ربما لم يقلها عن سوء نية، وربما أن التعبير خان الأمين العام للأمم المتحدة، حين وصف الوجود المغربي في الصحراء الغربية بأنه "احتلال"، غير أن بان كي مون أخذته العزّة بالخطأ، فلم يتراجع ولم يوضّح ما صرّح به لدى زيارته، مطلع مارس/آذار الجاري، مخيمات تندوف التي تضم صحراويين، وتقع في عمق الصحراء الجزائرية. 

لم ينتبه الأمين العام إلى أن هؤلاء الصحراويين (نحو 85 ألف نسمة) ليسوا مطرودين من ديارهم، ولا هم ممنوعون من العودة إليها. ولو كان هناك واقع، أو أمر واقع احتلالي، لما كانت العودة إلى الديار متاحةً لأبنائها في المنفى. ويشكل هؤلاء بين 20 و25% من عدد أبناء الصحراء المقيمين على أرضهم في مدن العيون والداخلة وسمارة ومدن أخرى. ووجود هؤلاء متجذر، ويضمّون شرائح اجتماعية، ومن بينهم قبائل عربية. 

منذ ربع قرن على الأقل، يفتقد النزاع على الصحراء أية مفاعيل على الأرض، وعلى الحدود بين المغرب والجزائر. التجديد السنوي لبعثة الأمم المتحدة "مينورسو" التي شكلت لمراقبة وقف إطلاق النار، وتطبيق خطة تسويةٍ لم تر النور، هو الذي يعيد التذكير بقضيةٍ شبه منسية. وعدا الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، فإن قضية الصحراء لا وجود لها في ملفات هيئات أخرى، مثل جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي ومؤسسة عدم الانحياز. 

وبينما أدت هذه القضية إلى شلل الاتحاد المغاربي الذي أنشئ في وقتٍ متقاربٍ مع نشوء مجلس التعاون الخليجي، نظراً للخلاف المغربي الجزائري حول الصحراء، وبينما تسبًبت هذه القضية (إلى جانب تعاظم الحركة الأصولية في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي) في بقاء الحدود البرية مغلقة بين المغرب والجزائر، ما يضطر الراغبين الجزائريين والمغاربة في السفر إلى قطع مسافاتٍ نحو مطارات بلادهم بغية السفر جواً، علما أن المسافات نحو المطارات أطول من التي يبلغون فيها مدناً ومناطق في الجانب الآخر. على أن البلدين تعايشا، بصورةٍ أو بأخرى، مع الخلاف بينهم، وحول الصحراء بالذات، ويسعيان إلى تحييد هذه القضية 

"نزلاء مخيمات تندوف يُحال بينهم وبين العودة إلى موطنهم أو حتى التمتع بحياةٍ طبيعيةٍ في أماكن احتجازهم"

عن ملفات التعاون الثنائي، فيما الصحرايون الماكثون في مخيمات تندوف منذ عام 1976، تاريخ انسحاب قوات الاستعمار الإسباني من الصحراء، هؤلاء وعلى نحو أدق معظمهم (هناك نسبة ضئيلة مستفيدة من الواقع الشاذ القائم، وهم ممن يتولون تنظيم أوجه الحياة في المخيمات) هم الذين يدفعون ثمن إطالة أمد هذه القضية. فهؤلاء يقيمون بلا أوراق ثبوتية، ويحظون منذ أربعين عاماً بالحد الأدنى من أسباب البقاء، ويحظر عليهم مغادرة المخيمات والتنقل داخل الجزائر، إلا ضمن ظروف خاصة وشروط مشددة. علما أن لمعظم هؤلاء صلات قربى مع أغلبية أبناء الصحراء المقيمين على أرضهم. ولو أتيح لهؤلاء خيار العودة إلى مناطقهم ومدنهم في الصحراء، ورفع الحظر الذي تفرضه جبهة البوليساريو عليهم، لعاد أغلبهم، وتمتعوا بالإقامة على أرضهم. هذا الاحتلال الذي يصادر إراداتهم وخياراتهم، ويشلّ حركتهم، لم يلحظه السيد بان كي مون. عرف فقط أنهم خارج أرضهم، ويعيشون في مخيمات.. إذن، فإن الطرف الآخر صاحب السلطة على أرضهم يقوم بالاحتلال!. 

ليست الضجة المدوية الشعبية والرسمية التي ثارت في المغرب على تصريحات المسؤول الأممي الأرفع مستغربة، فقضية الصحراء تحظى بإجماع وطني قل نظيره حولها، وقد شعر المغاربة بالصدمة، وربما بما هو أسوأ منها، لدى سماعهم حديث كي مون الذي كان يتهيأ لزيارة بلدهم. ومن المثير حقاً أن ينزلق الرجل إلى هذا الموقف، فيما هو يتأهب لزيارة البلد المستهدف، ما اضطره إلى إلغاء رحلته، بعدما تبين له أنه غير مُرّحبٍ به. 

يبدو بان كي مون الكوري الجنوبي (72 عاماً) الذي تنتهي فترة خدمته (امتدت عشر سنوات) مع نهاية العام الجاري 2016غير عابئ بتفاعلات الأزمة التي تسبب فيها، فحياته الدبلوماسية في الخارج توشك على الانتهاء، وأزمة الصحراء تفتقد عوامل التفجر وحتى التوتر والاحتقان، ولن تكون هناك تفاعلات سلبية تُذكر على الأرض، وكل ما في الأمر أن المغرب أبدى عدم ثقة بأداء الأمين العام، وسحب ممثليه في قوة "المينورسو"، وأعلن عن تخفيض مساهمته المالية. 

مضت أربعة عقود على الأزمة، شهدت خلالها مدن الصحراء ازدهاراً ملحوظاً، ولم تنجح محاولات إجراء استفتاءٍ لسكان الصحراء، وللصحراويين عموماً، وذلك للخلافات التي نشبت حول تصنيف الصحراويين، ولاتهامات وجهها المغرب إلى جبهة البوليساريو بأنها تستقدم أفارقة من أجل احتسابهم صحراويين، إلى جانب أبناء الصحراء. بينما اتهمت البوليساريو المغرب بأنه يضيف إلى السكان الصحراويين سكاناً من عنده!. ورفض المغرب، في الأثناء، طروحاتٍ تقدمت بها "البوليساريو" لاستثمار مشترك لأقاليم الصحراء، ورفض، بالقدر نفسه، اقتراحاً بتقاسم إقليم الصحراء، تكون فيه حصة المغرب الثلثين، مقابل ثلث المساحة للبوليساريو التي اعترفت بها (بالجمهورية التي أعلنتها) منذ نشأتها حوالي 70 دولة، إلا أن الاعترافات بجمهورية الصحراء أخذت تُسحب من أصحابها، إلى أن بلغ العدد المتبقي زهاء 35 دولة. 

على الأرجح، أن تطوى هذه الأزمة التي تسبب فيها الأمين العام بصورة تدريجية، لتعود القضية إلى أدراج الأمم المتحدة وملفاتها. أما الضحية الكبرى فهم الصحراويون نزلاء مخيمات تندوف الذين يُحال بينهم وبين العودة إلى موطنهم، أو حتى التمتع بحياةٍ طبيعيةٍ في أماكن احتجازهم، كتشكيل جمعيات أو أحزاب وإصدار مطبوعات، والتعريف بالواقع الحقيقي الذي يكتنف حياة الصحراويين في هذه المعازل القسرية التي يتم احتجازهم فيها، من أجل دوام استغلالهم لغرض سياسي، يتمثل في إطالة عمر كيان "البوليساريو". 

محمود الريماوي

محمود الريماوي

كاتب، معلق سياسي، قاص وروائي أردني/ فلسطيني. عمل في الصحافة منذ أواخر الستينيات، في صحف لبنانية وكويتية وأردنية كاتباً ومحرراً ورئيس تحرير. صدرت له 13 مجموعة قصصية وروايتان وكتابا نصوص. كاتب متفرغ ويدير الصحيفة الثقافية الالكترونية " قاب قوسين".

 

01/04/2016