بعد أكثر من سبع سنوات من الجمود في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة من أجل مساعدة أطراف النزاع حول الصحراء على التوصل إلى حل سياسي ومتوافق عليه، قال المتحدث باسم الأمم المتحدة، في بداية الأسبوع الماضي، إن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، كريستوفر روس، سيقوم بزيارة إلى المنطقة في الأسابيع القادمة من أجل الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام.

 

ويأتي هذا الإعلان بعدما اتفق المغرب والأمانة العامة للأمم المتحدة على عودة جزء من المكون المدني للمينورسو ووضع حد لتوتر غير مسبوق بينهما منذ شهر مارس الماضي. وحسب ما روجت له بعض المنابر الإعلامية، فقد تأتي الزيارة الجديدة للمبعوث الأممي من خلال وضع مقترح جديد على طاولة المفاوضات بغية التقريب بين مواقف المغرب والبوليساريو، والتمهيد للتوصل إلى حل نهائي للنزاع. 

 

الأسباب الثلاثة التي ستحول دون نجاح المقترح الأممي

 

غير أن قراءة متأنية للمقترح الذي يتم الترويج له، إذا ما صح هذا الخبر، توحي بأن الأمين العام ومبعوثه لن يتمكنا من تحقيق أي تقدم في الشهور الخمسة الأخيرة المتبقية من ولاية بان كي مون. فإذا كان الأمين العام ينوي وضع مقترح الكومنويلث أو الفدرالية على الطاولة، فإن هذه المحاولة التي تأتي في "الوقت الضائع" لن تحظى بالنجاح، وذلك لأسباب عدة:

 

أولا: على الرغم من استعادة قنوات الحوار بين المغرب والأمانة العامة للأمم المتحدة، إلا أن الثقة بين الطرفين تكاد تكون شبه منعدمة، خاصةً وأن المغرب لمّح أكثر من مرة إلى أن هناك جهات داخل الأمانة العامة للأمم المتحدة لها مواقف معادية لمصالحه، وتنظر إلى النزاع حول الصحراء فقط من زاويتها الضيقة دون أخذ الجهود التي قام بها المغرب لإيجاد حل للنزاع ولا حقوقه التاريخية ولا الخصوصية الثقافية والسياسية والاجتماعية للمنطق بعين الاعتبار.

 

ثانيا: مقترح الكومنويلث أو الفدرالية مبني على قناعات بعض الجهات النافذة في الأمانة العامة للأمم المتحدة والمعروفة بقربها من الإدارة الأمريكية ومن الحكومة البريطانية. وتنطلق هذه الشخصيات من تجارب بعض الدول، خاصةً بريطانيا، مع مسألة الفدرالية والكومنويلث، وتريد إسقاط هذه التجربة على النزاع حول الصحراء. وإذا كانت هذه الشخصيات ترى أن هذه المقاربة من شأنها أن تضع حلاً للنزاع، فإن المغرب يرى أنه، من خلال مقترح الحكم الذاتي، فقد قدّم كل التنازلات والضمانات الممكنة من أجل تمكين الصحراويين من التمتع بالحكم الذاتي.

 

ثالثاً: وهذا هو العامل الأساسي الذي لن يساعد الأمين العام ومبعوثه الشخصي على إنجاح مقترحهما، أن المغرب أكد أكثر من مرة، سواء خلال الخطابات التي ألقاها الملك محمد السادس مؤخراً أو من خلال تصريحات المسؤولين المغاربة، أن مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به عام 2007 هو أكثر ما يمكن أن يقدمه من أجل التوصل إلى حل سياسي مقبول من الطرفين.

 

وقد كانت السلطات المغربية على علم بأن هناك توجها داخل الأمانة العامة للأمم المتحدة، يقوده المبعوث الشخصي للأمين العام وبعض المسؤولين الأمميين الذين لديهم التصور نفسه، يدعو إلى إقبار مخطط الحكم الذاتي المغربي والعملية السياسية التي انطلقت بموجب القرار 1754، وطرح توجه جديد مبني على مبدأ الكومنويلث أو الفدرالية. ولعل هذا ما جعل المسؤولين المغاربة يؤكدون، في أكثر من مناسبة، أنهم يرفضون أي تغيير للمسار السياسي الحالي، ويؤكدون أن الخيار الوحيد الذي يمكن من خلاله التوصل إلى حل سياسي هو البناء على مقترح الحكم الذاتي الموسع.

 

كما كان ذلك هو السبب الذي جعل الملك محمد السادس، خلال الخطاب الذي ألقاه بمناسبة القمة الخليجية المغربية الأولى في شهر أبريل الماضي، ينتقد تحيز بعض المسؤولين الأمميين لأطروحة البوليساريو وعملهم على إقبار المسار السياسي الذي انطلق عام 2007، من خلال محاولة فرض مقترحات أخرى لا تأخذ بعين الاعتبار الحقوق التاريخية للمغرب على المنطقة ولا سيادته الفعلية عليها ولا الاستثمارات الضخمة التي ضخها في المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية من أجل بناء مدن من العدم. وبالتالي، سيكون من الصعوبة بما كان تصور أن يقبل المغرب بمقترح آخر من شأنه أن يقلل من سيادته على الصحراء.

 

مخطط الحكم الذاتي المغربي: الفرصة الضائعة للأمم المتحدة

 

بغض النظر عن فرص نجاح الاقتراح البديل الذي قد يطرحه المبعوث الأممي، يتعين على المرء ألاّ ينسى أنه ليس هناك أي مبرر لتقديم اقتراح مبني على مبدأ الفدرالية أو الكومنويلث، طالما أن مقترح الحكم الذاتي المغربي يوفر الصيغة المثلى لتمكين الصحراويين من التمتع بحكم ذاتي موسع.

 

إن قراءة عميقة لمقترح الحكم الذاتي المغربي توضح بشكل جلي أن المغرب قدم كل الضمانات التي من شأنها أن تمكن الصحراويين من تسيير شؤونهم في استقلالية شبه تامة عن الحكومة المركزية مع بقائهم تحت السيادة المغربية. فباستثناء الراية والنشيد الوطني والعملة والجيش والسياسة الخارجية وإمارة المؤمنين، فإن مقترح الحكم الذاتي يمنح للصحراويين كل الصلاحيات للتمتع بحكم ذاتي يضمن لهم تشكيل برلمان وحكومة جهويين يتمتعان بسلطات موسعة لتسيير الأمور اليومية لحياة سكان هذا الإقليم، بل أكثر من ذلك، فحينما طرح المغرب مقترح الحكم الذاتي، لم يقل إنه غير قابل للتفاوض، بل ترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية إدخال تعديلات عليه.

 

ومن تم، فيبغي على المغرب الاستمرار في عدم قبول التفاوض حول هذه الإمكانية. إن التفاوض حول إمكانية قبول مقترح الكومنويلث أو الفدرالية، سيعني تخلي المغرب تدريجياً عن سيادته عن الإقليم وفتح الطريق أمام مطالب أكبر في المستقبل المتوسط والبعيد ستفضي، في نهاية المطاف، إلى انفصال الصحراء عن المغرب.

 

فعلى السلطات العليا المغربية إحباط كل المحاولات التي تحاول إسقاط تجربة كردستان العراق على قضية الصحراء المغربية. فمنذ أن تحولت هذه المنطقة إلى إقليم يتمتع بحكم ذاتي موسع بعد التدخل البريطاني والأمريكي قبل أكثر من عشرين سنة، بدأ هذا الإقليم ينفصل تدريجياً عن الحكومة المركزية وينافسها في العديد من الصلاحيات التي تتمع بها. فحينما قبلت العراق تمتيع هذا الإقليم بالحكم الذاتي، وقعت شيكاً على بياض مهدت من خلاله الطريق لاستقلال هذا الإقليم عن العراق، وهو السيناريو الذي يجب على المغرب تفاديه.

 

استحالة تحقيق أي تقدم قبل نهاية ولاية الأمين العام

 

بناءً على ما سبق، فمن المستبعد أن تساعد الزيارة التي سيقوم بها المبعوث الشخصي للأمين العام على تحقيق أي تقدم في مسار العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة. ففي ظل سجل الأمين العام ومبعوثه الشخصي خلال السنوات السبع الأخيرة، وعدم اكتراثهم بالمقترح المغربي، وتعاطفهم مع أطروحة البوليساريو، فإن هذه الزيارة لن تعدو أن تكون زيارة شكلية تنضاف إلى المئات من الزيارات التي يقوم بها المسؤولون الأمميون إلى العديد من مناطق العالم دون أي جدوى.

 

إن المشكل الذي تعاني منه الأمم المتحدة هو عدم وجود قيادة فعلية لها دراية عميقة بالمواضيع المطروحة على أجندتها، ورؤية واضحة حول الطريقة التي يجب من خلالها التعامل مع كل قضية على حدة وبناءً على خصوصياتها.

 

فقد توفر الأمين العام ومبعوثه الشخصي على تسع سنوات لوضع مقترحات جدية وقابلة للحياة، غير أنهما لم يقدما أي شيء يذكر. ولا أظن أن الأشهر الخمسة المتبقية من ولاية بان كي مون ستكون كافية لتحقيق ما عجز عن تحقيقه خلال ولايتين على أرس الأمم المتحدة، خاصةً في ظل تواجد قناعة راسخة لدى المغرب بأن بان كي مون وكريستوفر روس أبانا على أنهما لا تتوفر فيهما الشروط الموضوعية للوسطاء وأنهما غير قادرين على لعب هذا الدور بالحيادية والنزاهة المطلوبتين.

 

فأكثر ما يمكن لروس أن يقوم به خلال الأشهر الخمسة المتبقية لولاية الأمين العام هو القيام بالزيارات المعتادة التي يقوم بها، وتقديم إحاطة لمجلس الأمن في شهر أكتوبر حول فحوى اللقاءات التي سيجريها مع الدول المعنية بالملف. ومن تم فعلى المغرب والمجتمع الدولي انتظار انتخاب الأمين العام الجديد على أمل أن تكون له الجرأة السياسية والحنكة الدبلوماسية والإرادة الجامحة لمساعدة أطراف النزاع على التوصل إلى حل سياسي مقبول وقابل للحياة.

سمير بنيس

مستشار دبلوماسي ورئيس تحرير Morocco World News

20/08/2016