هي ثلاث محطات أساسية تنهض كمبرر لتجعل الدورة الحالية (الدورة 25) لمجلس حقوق الإنسان الأممي بجنيف ذات طعم خاص بالنسبة للمغرب التي سلطت عليه كشافات الضوء الحقوقية على المستوى الدولي:
أولا: أن أنظار المراقبين تتوجه اليوم إلى مجلس الأمن الذي سينعقد في أبريل 2014 لمعرفة القرار الذي سيتخذه بشأن توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء أم لا، خاصة وأن هذا الموضوع سبق وأن خلق رجة في المغرب في السنة الماضية عقب إقدام أمريكا على تقديم مسودة في هذا الباب قبل أن تتراجع الإدارة الأمريكية بعد اللقاء الذي جمع الملك محمد السادس بالرئيس أوباما.
ثانيا: أن المقرر الأممي الخاص بالاتجار في البشر غادر المغرب، وهي المغادرة التي جعلت المراقبين يثبتون رداراتهم على محطة يونيو 2014 المرتقب أن يقدم فيه المغرب تقريره حول الاتجار في البشر في لقاء جنيف.
ثالثا: أن الدورة الحالية هي تمهيد لمحطة شتنبر 2014 التي سيقدم فيها المغرب تقريره حول الاختفاء القسري، وهو الموضوع الذي كان أيضا محور مجيء مقرر أممي خاص إلى بلادنا.
كل هذه العوامل تفسر الدينامية التي يعرفها المغرب في المجال الحقوقي.
صحيح أن هذه الدينامية ليست وليدة اليوم، بل تعود بداياتها الأولى إلى مطلع التسعينات من القرن الماضي، إلا أن زخمها احتد مؤخرا بالنظر إلى أن البعد الحقوقي أصبح ركنا استراتيجيا في العلاقات الدولية، ولا يوجد بلد يمكنه القفز على ذلك، اللهم في البلدان المنغلقة. أضف إلى ذلك أن البعد الحقوقي أصبح أساسيا في العمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف، مما يفسر لماذا أضحت جنيف هي «الكعبة الحقوقية» المفضلة للمراقبين لقياس مدى تجاوز هذه الدولة أو تلك «للعتبة الحقوقية المتعارف عليها كونيا» أو بقائها دون «العتبة».
وبعد أحداث «الربيع الأصولي» بالعالم العربي، اشتد الضغط على المغرب من طرف المجتمع الدولي لدفع البلاد للتفاعل أكثر مع الآليات الأممية الحقوقية.. وهذا ما يفسر «التسونامي» من المقررين الخاصين الذين تبعثهم الأمم المتحدة للمغرب (9 مقررين زاروا المغرب) ويفسر الإسهال في إمطار المغرب من طرف مجلس حقوق الإنسان بالتوصيات الواجب إدخالها في التشريعات لتتلاءم مع القوانين الدولية والبالغة 148 توصية في المجموع (أنظر ص 10)، ليس لأن المغرب هو «كوريا الشمالية في العالم العربي» أو «أفغانستان القارة الإفريقية»، بل -وهذا ما لمسته «الوطن الآن» في أروقة مجلس حقوق الإنسان في جنيف- ليكون المغرب هو المنصة الرسمية لإطلاق حزمة من التدابير نحو شمال إفريقيا والشرق الأوسط، خاصة وأن هذه الدول لم تستيقظ بعد من صدمة بناء العدالة الانتقالية (لنستحضر طلب تونس وليبيا ما بعد ثورات الربيع لاقتباس نموذج هيأة الإنصاف المغربية).
إلا أن هذه الرهانات الدولية لم تستوعبها بعد النخب الحزبية والبرلمانية والحكومية، على اعتبار أن الخطأ السياسي الأكبر الذي اقترفه المغرب كونه لم يعبر عن إرادة سياسية واضحة مفادها أنه كدولة قابل لكل أشكال المراقبة الأممية بدل القبول بالتقسيط أو بالقطرة «goute à goute»، على اعتبار أن هذا السلوك يجعل المراقب يضع المغرب في خانة «البلد المتردد» غير الواثق من نفسه. أضف إلى ذلك أن النخب المذكورة تخدر نفسها بخطب الإشادة الدولية أو بالخطب الملكية (مثلا إشادة الملك والأمين العام الأممي معا بتقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان) دون أن تحرص هذه النخب على مصاحبة ذلك بالإمكانات (المؤسساتية والقانونية والمالية) لتنزيل الآراء الاستشارية على أرض الواقع، خاصة وأن المغرب مازال يواجه ملفا شائكا ألا وهو الطي النهائي لملف الصحراء. إذ في الوقت الذي لا تعطي الحكومة الأمل للناس في الوساطات التي يقوم بها المجلس الوطني مثلا أو عدم الاستجابة لمطالب بسيطة، فإن ذلك يزيد من تأزيم الموقف المغربي، خاصة إذا استحضرنا أن كل الحكومات المتعاقبة لم تتعامل مع التعيينات في الأقاليم الجنوبية بالذكاء اللازم الذي يراعي متطلبات التنمية ويستحضر أن تلك الأقاليم ما زالت محط سجال أممي.. كما أن كل الحكومات لم تعط إشارات تفيد أنها حكومات دولة تحترم مبدأ دولة القانون، بدليل أن جمعيات مناهضة للطرح الرسمي التجأت إلى القضاء وربحت الإدارة، ومع ذلك ترفض الدولة التعامل معها بدعوى أنها جمعيات انفصاليين، وتناست أن القضاء هو الذي قضى بمشروعية وجودها.. والحال أنه كان من الأولى التعامل معها قانونيا، وإن زاغت هذه الجمعيات «عن السطر» يطبق عليها القانون، خاصة وأن الدول الغربية لا تعرف سوى لغة «القانون» والمساطر، والمغرب ليس هو الجزائر أو العراق لإلهاء الدول العظمى بالنفط للسكوت عن التجاوزات، بل هو دولة اختارت جيلا جديدا من الانضمام للمعاهدات الدولية.. إذ لم يبق المغرب سجين التصديق على الاتفاقيات فحسب، بل انضم أيضا إلى البروتوكولات الاختيارية. وهذا الاختيار يشبه من يشتري تذكرة «ذهاب عادي» (Aller simple): أي استحالة العودة إلى الوراء.
بقلم: عبد الرحيم أريري (مدير أسبوعية "الوطن الآن)

30/03/2014