فتنة غرداية: الانفصال بنكهة جزائرية

أخيرا يقف عبد العزيز بوتفليقة:

منتصب القامة ،وسط فتنة كبرى أرادت لها الدولة العميقة أن تحمل اسم غرداية؛حتى تخفي جغرافية شاسعة وقاسية،وتاريخا مثخنا بالأزمات ،لواد "مزاب"؛حيث انكفأ ،ومنذ قرون عديدة، الخوارج الأباضية الذين جالدوا الخلافة الأموية في الشرق ،قبل أن يتجهوا صوب الغرب الإسلامي ،بمعية الخوارج الصفرية ؛للتمكين لدولتين خارجيتين ،منغرزتين حتى النخاع في خاصرة الخلافة؛ومنخرطتين في حروب لا تنتهي ؛سواء مع جنرالات بني أمية أو مع محيطهما الشمال إفريقي.

اليوم،ولضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية، التي نتفهمها جيدا هنا في المغرب،خصوصا وجارنا الشرقي لا تؤمن بوائقه ؛تختزل الدولة الجزائرية ،ووسائل إعلامها –في محاولة للالتفاف على خصوصية المنطقة ،وتميزها مذهبيا- كل الكسور لكي لا تحتفظ إلا بحدها الأدنى ؛موهمة الرأي العام الداخلي والخارجي ،بأن الأمر مجرد مناوشات عرقية ،بين العرب المالكيين (سنة) و الأمازيغيين الأباضيين (خوارج).ويتواصل التبسيط حتى ينتهي إلى مجرد تحرشات بين حيين ،فقط،بغرداية : "مرماد" و "بابا وْجُمَّة"؛حيث تختلط الساكنة العربية و الأمازيغية الزناتية وتتعايش ،منذ قرون.

طيب مادام الأمر بهذه البساطة التي يسعى الإعلام -اختيارا أوإكراها-إلى ترسيخها في الأذهان؛ولعل في الخلفية وجع الصحراويين ،محتجزي مخيمات لحمادة بتندوف ،والذين لم تعد الجزائر تعرف ماذا تفعل بهم في ما ستستقبله من سنين عجاف. ما دام الأمر هكذا فبماذا نفسر فشل الدولة ،أمنيا،في كبح المواجهات التي انتهت أخيرا إلى سقوط قتلى وجرحى بالعشرات ،واحتراق دكاكين ومنازل ؛وكأننا في ريف حلب الملتهب،وليس في دولة عسكرية المحتد ،بوليسية الهوى؟

دولة لم تتردد لحظة واحدة ،رغم مناشدات دولية، في الغارة على المغيرين على مركب الغاز بعين أمِناس؛وقتل الخاطفين والمخطوفين معا ؛وهم محاصرون أصلا، و طبيعيا بآلاف الكيلومترات من الصحاري القاسية،لاماء بها ولا شجر.

ويؤكد سلال أنه ظل جالسا:

لأنه لم يجد حرجا وهو يصرح أمام النواب –قبل سفره الى غرداية – قائلا:" ستجد الحكومة ،في الأيام القليلة القادمة،الحل النهائي ؛بأفضل طريقة ،وبالحوار..". لعل الرجل ،الذي يبدو هنا واثقا ،وان متداركا فقط، لتقصير دام سنتين ؛يمتح من مُخرجات الاجتماع المستعجل الذي ترأسه عبد العزيز بوتفليقة(واقفا) ،وحضره رئيس الحكومة وقائد الأركان،نائب وزير الدفاع، الجنرال قايد صالح ،ومدير ديوان الرئاسة أحمد أويحي.

اجتماع "مسلح" يكلف قائد المنطقة العسكرية الرابعة بتولي كل الشأن المزابي ؛حتى السلطوي المدني. وفي هذا تأكيد على أن الإمام مالك ،ولا حتى شيوخ الأباضية لا علاقة لهم بربيع غرداية.هذا التكليف العسكري الذي يكاد يرقى إلى إعلان حرب ،ويتضمن إدانة لمديرية الأمن ،لا يمكن أن يكون فقط من أجل شباب حَيَّينِ متصارعين.

وفي نفس التصريح يؤكد سلال أن "المسألة ليست أمنية"؛مما يفتح بابا واسعة لنقاش خارج إطار العرقية المزعومة،والمذهبية ؛المحصورتين في الحيين المذكورين . وتهم صراحة المنظمات غير الحكومية المتواجدة بالمنطقة. وهذا ما يؤكده وزير الشؤون الدينية محمد عيسى،حينما يقول:" المسألة ليست دينية عقيدية". ويضيف ،كعادة الجزائر دائما،اتهام جهات خارجية تستثمر في الخصوصية العقدية. وهذا كلام يناطح أوله آخره.

وهل نصدق بعد هذا أن تكون المسألة مافيوزية تهريبية فقط؛كما توهمنا بذلك بعض الأقلام الجزائرية ؟ مجرد مهربين يستثمرون في اللانظام. حسب معرفتي بثقافة التهريب الجزائرية ،فرجاله أحرص الناس على الارتباط بالسلطة،وان كان الظاهر يوحي بالعكس.

بذور الانفصال كما يوثقها الأرشيف الكولونيالي:

حينما وصل الأباضيون – وضمنهم زناتيون وعرب- الى واد مزاب لم يكن خلاء ؛بل آهلا بأمازيغ زناتيين (مزابيين)على مذهب المعتزلة ؛وقد تلقوه من الشيخ محمد بن بكر. بفعل التساكن استعاروا اسم مضيفيهم فأصبحوا ،بدورهم، مزابيين.

حسب رواية يوردها الدكتور "شارل أمت"CHARLE AMAT * تعود التسمية – في المخيال الديني- الى كرامة

حظي بها الشيخ الصوفي أبو بلال مرداس ،وهو بجوار قبر الرسول صلى الله عليه وسلم:

توسل الى الله تعالى أن يكشف له بطريقة ما عن تقبله لصلواته وابتهالاته ؛فكان أن أخذت قطرات الماء –دون مطر- تتهاطل عليه وعلى صحبه من ميزاب (أنبوب صرف الماء من السطح) فوقهم؛وهكذا شاعت نسبة القوم إلى هذه الكرامة.

لم تصل القوة الفرنسية الى واد مزاب إلا في يوم 4دجنبر1852؛وهو تاريخ احتلالها لقصر "لغواط".

يسجل الدكتور شارل أمت أن الساكنة المزابية ،قبل هذا التاريخ، كانت تؤدي لمحيطها المشكل من قبائل "لَرَبْعة" و"لمخاليف" وغيرهم واجبات حماية قوافلها التجارية المتجهة صوب منطقة التل الجزائرية. هذا المعطى يؤكد على خصوصية المزابيين و عدم اندماجهم في محيطهم العربي.

انتبهت السلطة الاستعمارية الى هذا المعطى فتعاملت مع المزابيين – حتى وهم منهزمون أمام قوتها-على أنهم كتلة متميزة ،مذهبيا وسياسيا،عن سائر الجزائريين .من هنا دخولها في مفاوضات مع أعيانهم ،انتهت بعقد اتفاقية بين الطرفين ؛تمت ترقيتها الى مستوى معاهدة .

بتاريخ24 يناير1853 ،وأثناء المفاوضات،حدد الحاكم العام للجزائر ،الجنرال "راندون"RANDON الشروط الآتية:

"إن الأمر لا يتعلق بمعاهدة تجارية بيننا وبينكم ،بل بخضوعكم لفرنسا .نعرف مواردكم ونعرف ما سنلزمكم به من إتاوات،حسب كل مدينة.وفي مقابل اعتباركم خداما لفرنسا سنوفر لكم الحماية ؛حيثما سرتم وحيثما أقمتم ،ضمن قبائلنا.

لن نتدخل بأي شكل من الأشكال في شؤونكم الداخلية ،ستظلون بهذا الخصوص كما كنتم منذ القدم .ننتظر منكم ،في مدنكم ،أن تحددوا الطريقة التي تفضلونها لأداء ما عليكم ل "البايلك"(خزينة الدولة).لن نهتم بتصرفاتكم إلا حينما يكون لها مساس بالأمن العام وحقوق مواطنينا،وقبائلنا الخاضعة.كل إخلال بالواجبات تترتب عنه مصادرة قوافلكم من طرف حرس الحدود ،أو عرب الجنوب. ننتظر منكم أيضا أن تغلقوا مدنكم وأسواقكم في وجه أعدائنا.

واعتبارا لكون المزابيين لم يلتزموا ،من هذه المعاهدة،إلا بما يخدم مصالحهم ،يضاف الى هذا عدم حضور ممثليهم في حفل استقبال الإمبراطور الفرنسي بالجزائر العاصمة ؛تمت سنة 1857م مداهمة مدينة غرداية من طرف قوات الجنرال "دسفو"DESVEAU ؛رغم ممانعة الأعيان والدفع بما اشتهرت به المدينة من قدسية ،وعدم جواز استباحتها من طرف الكفار". عن د شارل أمت.

ملامح المستقبل المزابي:

إن مدرسة الانفصال التي تعتقد الجزائر أنها لا تستقبل – ولن تستقبل- سوى أبناء المغاربة الصحراويين المحتجزين صارت لها أذرع ،وفصول تشتغل داخليا؛حيثما تشكلت ،عبر التاريخ،هويات متميزة ،ونزعات عرقية .

أما حينما يحبل التاريخ بإرث دولتين خارجيتين من حجم الصفرية والأباضية ؛فلا بد أن يولد شيء ما على تراب الجزائر ؛خصوصا حينما تضعف السلطة المركزية ،وتُسَيِّل الجماعات الإرهابية الحدود حتى تصير وديانا بفيض لا يقر له قرار.

حينما تؤسس القاعدة وداعش إمارات عابرة للقارات ،وتتمدد إيران الفارسية(الشيعية) فوق الجسد العربي ؛فلماذا لا يخرج الخوارج من سراديب الزمن الإسلامي ليقتطعوا لهم خريطة يرونها مهملة من طرف الدولة البتروغازية .

إن إثارة صراعات مزعومة بين الأمازيغ و العرب ؛حتى يتم التشويش على الطموح الخوارجي،السياسي والسوسيواقتصادي – وهو أمازيغي وعربي- لن يزيد الوضع إلا ترديا ،عبر كل البلاد؛خصوصا وقد ولى زمن شراء السلم الاجتماعي.

يبقى أن تغلق الجزائر مدرسة الانفصال ،وتستثمر في إحياء مؤسسات الاتحاد المغاربي؛ في اتجاه حل عام وشامل يبدأ بالمسألة الليبية ،ويحمي الشقيقة تونس التي تعرف بداية انهيار خطير.

ها قد وصلنا الى مرحلة فشل الدول، وبروز الكيانات والجماعات الإرهابية ،والعشائر والحشود.

فهل يسقط جدار الخوف والحذر ليكاشف الأخ أخاه ،والجار جاره ؛ما دامت معارك المستقبل واحدة؟

بقلم: رمضان مصباح الإدريسي

15/07/2015