غير جائز ما لم تستند الحكومة الفعلية قبل كل شيء على تأييد مجلس قومي منتخب من الشعب بصورة حرة»، و هذا الرأي ينطبق على ما يسمى بالجمهورية العربية الصحراوية لأنها تقوم على أساس غير شرعي و مخالف لقواعد القانون الدولي، ذلك أن هذه الجمهورية الوهمية ليس لها شعب و لا إقليم و لا سيادة على الأرض كما أنها غير قائمة على أساس دستوري من يخول لها التمثيل من جراء انتخابها من طرف السكان، هذا فضلا عن أن حق تقرير المصير الذي تطالب به البوليساريو لا يعني تجزئة الوطن الأم إلى كيانات مصطنعة، فهل تقبل مثلا، الجزائر انفصال منطقة القبائل في الشمال عن الوطن الأم أو انفصال الصحراء الجزائرية؟ وهل تقبل اسبانيا انفصال سكان الباسك؟

 

إن حق تقرير المصير هو حق لشعب بأكمله و ليس حق لجماعة تضم بضعة مسلحين على شكل عصابة، كما أن حق تقرير المصير يهم شعوب الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والمشمولة بالوصاية، و كلمة شعب هنا تعني مجموعة الأفراد الذين يقطنون إقليما محددا أي سكان الأقاليم المشمولة بالوصاية، أو سكان المستعمرات الأخرى التي ترفض الدولة المستعمرة إدخالها في الصنفين السابقين مثال ذلك الجزائر وفرنسا قبل الاستقلال أو كما حصل عند تحرير ولايات أمريكا الشمالية من حكم الانكليز أو ولايات أمريكا اللاتينية من حكم الاسبان والبرتغاليين أو نتيجة تفكك أمبراطورية كبيرة إلى عدة دول أو تراخي الرابطة التي تربط بين أعضاء اتحاد دولي مثل تفكك امبراطورية النمسا والمجر عقب الحرب العالمية الأولى إلى ثلاث دول هي: النمسا والمجر وتشيكوسلوفاكيا، أما فيما يخص قضية الصحراء المغربية فان أغلبية سكان الأقاليم الصحراوية يعيشون ضمن الوطن الأم وهو المغرب وقد اختاروا ذلك بإرادتهم الحرة التي عبروا عنها في عدة مناسبات وخاصة بمناسبة الاستفتاء على الدستور والانتخابات التشريعية والجماعية.

 

أما ما يسمى بالشعب الصحراوي فهو مجموعة قليلة من السكان المحتجزين من طرف عصابة البوليساريو المسلحة التي تسمي نفسها «حكومة» وهي لا تمارس سلطة قانونية فعلية على سكان الأقاليم الصحراوية وهي مدعومة من الجزائر التي تسعى إلى تطويق المغرب من جهة الجنوب وخلق منفد بحري على المحيط الأطلسي، كما أن تعاملها مع البوليساريو يقوم فقط على اعتبارات سياسية بحتة دون الاعتبارات الدستورية التي ذكرتها، وما دامت الجمهورية العربية الصحراوية الوهمية تعيش في عزلة عن المجتمع الدولي وغير مسيطرة على زمام الأمور في الأقاليم الصحراوية فهي غير جديرة بالاعتراف بها، وهذا ما جعل معظم دول الاتحاد الإفريقي ودول أخرى عديدة منها دول أمريكا اللاتينية تسحب اعترافها بهذه الجمهورية الخيالية (اعتراف مع الأسف وقع في بداية السبعينيات كانت فيه الدبلوماسية المغربية مجمدة مقارنة مع الدبلوماسية الجزائرية آنذاك) لأنها جمهورية وهمية تفتقد عناصر وجودها وكذلك فشلت في تحقيق أهدافها الرامية إلى الانفصال عن الوطن الأم وهو أمر رفضه سكان الأقاليم الصحراوية في كثير من المناسبات، فالاعتراف هو عمل إظهاري بحت لأن الشخصية القانونية وصف يلحق بالدولة عند نشوئها ويصدق عليها متى تمت لها عناصر الوجود.

 

فالدولة متى نشأت تتمتع بمجرد نشوئها بوصف الشخصية الدولية بحكم وجودها وما الاعتراف إلا عمل انفرادي ومظهر تقتصر وظيفته على الشهادة بنشوء عضو جديد في الجماعة الدولية، وقد تنشأ الدولة من العدم كأن تستقر مجموعة من الناس على إقليم غير مسكون أو مسكون بقبائل همجية أو بشعب بدائي وتتوفر لديهم الرغبة في تكوين تنظيم سياسي مستقل، وأهم مثال على نشوء الدولة على هذا الشكل نشوء جمهورية ليبيريا في عام 1722 على إقليم كانت تقطنه قبائل همجية، فأتت إليه جماعة من الزنوج من الولايات المتحدة واستوطنوا فيه متحررين من استعباد البيض لهم واعترفت الولايات المتحدة بالدولة الجديدة عام 1847، ويحاول بعض الكتاب الغربيين تعليل قيام الكيان الإسرائيلي على هذا الأساس وهذا خطأ فادح لأن إسرائيل لم تقم على أرض خلاء لا شعب لها أو لها شعب من الهمج بل إنها قامت نتيجة اغتصاب واحتلال قسري لدولة ذات سيادة يقطنها شعب متحضر له حضارة عريقة وثقافة عربية وإسلامية ومسيحية وجذور تاريخية.

 

ولذلك فإسرائيل لا تمثل دولة بالمعنى الصحيح بل إنها مجرد سلطة احتلال غاصب تعتبر شكلا غريبا وفريدا في تاريخ العلاقات الدولية لأنها تكاد تكون المثال الأول على حالة اقتلاع شعب كامل من أرضه واستبداله بأفراد ينتمون إلى جنسيات دول مختلفة جمعتهم رغبة الاحتلال والتسلط وعصبية الصهيونية وهذا ما ينطبق فعلا على عصابة «جبهة البوليساريو» التي هي عبارة عن عصابات مسلحة تجمعهم رغبة التحكم في مصير الصحراويين المحتجزين في مخيمات تندوف والاتجار في البشر والمخدرات إذ كشفت الأبحاث الأولية التي أجرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية مع عناصر الشبكات الإجرامية عن تأكيد وجود امتدادات إقليمية لهذه الشبكة داخل مخيمات تندوف وفي شمال مالي وارتباط عناصرها بأعضاء في جبهة «البوليساريو» فضلا عن تأكيد وجود تقاطعات عضوية بين عناصرها وبين أعمال إرهابية تستهدف زعزعة الاستقرار في المنطقة، وكشفت دراسة قامت بها مؤسسة البحر المتوسط للتحليلات والاستخبارات الاستراتيجية عن مصادر تمويل الجماعات في منطقة الساحل والصحراء مؤكدة تورط زعماء «البوليساريو» في تهريب الممنوعات والمتاجرة في المخدرات ومراكمة الثروات وربط علاقات قوية مع أباطرة المخدرات في أمريكا الجنوبية واللاتينية، فهل هذه هي «الحكومة» التي تعول عليها الجزائر وتسعى إلى تمرير الاعتراف بها من طرف الدول الإفريقية؟

 

الصحراء المغربية لم تكن أرضا خلاء ولم تكن تسكنها قبائل همجية حتى يمكن تشبيهها بالمثل الليبيري والدليل على ذلك أن القبائل الصحراوية قبائل متحضرة كانت دوما مرتبطة بالوطن الأم المغرب وظلت تقدم الولاء لملوك المغرب على مر العصور وهذا ما أكدت عليه فتوى محكمة لاهاي عام 1975 التي صرحت بأن سكان الصحراء كانت تربطهم بالمغرب روابط قانونية وسيادية وتبعية روحية دينية وكانت الأقاليم الصحراوية مأهولة بالسكان ينظمهم شيوخ قبائل كانت لهم روابط بيعة مع السلاطين في المغرب كما أثبتت محكمة لاهاي وجود نظام ضريبي يشرف عليه المغرب وتم تنظيم المقاومة المسلحة في الأقاليم الصحراوية التي ساهم رجالها ونساؤها في تحرير المغرب من الاستعمار.

 

المغرب اختار دبلوماسية السلم وليس دبلوماسية الحرب واختار دفع عجلة التنمية الشاملة على الصعيد الوطني و الإفريقي.

 

وتقوم الدبلوماسية الملكية في السنوات الأخيرة بدور مميز وهام في نطاق العلاقات الدولية وتدعيمها، ومعالجة كافة الشؤون التي تهم مختلف المجالات على الصعيد الافريقي والدولي.

 

وعن طريقها يمكن التوفيق بين المصالح المتعارضة وتقريب وجهات النظر المتباينة بين الدول الإفريقية، ويتيسر حل المشكلات وتسوية الخلافات وإشاعة السلم والود والتفاهم والتعاون بين الدول، وبوساطة الدبلوماسية الملكية تستطيع كل دولة افريقية أن توطد مركزها وتعزز نفوذها في مواجهة الدول الأخرى.

Portrait de حسوني قدور بن موسى
حسوني قدور بن موسى
محامي بهيأة وجدة




16/02/2017