قارئ القصائد

بدا لها وهو يقرأ قصائد مُنْثِرًّاتْ دُوشِيتْ كمن يقرأ كتاب زرادشت، النبي والمحارب الفذ والصنديد الأسطوري. فأمالت رأسها كالمنتبه انتباها لما يقال.
أَعْلَمُ أنَّكَ تبعث إليَّ ليْلًا
إشاراتِ توقُّفٍ كمراكبَ وسنانةٍ
ترتدي مناماتٍ،
كي أحلُمَ بكَ
مثلما كنتَ فتًى لا يرسو على بَرٍّ.
...
كان متخشعا بينما يقرأ تلك الأسطر الإلاهية، أو الفلسفية... يمكنكم أن تطلقوا عنها من الأسماء ما تشاءون.
قبل أن أنظم هذه القصائد، أود أن أخبر كل الحاضرين أن الشعر هو موحد الشعوب والعقول، إنه فلسفة أو أكثر من ذلك بكثير.
إن كانت هذه الأخيرة تخاطب العقل، فالشعر مخيال، والمخيال أوسع وأمتن من المنطق، إن لم يكن رَحِمَهُ، ولو كره ذلك المتمنطقون.

أرسل الحشد لصاحب هذه الكلمات عاصفة هوجاء من التصفيقات.
قرأ القصائد وتغنت بها النار التي اتقدت في فؤاد المعجبة، فابتسمت. لكن الغريب في الأمر جهلُها لمعنى ما قرأه، تسمع أحرفا عربية ألفتها أدنها، أما الآن فقد استلذتها كما لم يحصل معها من قبل، أهكذا هي اللغة العربية ـ ربما تساءلت ـ يا ألله، ومن يكون يا ترى ذاك الذي يقرأها، من يكون يا ترى، يبدو أنه هو من قال إن الشعر فلسفة، نعم إنه هو، الصوت ذاته.
لماذا تقف أخْرَسَ أمامَ
السماءِ الشاسعةِ مقصوصَ الجناحينِ،
عديمَ الزَّبَدِ، دُونَ بحْرٍ تقريبا.
...
توقف فجأة أخرس كمن سمع مناديا يناديه من بعيد وبصوت رخيم كناي محتشم أوعود ساحر. توقف بغتة ثم تابع قراءة القصيدة، فتوقف، ثم سمع ذالك الصوت كرة أخرى، فتابع، فتوقف، فأطال مد الألف والواو والياء.
سمعت مريَّا أحرف المد فدغدغتها نسمات فرح لسعت خلجاتها، فتراءت لها كل تلك الكتابات التي رأتها ذات يوم حين زارت برفقة أبويها قصر الحمراء والمسجد الكبير بالأندلس، تذكرت تلك الزخرفات التي لم تكن تعلم وقتئذ أنها حروف عربية، آيات قرآنية، كانت حتى الأمس القريب تعتقدها آيات أنزلت على زرادشت، النبي الأسطوري.
هناك زرادشت، وهنا أيضا يوجد زرادشت آخر، رباه، كم هذا جميل، همست َمِريَّا لزميلتها بلغة إسبانية لكن بلكنة مكسيكية، تُراه ما يكون اسم ذاك الذي يقرأ القصائد؟ وما شأننا نحن عزيزتي، فنحن لا نفهم حتى ماذا يقرأـ ردت صديقتها ـ لكن مريا أردفت: ليس ذا أهمية أن نفهم، يكفي أننا أحسسنا بجمال ما يقول، أتدرين، قد أعجبتني الكلمات، قالوا إن هذه ترجمات لقصائد دوشيت، الشاعرة البانامية الرائعة، عن الإسبانية إلى اللغة العربية، لكني أحسست كما لو أنها قصائده هو، أو ربما هو بطلها، هو ذاك الذي بدون زبد ولا بحر، ذلك المرتقي في السماوات، دون زورق ولا مجداف، ذلك المدلج بين ثنايا القصص والقصائد الذهبية.
غداة بلغ اللقاء منتهاه وتفرقت الجموع، لم تأْلُ مريا جهدا على نفسها في استيقاف قارئ القصائد.
ـ عمت مساء
سمع قارئ القصائد الصوت ذاته الذي طرق سمعه حين كان بصدد تلاوة القصائد، فظن انه لفرط اتساع خيالاته، يتخيل أصوات من حيث لا يدري، فآثر ألا يلتفت.
ـ مساءك سعيد
الصوت ذاته، التفت فإذا به يرى ابتسامة رقيقة. حين اقتربت مريا من قارئ القصائد أفرجت عن قطع من البرد تسر الناظرين، وشفتين منتفختين غير كثير وموضوعتين بدقة متناهية على محياها. لما مدت يدها لقارئ القصائد بدت ملامحها أكثر وضوحا، بشرة خمرية وعينان واسعتان بهما كحل قاتم موضوع بعناية مبرزا خطوط عيني مريا كأنها الحور العين، بينما شعرها المتفحم الكثيف منسدل على كتفيها حتى كعبها، فبدا ليلة أليلية دهماء تتراقص على ألحان ريح خفيفة كانت تهزها بلطف على ضفتي قميصها الوردي.
مد قارئ القصائد يده ومقلتاه تحدقان في مريا لكن دون أن يلفت انتباهها لذلك، أو ربما ذلك ما ظنه.
ـ عمت مساء
مد قارئ القصائد يده.
ـ كيف حالك.
ـ جيد، حمدا لله، وأنتِ؟
ـ جيد. أدعى مريا، تشرفت بمعرفتك.
ـ أنا أيضا. شكرا، إلى اللقاء.
تعجبت مريا من هذا الرد، ولم تكن تعلم كيف تجيب ولا ماذا تقول، توقفت عن التفكير والتزمت الصمت.
رحل قارئ القصائد إلى حال سبيله حين خرج من المعهد الثقافي الإسباني بطنجة، انحرف عن يمينه فترجل على رصيف الشارع المؤدي نحو ملتقى طرق حي عين قطيوط، فذهب يسارا بعد أن عبر الشارع ذاته متجها نحو غرفته التي يكتريها بحي شعبي.
بلغ غرفته الصامتة، ووضع المفتاح في القفل وأداره ودلف برجله اليمنى وأزال معطفه البنفسجي فعلقه وراء باب الغرفة ونزع عنه حذائه والجوربين وقميصه الأزرق وسروال الدجينز، ثم بقي عاريا برهة من الزمن تأمل فيها جسمه فقهقه بدون إرادة منه، ثم ارتدى منامته البيضاء، ثم حمل إبريق القهوة من على رف خشبي تبته على الحائط على ارتفاع متر ونصف عن الأرض، وملأه بالماء ووضعه فوق النار.
مافتئ يفتح النافذة حتى اخترق طبلة أذنيه ضجيج المارة وبائعو الخضر وأواني البلاستيك وصوت الدجاج البلدي المعروض للبيع من قبل نساء البادية وصراخ أطفال يلعبون ونداءات بائع السردين وبائع "جافيل" وتوسلات رجل طاعن في السن يطوف على المنازل علها تجود عليه بكيس من خبز يابس.
التفت على حين غرة لما أيقظه صوت غليان الماء من تأمله للأشياء وما تصدره من أشياء من حوله. أخد العلبة الزجاجية التي كان يضع فيها مسحوق القهوة المنسمة بالإبزار والزنجبيل التي كانت موضوعة بعناية في سلة بلاستيكية زرقاء إلى جانب قنينات صغيرة وضعت فيها التوابل، ووضع ملعقتين صغيرتين من القهوة في الماء ومثلهما من السكر وانتظر بضع ثوان ثم أطفأ النار وسكب القليل من القهوة في كأس "حياتي" وأخرج سيجارة من جيب المعطف وعاد ليطل من النافذة.
لا يدخن كثيرا، لكنه أحس الساعة برغبة جامحة في رضع سيجارة تؤنس وحشته وتحرضه ليقدح زناد فكره للتأمل وتحث خياله على مزج الصور بأصواتها وبالكلمات، أليس موليير من قال في التبغ أنه سلاح الأذكياء وأنه سراج منير ينير عقل المتعقلين ذوي الألباب ويصيرهم مبدعين.
بينما شرع قارئ القصائد في التدخين، طرق باب الغرفة بلطف، ما جعله يحس بدغدغة في مضغته متذكرا حياة، إنها حياة، عرفها من انسجام الطرقات على صفحة الباب.
فتح الباب بهدوء مبتسما برقة وردت حياة بمثلها، أذن لها بالدخول فدخلت وجلست على السرير المتوسط الحجم، بينما عاد هو إلى الإطلال من النافذة.
ما لبتت أن استرجعت أنفاسها حتى أخذت الوسادة بين ذراعيها فنظرت إليه نظرة المحب حين التفت إليها، ثم قامت فوقفت إلى جانبه وضمت بيديها الصغيرتين ذراعه اليمنى التي كان يتكئ بها على حافة النافذة وأسندت رأسها على كتفه ثم أردفت، ما بك تدخن الآن، هل تعشق السيجارة أكثر مما تهواني، أم أن بالك منشغل بشيء ما، أخبرني يا رجلي الجميل، ما الذي يشغل بالك؟ أعرفك جيدا، وحين أراك تدخن أدرك أن بالك منشغل بشيء ما، فأخبرني، لا شيء يا حياة، لا شيء، أنظر فقط إلى الزقاق وأحس بالحياة أمامي تنط كالصبية، لكني لا أطالها وأظنها بعيدة كل البعد عن مرماي، تعبت من كتابة القصائد وذبح الورود من الوريد إلى الوريد والتضرع أمام البدر كالذئاب.
استرسل في حديثه وأطفأ عقب السيجارة في منفضة السجائر بينما فنجان القهوة بقي منتصفا على حافة النافذة المفتوحة على مصراعيها تاركة نسيب البحر الآتي من بعيد ينتشر في أرجاء الغرفة ليوقد الرغبة فيهما. وضع يده على كتفها فقبلت هي أصابع يده على حدة وغرزت قبلة تفتت بين خطوط كفه.
استلقيا على السرير وأزالت عنها الوشاح اللازوردي الذي كان ملتفا حول جيدها الطري، وسقطت خصلات من شعرها على محياها فتبتها وراء أذنها مبتسما، لكن حياة تحاشت النظر إليه تاركة لغة الصمت لتنوب عن لغة الألسن، لامس دقنها الصغير الحاد ورفع وجهها بحنان نحوه فاقترب بشفتيه وأغمضت عيناها في استسلام، وقبلها في شفتيها الورديتين المنتفختين وضمها إلى صدره وأقحمت وجهها في عنقه وزفرت زفرة واستنشقت ريحه وقضمت بشفتيها تفاحة عنقه وفككت أزراره فاستسلما لسلطان الحب...

بريشة محمد أرسلان

17/07/2016