فصل آخر من الحرب الجزائرية على المغرب

 كانت الإتهامات الجزائرية إلى المغرب في شأن إغراقها بالمخدرات الفصل الأخير في الحرب التي تتعرَض لها المملكة منذ عقود عدّة. المغرب معتاد على مثل هذا النوع من الحروب، التي هي أقرب إلى الألاعيب المكشوفة من أيّ شيء آخر. فالمغرب يعرف قبل غيره الهدف منها. هذا الهدف يمكن اختصاره بأمرين. الأوّل لعبة الهرب المستمر إلى الخارج التي تعكس رغبة في تصدير الأزمات الداخلية للجزائر إلى دول الجوار خصوصا، بدل التصدّي لها ومحاولة ايجاد حلول تستجيب لطموحات الجزائريين. أمّا الأمر الثاني، فهو نتيجة عقدة جزائرية تختزلها الرغبة في لعب دور القوّة المهيمنة على الصعيد الإقليمي.

لعلّ أسوأ ما في الإتهامات الجزائرية كشفها أن النظام في هذا البلد يعتقد أن المغرب يفكّر بالطريقة نفسها التي يفكّر بها. وهذا يعني في طبيعة الحال أنّ المملكة تلجأ إلى الأساليب نفسها في ابتزاز الآخرين، على طريقة رفع شعار "حق تقرير المصير للشعوب" مثلا.

الجزائر العاجزة عن مواجهة مشاكلها الداخلية، لن تكون قادرة على ابتزاز أيّ دولة أخرى، خصوصا المغرب.

لا يجد هذا الشعار، وهو شعار حقّ يراد به باطل، من ترجمة له في ما يخصّ المغرب، سوى استخدام أداة اسمها جبهة "بوليساريو" من أجل شنّ حرب استنزاف على المملكة بحجة وجود مشكلة في الصحراء المغربية. مع الوقت صارت هذه الحرب الجزائرية على المغرب، وهي حرب خاسرة سلفا، مجرّد وسيلة لدعم الإرهاب والإرهابيين والتطرّف والمتطرّفين في كلّ منطقة شمال إفريقيا والساحل الصحراوي.

آدّى الدعم الجزائري لما يسمّى "بوليساريو" إلى احتجاز صحراويين في سجن ذي فضاء مفتوحة داخل مخيّمات أقيمت في تندوف داخل الأراضي الجزائرية. بدل التعاون مع المغرب من أجل التخلّص من الإرهاب والمخدّرات وكلّ أنواع التهريب، وتوفير حياة كريمة لكلّ صحراوي، هيّأ النظام الجزائري كلّ الأجواء التي تسمح بتشجيع الإرهاب والتطرّف.

لا يمتلك المغرب ثروات من نوع النفط والغاز وما شابه ذلك، لكنّه يسعى إلى تحسين الوضع المعيشي للمواطن في كلّ الأقاليم المغربية، بما في ذلك الأقاليم الصحراوية من دون أن يعني ذلك عدم الإعتراف بأنّ أخطاء قد تكون إرتكبت في مجالات معيّنة تعني المملكة ككلّ وتعني المواطن ورفاهه ووضعه الإجتماعي.

لم يتردّد الملك محمّد السادس في طرح الأسئلة الواجب طرحها، وذلك في خطابه الأخير في مناسبة مرور خمسة عشر عاما على اعتلائه العرش. تساءل العاهل المغربي موجّها كلامه إلى مواطنيه قبل نحو ثلاثة اسابيع: "هل اختياراتنا صائبة؟ ما هي الأمور التي يجب الإسراع بها وتلك التي يجب تصحيحها؟ ما هي الأوراش (الورش) التي ينبغي إطلاقها؟ أمّا إذا كان الإنسان يعتقد أنّه دائما على صواب، أو أنّهه لا يخطئ، فإنّ هذا الطريق سيؤدي به إلى الإنزلاق والسقوط في الغرور".

 

الملفت في كلّ ما يفعله المغرب وجود شفافية تسمح بتسمية الأشياء بأسمائها، الأهمّ من ذلك كلّه أن المغرب لا يلقي مسؤولية الأخطاء التي يمكن أن تحصل على الآخرين، بمن فيهم الجزائر.

ما يمكن قوله عن الخطاب الأخير لمحمّد السادس أنّه خطاب المصارحة مع مواطنيه ومع كل الدول القريبة من المغرب، على رأسها الجزائر التي لا تمتلك القدرة على القول لمواطنيها أين تذهب أموال النفط والغاز ولماذا يطمح كلّ جزائري إلى الهجرة، خصوصا إلى فرنسا التي لا يزال النظام يذكّر بسياستها العدوانية أيّام كانت الجهة المُستعمرة للجزائر. ربّما يسعى بذلك إلى تحويل أنظار الجزائريين عن فشله في كلّ المجالات.

هناك فشل جزائري في كلّ المجالات. في أساس الفشل وهم اسمه الدور الإقليمي للجزائر. ما هذا الوهم الذي يمتلكه نظام ليس قادرا حتّى على القول لمواطنيه أين رئيس الجمهورية الذي اعيد انتخابه لولاية رابعة قبل بضعة أشهر فقط؟ هل هو مريض... أم فعلا يمارس صلاحياته؟ من أين يمارس هذه الصلاحيات، وما الذي يمنعه من الظهور؟ وفي حال كان مريضا من الذي يحلّ مكانه؟ من الذي يتحكّم بالبلد ومن يتخّذ القرارات الكبيرة؟ من يغطي على من؟ ولماذا الحاجة إلى رئيس مريض في هذه المرحلة بالذات، أي في وقت يتبيّن فيه أن الجزائر مريضة؟

كلّ ما في الأمر أن الإتهامات الجزائرية للمغرب بأنّه يغرقها بالمخدرات لا معنى لها. هذا عائد إلى سبب واحد على الأقل. يتمثّل هذا السبب في أنّ ليس لدى المغرب ما يخفيه على أحد، بما في ذلك على المهتمّين بمكافحة زراعة المخدّرات وتهريبها. لم يخف وزير الداخلية المغربي السيّد محمّد حصاد في سياق ردّه على الإتهامات الجزائرية أن بلاده تتعاون مع كلّ الهيئات الدولية، خصوصا الدوائر المختصة في الأمم المتحدة لمواجهة هذه المشكلة. أشار بكلّ صراحة إلى أن المساحات التي كانت تزرع فيها الحشيشة بلغت في الماضي مئة وأربعة وثلاثين ألف هكتار، وأن هذه المساحات تقلّصت إلى سبعة وأربعين ألف هكتار، أي بنسبة خمسة وستين في المئة. يطمح المغرب إلى تقليص المساحات التي تزرع بالحشيشة إلى ثلاثين ألف هكتار وذلك على طريق التخلص كلّيا من هذه الزراعة.

من يعترف بهذه الحقائق لا يحتاج إلى إغراق الجزائر بالمخدّرات. على العكس من ذلك، تشير الأرقام الصادرة عن وزير الداخلية الجزائري إلى رغبة في التعاون مع الجزائر وغير الجزائر في مجال مكافحة المخدّرات والتهريب بكلّ أنواعه.

في استطاعة الجزائر توجيه مزيد من الإتهامات إلى المغرب. لن يحلّ ذلك أيّ مشكلة من مشاكلها. يكمن الحلّ الوحيد لمشاكل الجزائر في الإنصراف إلى الإهتمام بشؤون الجزائريين أوّلا. هذه خطوة لا بدّ منها. يفترض بالنظام الجزائري الإعتراف أوّلا بفشل كل "الثورات" التي قام بها بدءا بالتعريب وصولا إلى مجالي الزراعة والصناعة. لم يظهر الإرهاب في الجزائر على حين غفلة في خريف العام 1988 وفي السنوات العشر التي تلته عندما نزل الجزائريون إلى الشارع احتجاجا على العقم الذي يعاني منه النظام.

ما كشفته الإتهامات الموجهة إلى المغرب تعني شيئا واحدا. إنّها تعني رفض النظام التعلّم من التجارب التي مرّ بها. لا يزال يعتقد أن عليه شن حرب على الإرهاب داخل الجزائر نفسها والإستثمار في الإرهاب في كلّ أرض خارج الجزائر. هذه سياسة لا اسم آخر لها غير الكيدية. أقلّ ما يمكن قوله لدى الحديث عنها أنّها لا تبني دولا بمقدار ما أنّها تؤسس لثورات جديدة.

هل كثير على بلد يملك بعض أفضل رجالات العالم العربي التفكير بطريقة مختلفة بدءا بالإعتراف بأنّ الكيدية ليست سياسة وأنّ وهم الدور الإقليمي ليس سوى وهم وأن الجزائر العاجزة عن مواجهة مشاكلها الداخلية، لن تكون قادرة على ابتزاز أيّ دولة أخرى، خصوصا المغرب؟

لن تستطيع ذلك، لا عبر الإتهامات الباطلة ولا عبر إثارة مشاكل في الصحراء ولا عبر تهريب حبوب الهلوسة إلى المغرب...فالمغرب يمتلك وثائق في شأن حبوب الهلوسة التي مصدرها الجزائر والتي تهرّبها إليه، وقد صادر كميات كبيرة من هذه الحبوب التي تعكس في طبيعتها جانبا من المشكلة التي يعاني منها نظام في هرب دائم من الواقع ومن عجزه عن التصدي للخلل الذي تعاني منه الجزائر منذ الإستقلال.

 

خيرالله خيرالله

21/08/2014