لحساب من تعمل المخابرات الجزائرية في نشر ثقافة المجموعات الإرهابية في دول الجوار

 يبدو أن الجزائر، ذلك الإقليم الشاسع في شمال إفريقيا الذي يحكمه العسكريون منذ الاستقلال ،بات يشكل خطرا على الأمن الإقليمي في المنطقة المغاربية ،فالتقارير والمعلومات الاستخباراتية المرتبطة بأحداث شمال مالي، تشير إلى وجود علاقة أولى في الجنوب الشرقي للجزائر على الحدود مع تونس، بين النظام العسكري الجزائري وحركة "عقبة بن نافع" المتمردة على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ، وعلاقة ثانية للنظام العسكري الجزائري بحركة الجهاد والتوحيد على الحدود الجنوبية الغربية للجزائر مع المغرب ، فالجيش الذي نجح في السنوات الأخيرة في أحداث انقسامات داخل التنظيمات الموجودة في شمال مالي، أضحى اليوم ،بعد التدخل الفرنسي، يسعى إلى تحويل هذه التنظيمات إلى جماعات إرهابية إقليمية تقاتل دول الجوار على الحدود مع تونس في الشرق والجنوب الشرقي ، ومن داخل مخيمات "تندوف" لمواجهة الأقاليم الجنوبية في المغرب.

ويفسر هذا التحول بمعطيات داخلية جزائرية وإقليمية ،فالصراع بين "بوتفليقة" المريض والجيش يوجد اليوم في أعلى مراحله ،وتشير وثيقة وصلت إلى كتابة الدولة في الخارجية الأمريكية يومين بعد الهجوم على مجمع "عين اميناس"، كيف أن "بوتفليقة" وقف مشدوها أمام الحدث ،ويبدو الحدث اليوم ، بعد مرور خمسة أشهر،انه تدبير عسكري داخلي استعملت فيه جماعة "مختار بلمختار" من طرف فريق من الجيش الجزائري ،وبذلك فالأوضاع الداخلية وصراعات السلطة، باتت تدفع الجيش الى نهج لعبة زعزعة استقرار دول الجوار وتوجيه الأنظار نحو الخارج ،فوراء الكلام الجميل عن حسن الجوار والأمن الذي أطلقه وزير الخارجية "مراد مدلسي " في الرباط يوم 5 ماي الجاري ،أثناء انعقاد أشغال الاجتماع 31 لمجلس وزراء الخارجية بالاتحاد المغاربي، تختفي معالم الترتيب الجزائري لزعزعة استقرار دول الجوار.

وأمام ارتفاع المطالب بالمشروعية الفعالية ومشروعية الانجاز في دولة تستهلك ثروة وغير قادرة على إعادة إنتاجها منذ الاستقلال إلى اليوم ، يبدو أن الجيش بدا يحس لأول مرة بعد العشرية السوداء بانتقال الجزائريين من النشيد الوطني " يا فرنسا قد مضى وقت العتاب وطويناه كما يطوي الكتاب " الى شعار جديد يدعو الجيش إلى تقديم "الحساب"،هذه الوضعية جعلت النظام العسكري ، وهو يراقب الإصلاحات الجارية في دول الجوار ،إلى إدخال الجزائر في وضعية تقاوم بها الإصلاح ، فرغم ان "بوتفليقة" أجرى انتخابات تشريعية وأعلن عن الشروع في إصلاحات دستورية بتشكيل لجنة تقليدا للمغرب ، فان هناك اعتقاد لدى "بوتفليقة" والجيش بأنهما يريدان مجاراة دول الجوار وتقليدها في الشكل لان هذه الإصلاحات متروكة للوقت وللمفاجآت التي سيقدمها الجيش للجزائريين للانقلاب على كل وعود الإصلاح ،فاللجنة لن تقدم مشروع دستور وإذا حدث وقدمته فلن يقبله لا"بوتفليقة " ولا الجيش ،بل ان الجيش يسعى عبر مدخل التوترات الإقليمية الى تجاوز ورطة إعلانه عن إصلاحات، وذلك بخلق وضعية عدم استقرار إقليمي للانقلاب على كل مبادرات الإصلاح السياسي والدستوري ،فالجيش بادر في سنة 2013 الى توقيع مجموعة من الاتفاقيات الأمنية مع تونس وليبيا ،والى حضور اجتماعات الاتحاد المغاربي وإطلاق خطابات "الشراكة الأمنية"، في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية الى عناصر أمنية جديدة في المنطقة المغاربية ،فدخول تنظيمات مسلحة من مالي عبر التراب الجزائري و وصولها الى جبال الشعابني داخل تونس وتلغيمها ، يبين ان الإستراتيجية التي عملت عليها الجزائر في السنوات الأخيرة، بخلق انقسامات داخل الجماعات الإرهابية ،وهي إستراتيجية كانت الولايات المتحدة على علم بها ، بدأت الجزائر توظفها على الحدود الترابية لدول الجوار بدفع الجماعات الإرهابية الموالية للجيش الى زعزعة استقرار تونس الساعية الى تعايش سياسي بين إسلاميي النهضة والأحزاب التقدمية بعد الثورة ،فلا احد يمكنه ان يصدق ان كتيبة إسلامية مسلحة منهكة قادمة من مالي، قادرة على قطع ألاف الكيلومترات للتحصن في جبال الشعابني ومقاومة الجيش التونسي لمدة تزيد عن عشرة ايام .

وليست المرة الأولى التي تشار فيها الأصابع الى الجيش الجزائري عن مسؤولية ما يحدث في تونس من مواجهات بين الجيش التونسي والجماعات الإرهابية ،فهناك اعتقاد لدى العديد من التونسيين بان قتلة الزعيم النقابي التقدمي "شكري بلعيد" جاؤوا من الجزائر وعادوا إليها بعد تنفيذ عملية الاغتيال رغم تكذيب الخارجية الجزائرية لهذا الاتهام ، فالتونسيون اليوم ،مشتتون مابين مواجهة قاعدة ليبيا في الشرق وقاعدة الجزائر في الغرب.

وتشير الوثيقة التي سربت عن كتابة الدولة الأمريكية في الخارجية، في الأيام الأخيرة للسيدة"هيلاري كلينتون" بالإدارة الأمريكية ،حول ملابسات أحداث "عين اميناس" ان ما يجري على الحدود التونسية سبقه تخطيط جزائري مماثل اعد في الجنوب الغربي انطلاقا من مخيمات تندوف لزعزعة استقرار المغرب في الصحراء من طرف حركة التوحيد والجهاد، التي بات واضحا اليوم أنها من صنع الجيش الجزائري ،ف"مختار بلمختار" زعيم هذه الحركة الذي لا يعرف مصيره اليوم ،بين تاكيد موته ونفيه في مالي، كان قد طلب من المخابرات الجزائرية الاستفادة من قانون الوئام المدني، وهي الفرصة التي تلقفتها المخابرات العسكرية الجزائرية لإعادة توظيفه ببناء جماعة إرهابية مؤيدة للجيش الجزائري لاستعمالها في المحيط الإقليمي وتطعيمها بموارد بشرية جزائرية وصحراوية من "تندوف" لضرب الاستقرار في الجنوب المغربي ،وهذا ما يشرح حادث محاولات إحداث ثقب في الجدار الأمني المغربي منذ سنة 2010 انطلاقا من المدخل الموريتاني.

الوضع الذي يفتح الجزائر أمام سيناريو وحيد يتوقعه بعض الرسميين الجزائريين أنفسهم كالوزير الأول الجزائري السابق سيدي احمد غزالي وهو سيناريو يتوقع سنوات سوداء قادمة الى الجزائر ستكون أصعب من أحداث 1988 ،فالنظام الجزائري وهو في أوج قوته المالية يرتفع أمامه الاحتجاج يوميا ،والتوقعات الاقتصادية تقول أن النفط على مشارف نهايته في العشر سنوات المقبلة ،فالنفط في المنطقة المغاربية ليس بقوة النفط في الخليج والدليل على ذلك أن نفط وموريتانيا انتهى بعد ثلاث سنوات من اكتشافه ،فالأمر لا يتعلق بآبار "الأغوار" في السعودية ،لهذا فالإستراتيجية الجديدة للنظام الجزائري بتهديد استقرار تونس والمغرب عبر المغامرة بجمع شتات ما تبقى من القاعدة وحركة التوحيد والجهاد ،يدفع الجزائر إلى نزيف اقتصادي ومالي، لدرجة القول معها أنها لن تجد في السنوات المقبلة ما تشتري به "البطاطس" .