غرداية: مستقبل مرهون بالماضي و ضريبة وقوف نظام الجزائر مع قضية الصحراء الغربية

” في ظل التوتر و اللّااستقرار الذي تشهده مدينة غرداية , من فتنة داخلية تحرّك بوضوح و دون جدل بأيادي خارجية , اقلّ ما يقال عنها هي ضريبة وقوف الجزائر شعبا و سلطة مع قضية الصحراء الغربية في سعيها لحكمها الذاتي , و هو ما بدر من جهود نظام المخزن و فاعلين آخرين, على كونهم قادرين على استنساخ الأزمة الشرق أوسطية في أراضي جزائرية , و ذلك بالاستثمار في توتّر حيّني ما بين فصيلين و أنصار مذهبين دينيين, تعايشا لقرون و يعبّران عن عمق الهويّة الجزائرية دولة و شعبا .”

لن أتطرّق لسبب أو أصل الأزمة في غرداية , لكن سأحاول تقييم الوضع الأمني و الاجتماعي في المنطقة و وضع قراءة مستقبلية تتناسب و الجهود السياسية و الشعبية المبذولة, لاستئصال الأزمة من رحم المجتمع الجزائري , القضية ليست متوقّفة على العرب و الامازيغ الاباضيين و تضاربهم مع المذهب المالكي , لأنه أمر غير منطقي أن تسوّق الأحداث من جانب طائفي عقائدي ,في ظل وجود تاريخ يوحي بالالتحام و الألفة بين العرب و بني مزاب في غرداية منذ مئات السنين, و كذا انصهارهم في نسيج اجتماعي واحد يشكّل الهوية الوطنية, و لو كان تمسّك الاباضيين بما يسمونه خصوصية نسلهم , شيء فيه نوع من المغالاة , و قد عاش بني مزاب في سلام و احترام لمعتقداتهم و لذواتهم في غرداية و خارجها ,و هذا واضح من خلال توزعهم على ولايات الوطن قصد إحياء تجارتهم و أعمالهم الالاقتصادية و المهنية , دون تعرّض أو أي حساسية , و هذا ما يميّز البعد الهوياتي للشعب الجزائري منذ قرون , و هذا كان واضح من خلال التربص الفاشل من طرف أشخاص محسوبين على أطراف, أرادت أن توقد نار الفتن سواء في منطقة القبائل, أو حتى في السنوات الأخيرة في غرداية, و لهذا في تصوّري المتواضع انه لدرئ التطور السلبي في أحداث غرداية ,و الخروج عن فرضية انتقال النزاع من نزاع مافيوي محرّك من طرف خارجي لضرب الاستقرار و الأمن القومي, إلى نزاع يستثمر في التنوع الاجتماعي و الفسيفساء الثقافية و يجرّ الجزائر إلى هاوية الأزمة العرقية و المذهبية ,سواء في غرداية أو خارجها و محاولة إنتاج بؤر توتّر تعمل على خدمة أجندات سياسية داخلية قائمة على أهداف التجزئة و الانفصال, الذي هو عامل مهدد للعمق التاريخي و الثقافي و الديني الجزائري, و كذا خدمة مصالح سياسية و اقتصادية خارجية قائمة على إفراغ الهوية الجزائرية من محتواها, و استكمال المخطط الاستعماري ,و بعث سياسة فرّق تسد , على السلطة و أجهزة النظام السياسي الجزائري سواء مؤسساته الرسمية و الغير رسمية, العمل على وضع مقاربة أمنية و سوسيولوجية تحدّ من الصراع القائم في المنطقة .

حيث انه كان من المفترض وضع إستراتجية شاملة لقضية غرداية, و ذلك عقب أحداث بريّان سنة 2008 و أواخر 2013 حين اشتدّ النزاع بين الشعب الواحد, و ذلك بعد الوصول إلى تسوية وقتية من طرف الحكومة و أعيان المنطقة , لكن ظهر عائق سياسي هو انه خوض السلطة غمار الانتخابات الرئاسية لابريل 2014 ,و رصد جميع الآليات مادية و الجهود المعنوية قصد ضمان الوضع القائم, و هذا كان واضح من زيارة مدير حملة الرئيس الوزير الأول عبد المالك سلال إلى غرداية في وقت كان الوضع في توتّر متزايد ,و تقديمه لوعود كانت مضامينها ذات جوانب اقتصادية و اجتماعية بحتة , لكن بعد انقضاء مرحلة الانتخابات و ضمان بقاء السلطة للسلطة, استمّر مسلسل عجزها على تقديم بديل سياسي ناجع و فعال لإطفاء مشاكل الجنوب بشكل عام و أزمة غرداية بشكل خاص , هذا يعدّ من المعطيات التي تجعل السلطة في قفص الاتهام, و ربطها بطريقة مباشرة بمسؤولياتها في إطالة عمر الأزمة, و عدم استئصال الورم وذلك لضمان أهداف و مكتسبات سلطوية

لكن و مع كلّ ما سبق علينا البحث عن إجابة لسؤال مفاده ,هل يعدّ الحلّ الأمني الذي استنجد به النظام السياسي الجزائري, بعد سقوط 24 قتيل في ظرف 48 ساعة, هو حلّ دائم و يعطي ضمانات لعدم عودة الاشتباكات و التصادم بين سكان مدينة غرداية ؟, و هل فشل المقاربة السوسيولوجية في حفظ الأمن لها دلالات أخرى, خاصة بعد عجز أعيان المدينة و على رأسهم مجلس العزابة في ضبط سلوكيات شبابية قائمة على تحريض و تنظيم و تنسيق سياسي مسبق ؟ ,لذلك على الدولة الخوض في مسألة غرداية بجديّة, و العمل على تحديد اطر عملية تحول من امتداد الأزمة إلى بؤر و مناطق تحتوي على تنوع اجتماعي و عقائدي ,و كذا عملها على ضبط إستراتجية لحصر الأزمة في مقاربة تجمع مابين الحلّ الأمني و الاجتماعي, و كذا الحلّ التنموي الاقتصادي و محاولة فتح هامش مناورة للنظام السياسي لأجل وضع موازنة اجتماعية و ديموغرافية, و تعزيز دور المجالس التقليدية و دعمها سواء مجلس العزابة الاباضي أو مجالس الأعيان و الأئمة السنيّة المالكية, التي عليها بالجهود الموازية لوقف الأزمة و حلّها بلغة توافقية ,مع التأكيد على الخطاب الديني المعتدل منع حدوث ربيع طائفي في الجزائر .

فالحديث عن مستقبل غرداية هو شيء مستحيل, دون العمل على تضميد حاضرها و الاستعانة بتاريخها , تاريخ شهد تعايش و تالف و عمل مشترك و تقارب مذهبي, لا يتقبل العقل أن يكون المذهب هو سبب الأحداث الدامية المتكررة في مشهد له من الاستفادة لأطراف هي كثيرة, و لكل فيها مصلحة في ظل التحولات الدولية, و انتشار السقوط الأمني للدول العربية, و تزايد وتيرة النزاعات العرقية و الطائفية ,فان غرداية قد رهنت مستقبلها و مستقبل الجزائر في المنطقة و النظام الدولي بشكل عام, و ذلك في انتظار مخرجات الجهود المبذولة من طرف النظام السياسي على أساس استدراك ما فاته من فرص لتطهير الجرح على مرّ محطات عديدة و كذا الجهود الشعبوية و الجماهيرية , في نداء إلى أن دور منظمات المجتمع المدني و جمعية علماء المسلمين, زيادة على الشخصيات الوطنية و سياسيين, هو دور هامّ في حلّ هذه الأزمة و ذلك في عملية تقارب ما بين أطراف النزاع, قصد بعث السكينة في نفوس أبناء الشعب الواحد, و هذا كحلّ عليه أن يتماشى مع الخطط المرسومة من طرف الحكومة .

مع وضع سيناريوهات مستقبلية تمنع من وقوع الانفلات الأمني و الحفاظ على النسيج الاجتماعي ,في انتظار ما تخلص إليه الأحداث في المنطقة ,دون الانسياب خلف توجهات و تيارات ساهمت في تضخيم و تأزم الوضع الحالي قصد خدمة مصالح خاصة باسم حقوق الإنسان و امن الأقليات .

باحث أكاديمي بجامعة معسكر الجزائر مهتمّ بالشؤون السياسية و القضايا الدولية

الجزائر تايمز محمد سنوسي

17/07/2015