قرر المغرب في الأيام القليلة الماضية عودة 25 عضوا من أعضاء المكون المدني أو السياسي للمينورسو، هي عودة جاءت بعد زيارة وفد من الأمم المتحدة للمغرب من أجل مباشرة الحوار و النقاش لعودة هذا المكون للمغرب بشكل كامل، من هنا يشكل طرح أسئلة جوهرية حول هذا القرار ضرورة ملحة تفرضها التطورات الحالية و المستقبلية، منها:

 

كيف يمكن فهم هذه العودة خاصة و أن الحملة التي اطلقتها جبهة البوليساريو و الإعلام الرسمي الجزائري حاولت إظهار المغرب بمظهر الضعف، وبأن هذه العودة هي أحد مظاهر ”الاحتلال” المغربي لهذه الأقاليم الصحراوية.

 

هل قرار عودة المينورسو الجزئية للمغرب، هي فعلا مظهر من مظاهر انعدام السيادة المغربية كما حاولت الالة الاعلامية للبوليساريو الترويج لها، أم هي على العكس من ذلك دليل على وجود سيادة مغربية على الأقاليم الجنوبية!!!

 

بالعودة للقرار الذي اتخذه المغرب قبل أشهر، القاضي بطرد المكون السياسي للمينورسو من المغرب خارج التراب المغربي، كان قرارا سياسيا للمغرب، بمجرد أن اتخذه المغرب قامت الامم المتحدة بتنفيذه، من خلال سحبها لكل المكون السياسي ببعثة المينورسو، الذي جاء كرد فعل مغربي قوي اتجاه تصرفات بان كيمون أثناء زيارته للمخيمات، الذي أكد على سيادية المغرب على هذا المجال الجغرافي، إذ انه لو لم تكن هناك سيادة فعلية و واقعية عليها، لما استجابت الامم المتحدة لقرار المغرب، و لما سحبت مكونها من مقر البعثة فور إعلامها بموقفها الرافض لتواجد المكون السياسي على ترابها.

 

لقد شكل هذا القرار صدمة للامين العام للمتحدة، و لقيادة الجبهة و لكل اللوبي المساند له، إذ لم يتوقع أي احد أن يصل موقف المغرب لهذا الحد من الجرأة، في علاقة المغرب مع الامم المتحدة و بكل الاطراف اقليميا و دوليا، لهذا شاهدنا كيف انطلقت الدعاية ضد المغرب، دعاية لم تستثني اي شيء، محاولة جعل المغرب في موقع الدولة ”المارقة” الغير الممتثلة لقرارات الامم المتحدة و لا لمسار التسوية السلمي.

 

ضغط الامين العام بكل ثقله ضد المغرب مستغلا موقعه على رأس الأمم المتحدة من أجل دفع مجلس الأمن لاستصدار قرار أممي يدين المغرب و يعيد ملف النزاع المفتعل على الصحراء الى مرحلة توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، حاول التمهيد لإدانة المغرب في تقريره السنوي الذي يقدمه قبيل صدور قرار مجلس الأمن، للتمهيد للوبي الموجود داخل مجلس الامن والذي تقوده فينزويلا، بريطانيا، و إلى حد كبير الصوت المعادي للمغرب الموجود داخل الادارة الامريكية الذي برز بشكل علني أثناء تقديم الاولايات المتحدة الأمريكية لمشروع القرار لمجلس حول الصحراء.

 

رغم كل الضغط الذي مورس على المغرب، دون العودة لتفاصيله، و لتفاصيل الخطاب الملكي بالقمة المغربية الخليجية، و لا إلى مضامين قرار مجلس الأمن لابريل 2016، لكن فيما يتعلق بموضوع المقال، لابد من الإشارة إلى أن القرار رغم كل مضامينه جاء مخيبا للطابور المعادي للمغرب بالأمانة العامة للأمم المتحدة، حيث كانت هناك محاولات لفرض عودة فورية للمكون السياسي للمغرب دون قيد أو شرط، مع إدانته و التنديد به، و دفع الأزمة إلى أبعد مداها لتتحول من أزمة بين المغرب و رأس الأمانة العامة للأمم المتحدة، إلى أزمة بينه و بين الأمم المتحدة و أجهزته خاصة مجلس الأمن، و هو ما لم يتحقق لعدة عوامل من بينها الخطوات الاستباقية التي اتخذها المغرب قبل موعد أبريل 2016، من خلال إعلانه عن تنويع شركاءه الاستراتيجيين، الثقة التي يتمتع بها لدى شركائه التقليديين خاصة فرنسا و اسبانيا، بالإضافة للدور العربي خاصة السعودي منه الذي و إن كان غير ظاهر للعيان لكن كان له تأثيره، لوضع الأزمة في إطارها الحقيقي، و فتح الباب أمام معالجة دبلوماسية مع المغرب، من هنا طالب قرار مجلس الأمن بعودة المكون المدني لكن دون أية شروط أو تهديد او ادانة للمغرب بل بالحوار و أعطى مهلة ثلاثة أشهر ليقدم الامين العام لتقريره حول هذا الحوار، و هو ما حدى بمجلس الأمن الى ارسال بعثة خاصة يقودها جمال بنعمر للاعلان عن انطلاق الحوار و التفاوض مع المغرب لهذه العودة، و هي الخطوة التي يمكن أن نستنتج من خلالها مايلي:

 

– الأمم المتحدة بتعيينها لجنة بعيدة و مستقلة عن الأمين العام للامم المتحدة، هو انتصار للمغرب يعيد بان كيمون لوضعه الطبيعي، و يعيد موقعه لحيث ينتمي إليه، و هي اللجنة التي ستقود المفاوضات مع المغرب لعودة المكون السياسي، مما يجعل من الأمين العام في موقف ضعيف، و أي تقرير سيصيغه مستقبلا سيكون بناء على ما ستقدمه له هذه اللجنة، و هو ما يقيد حركة الامين العام اتجاه المغرب، و يشكل ضغطا مقابلا مارسه المغرب على اللوبي المعادي له، و على بان كيمون.

 

– قرار المغرب بعودة 25 عضو من المكون المدني، هو ابداء لحسن نية منه اتجاه الأمم المتحدة، و رد مباشر على كل المحاولات التي كانت تريد دفع مجلس الأمن إلى الاصطدام بالمغرب، و جعله ضمن خانة الدول الخارجة عن الشرعية الدولية، و احباط لكل هذه المحاولات، و الذي تتبع حالة الهيجان لدى العديد من نشطاء الجبهة بعد هذا القرار المغربي، و الذي يعد انعكاسا لحجم صدمتهم من الخطوة المغربية، و من التكتيك الذي اعتمدته الآلة الدبلوماسية المغربية في إدارتها لهذا النزاع مع الامين العام للمتحدة، الذي جاء مفاجئا، بل صادما لهم، نظرا لكونهم كانوا ينتظرون من المغرب أن ينقل مواجهته ضد محلس الامن و ضد قراراته، لأن ذلك كان سيضع المغرب في زاوية ضيقة، و سيقوي من فرص الضغط عليه تمهيدا لاستصدار قرار أممي جديد يدين المغرب بعد انصرام المهلة التي وضعها مجلس الامن في قراره الأخير.

 

– المغرب في معركته هذه سواء من خلال طرده للمكون المدني، أو قبوله بالعودة الجزئية له ”25 عضو” كان هو المتحكم في إيقاع هذا الصراع الذي فرض عليه، و برزت آلته الدبلوماسية الاممية منها، كآلة قادرة على التحكم في صنع الحدث و التحكم به، بشكل يخدم مصالح المغرب، و ينسف كل طروحات الخصوم.

 

المغرب في السنة الماضية هو من رفض التعامل مع روس فتوقفت المفاوضات بذلك، و هو من عمد إلى فتح جبهة مع الامين العام للأمم المتحدة بعد أن تأكد له انحيازه للبوليساريو، و خروجه عن الحياد المطلوب فيه، و تبنيه لأطروحتهم، و هو من قام بطرد المينورسو… بالتالي يبدو أن الأداء الدبلوماسي المغربي هو من فرض إيقاعه و صوته و مواقفه على بان كيمون و على اللوبي المساند له.

 

– المغرب من خلال طرده للمكون المدني للمينورسو فرض وضع البعثة كلها في إطارها و سياقها العام، حيث لأول مرة و منذ سنة 2013  مختلف النقاشات التمهيدية التي كانت تسبق قرار مجلس الامن الذي يصدر في ابريل من كل سنة، كانت جبهة البوليساريو، و اللوبي المساند له يطرح فكرة توسيع المينورسو لتشمل مهمة مراقبة حقوق الإنسان، دون الغوص في تفاصيل هذا المطلب و مدى شرعيته، لأول مرة منذ أن اعتزمت الولايات المتحدة الامريكية تقديم مشروع القرار لمجلس الأمن يحمل هذا المطلب قبل أن يتم التراجع عنه، الذي تكرر طيلة الثلاث سنوات الماضية، وصلنا لهذه السنة من خلال الخطوة التي اتخذها المغرب إلى نقطة تناقش فقط عودة المكون المدني الى مقر البعثة، دون أن يكون هناك صوت يطالب بتوسيع مهمتها، من هنا المغرب يمكن القول بأنه قد أقبر هذا المطلب بشكل عملي، حيث تحول النقاش من توسيع مهمتها، إلى مجرد قبول المغرب بعودة مكونه السياسي، دون أن تطال مهمته أي توسيع، كما أن مشروع القرار الذي تقدمت به امريكا غاب فيه هذا المطلب و حضر مطلب العودة، و هو انتصار جد مهم في مسار النزاع على مستوى الأمم المتحدة.

 

– اذا كانت هناك من نقطة ايجابية في هذا التجاذب الأخير، هو أن المغرب من خلال قرار الطرد و العودة الجزئية، أبرز للعالم و لمن له شك، بأن هذه الأقاليم هي خاضعة للسيادة المغربية، و أن من يمارس السيادة و الإدارة بها هو المغرب و ليس جهة أخرى، و أن تواجد بعثة المينورسو لن يكون يوما ما مهددا لمصالح المغرب و لا لوضعيته بهذه الأقاليم، بل المغرب و من خلال انخراطه في المسار الأممي هو من قبل بتواجد هذه البعثة، و أنها تتواجد بقرار مغربي و على أرض مغربية، لقد شكلا القراران معا مناسبة ليعلم تنظيم البوليساريو و اللوبي الداعم له، خاصة النظام الجزائري، أن التواجد المغربي بهذه الأقاليم هو تواجد قوي، تاريخي و شرعي، بموجبه تمارس السلطات المغربية كل أشكال السيادة الإدارية، الترابية، السياسية على هذا الجزء من التراب المغربي، و أن دخوله في المفاوضات ليس تشكيكا في انتماء هذه الأقاليم للمغرب بل محاولة منه إنهاء المعاناة الإنسانية لسكان المخيمات.

 

هذه العناصر تشكل، إلى جانب قراءات أخرى، أحد أبرز ملامح القرار المغربي سواء من خلال طرده أو قبوله بعودة جزئية للمينورسو، في إطار النقاش العمومي حول تطورات ملف الصحراء، يجب إبرازها وطنيا للرأي العام المحلي، ليستوعب هذه القرارات و حتى لا يسقط في الخلط الذي حاولت الدعاية المعادية للمغرب أن تسقطه فيها، بعد أن حاولت أن تروج لأطروحة فشل المغرب، و تخبطه، و انعدام سيادته على الأقاليم الصحراوية، خاصة و أننا أمام محطة يوليوز التي سيقدم فيها بان كيمون تقريره حول وضعية المينورسو و المفاوضات التي تجري مع المغرب، لعودة المكون السياسي منه.

بقلم نوفل البعمري

26/06/2016