Sissi Maroc

تفاجأ المغاربة بالأخبار القادمة من مصر نهاية الأسبوع الماضي بخصوص استقبال مصر لوفد البوليساريو والسماح له بالمشاركة في المؤتمر البرلماني العربي الأفريقي، الذي عقد بمناسبة الذكرى ال150 لمجلس الشعب المصري.

 

وبينما لم تصدر الرباط إلى حد الآن أي بيان بشأن التحرك المستفز للقاهرة، ولكن أثار الخبر استنكار المغاربة، الذين دعوا حكومتهم لمطالبة مصر بتوضيح في هذا الشأن. وفي غضون ذلك، وصف موقع جريدة الشروق الجزائرية هذا الحدث بأنه “صفعة في وجه المغرب.”

 

وقد نفى أسامة هيكل، رئيس قسم الإعلام والثقافةولجنة الآثار في البرلمان المصري، أن بلاده قد قدمت دعوة إلى وفد ما يسمى بالجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية للمشاركة في المؤتمر. وزاد المتحدث أن بلاده تستضيف الحدث فقط وليست لديها سلطة اتخاذ القرار بخصوص من يجب استدعاءه للمشاركة.

 

إلا أن هذا التصريح الفضفاض، الذي لا يصمد أمام التحليل الموضوعي قد فشل في إقناع المغاربة بأن مصر لازالت موالية للموقف الداعم لوجهة النظر المغربية بخصوص الصحراء.

 

والحالة هذه أن مصر باعتبارها بلد مضيف لديها كامل السلطة في اتخاذ القرار بخصوص من يمكنه الدخول إلى أراضيها ومن لا يمكنه ذلك. ففي هذه الحالة، وبما أن مصر تدرك موقف المغرب وموقف البرلمان الأفريقي من قضية الصحراء، كان بإمكانها أن تطلب استبعاد مشاركة وفد البوليساريو في هذا التجمع أو حرمانه من الحصول على تأشيرة الدخول للأراضي المصرية.

 

ويعني سماح مصر لوفد البوليساريو بالمشاركة في هذا الاجتماع وعرض راية ما يسمى بالجمهورية الصحراوية أن مصر ترسل إشارات غامضة فيما يتعلق بتوجهات سياستها الخارجية، وأنها أيضا تستخدم هذا الحدث للعب على وتر الصراع والتنافس بين المغرب والجزائر.

 

تدبذب المواقف المصرية تجاه المغرب

 

كما يوحي التحرك المصري بوجود تناقض صارخ مع الموقف الداعم للمغرب الذي اعتمدته مصر خلال التوتر غير المسبوق بين الرباط والأمانة العامة للأمم المتحدة في شهر مارس الماضي، بعد بيان بان كي مون الذي وصف فيه وجود المغرب في الصحراء المغربية “بالاحتلال”.

 

فخلال تلك الأزمة والمفاوضات التي سبقت اعتماد قرار مجلس الأمن 2285 لتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (مينورسو)،  لعبت مصر، إلى جانب كل من إسبانيا والسنغال وفرنسا، دورا إيجابيا في منع مجلس الأمن من الانحياز لصالح بان كي مون.

 

كما أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري نفس الموقف المؤيد للمغرب خلال لقائه مع وفد من الإعلاميين المغاربة في مصر في شهر ماي الماضي.

 

ومع ذلك، فإن الموقف الذي اعتمدته مصر خلال القمة ال27 للاتحاد الأفريقي يدل على أن دعمها للمغرب ليس ثابتا كما تدعي. فبعد الرسالة القوية التي بعث بها الملك محمد السادس إلى قمة الاتحاد الافريقي التي عقدت في كيغالي في يوليوز الماضي، قدمت 28 دولة طلبا لأمانة الاتحاد الافريقي تدعو فيه إلى تعليق عضوية البوليساريو كخطوة أولى لتمكين عودة المغرب إلى المنظمة.

 

وعلى الرغم من أن مصر كانت قد جددت دعمها للمغرب قبل أشهر قليلة من ذلك، إلا أنها نأت بنفسها بعيدا عن التوقيع على تلك الوثيقة. وقد علقت وسائل الإعلام المغربية كثيرا على امتناع مصر عن التوقيع، بينما عبر الكثير من الملاحظون عن عدم فهمهم للموقف المصري بخصوص قضية الصحراء المغربية.

 

وتذكرنا خطوة مصر الأخيرة بإيماءاتها وتلميحاتها سنة 2014. فبالرغم من أن المغرب اتخذ موقفا محايدا بخصوص حيثيات مجيء السيسي إلى السلطة وأصدر بيانا يعترف فيه بالسيسي كرئيس لمصر، فالإعلام المصري لم يرحم المغرب وشن عليه هجوما غير مسبوق.

 

ووصفت وسائل إعلامية مقربة من السيسي المغرب بكونه “محور الشعوذة، والدعارة ومرتع مرض فقدان المناعة المكتسبة، السيدا.” وما زاد الطين بلة هو تصريح الأزهر بأن يوم عيد الفطر الموافق لعام 2014 في المغرب كان مخالفا للحسابات الشرعية، وبالتالي، كان باطلا. وبينما كان المصريون منهمكون في هجماتهم الإعلامية ضد المغرب، قام وفد مصري بزيارة مخيمات تندوف في يونيو 2014.

 

ولتخفيف حدة التوتر هذه  التي تسببت  فيها هذه السلسلة من الاستفزازات، بعث الرئيس عبد الفتاح السيسي رسالة إلى الملك محمد السادس في يناير عام 2015 وأوفد وزير خارجيته، سامح شكري، إلى الرباط. وخلال اللقاء، أكد وزير الخارجية المصري على دعم بلاده للوحدة الترابية للمغرب.

 

غير أنه يبدو أن ذلك التصريح الداعم لوحدة المغرب لم يكن صادقا ولا متجذرا في عقيدة  السياسة الخارجية المصرية تجاه المغرب. فوجود وفد البوليساريو على الأراضي المصرية يشير إلى أن دعم القاهرة للمغرب ينبني على العديد من العوامل التي لها علاقة مع سياسة المغرب المحلية وموقعه على الساحة الإقليمية والعالمية.

 

استعمال ورقة الصحراء للتقرب من الجزائر

 

فهناك عدد من العوامل التي يمكن أن تساعد على تفسير موقف مصر المتذبذب فيما يخص الوحدة الترابية للمغرب. العامل الأول هو تدهور العلاقات بين مصر ودول الخليج العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية، والذين أعربوا مؤخرا عن دعمهم القوي لموقف المغرب بشأن الصحراء في قمة دول مجلس التعاون الخليجي والمغرب التي عقدت في الرياض في أبريل الماضي. وكانت المملكة العربية السعودية هي الداعم الرئيسي للسيسي عندما أطاح بالرئيس السابق محمد مرسي. وبعد فترة وجيزة من تسلمه السلطة، تمتع السيسي بالدعم المالي والسياسي الكبير لدول الخليج.

 

إلا أن المواقف التي تبنتها مصر في الأسابيع الأخيرة تجاه السعودية أدت إلى غضب السعوديين. وأصبحت العلاقات بين البلدين أكثر تدهورا خصوصا بعدما أرسلت مصر وفدا للمشاركة في مهرجان نظم في الشيشان تحت رعاية روسيا في شتنبر الماضي. الحدث المذكور تناول قضية السلفية والإرهاب، حيث قال إمام الأزهر الشيخ أحمد الطيب وهو يتحدث خلال المؤتمر بأن السلفية أو الوهابية- المذهب المعتمد في المملكة العربية السعودية- ليست جزءا من تيار الإسلام السني.

 

وأعقب هذه الخطوة تصويت مصر لصالح مشروع قرار بشأن سوريا الذي قدمته روسيا إلى مجلس الأمن. وأغضب التصويت المصري لصالح مشروع القرار الروسي السعوديين كثيرا، حيث كان رد فعل الرياض فوريا من خلال الإعلان عن وقف إمدادا القاهرة بالنفط السعودي.

 

وفي ظل هذا السياق، يمكن تفسير ترحيب مصر بوفد البوليساريو باعتباره استفزازا للمغرب ولحليفته السعودية على حد سواء، فضلا عن كونه تحركا محسوبا لإرضاء الجزائريين. فبعد أن علقت الرياض إمداداتها من النفط الى القاهرة، وجدت مصر نفسها في حاجة ماسة إلى بديل وفي أقرب وقت ممكن. وبما أن المصريون يعرفون التنافس والصراع القائم بين المغرب والجزائر، فإنهم لم يجدوا أفضل من لعب بطاقة الترحيب بوفد البوليساريو  للاقتراب من الجزائر ونفطها.

 

أما العامل الثاني الذي دفع مصر لاستقبال هذا الوفد فهو وجود حزب إسلامي على رأس الحكومة المغربية. فالسيسي جاء إلى السلطة بعد أن أطاح برئيس من جماعة الإخوان المسلمين، والذي انتُخب ديمقراطيا. وهذا ما يفسر حساسيته المفرطة  جدا تجاه الإسلاميين، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية المغربي الذي تعتبره وسائل إعلام السيسي كامتداد لجماعة الإخوان المسلمين.

 

كما أن انتخاب حزب إسلامي في المغرب لولاية ثانية على التوالي تأتي بمثابة صدمة لنظام السيسي ولآلته الإعلامية التي شنت هجمات إعلامية ممنهجة تهدف إلى التشكيك في وطنية الإسلاميين وفي قدرتهم على الحكم سواء في مصر أو الأقطار الإسلامية الأخرى. وبالتالي، فإن القاهرة من خلال احتضان وفد البوليساريو تعبر عن استيائها من المغرب لسماحه بأن يكون الحزب الإسلامي على رأس السلطة لمدة خمس سنوات أخرى. ولربما كان السيسي في قرارة نفسه يمني النفس بأن يتدخل الملك محمد السادس في الانتخابات ويمنع الإسلاميين من التواجد في الحكومة مرة أخرى. إلا أن النتيجة جاءت مغايرة لتطلعاته، حيث برهن المغرب اختار طريقا مختلفا وسلك طريق بناء الديمقراطية.

 

إن التقلبات التي اتسمت بها العلاقة بين المغرب ومصر منذ يوليوز 2013 والمواقف المتغيرة للسيسي تجاه حلفاء القاهرة التقليديين تثبت أن الحكومة المصرية الحالية بقيادة السيسي لا يمكن الاعتماد عليها في المستقبل لتقديم دعم ثابت للمغرب بخصوص قضية وحدته الترابية. فتنكر السيسي  للبلدان التي أغدقت عليه ملايير الدولارات لانتشاله من أزماته يثبت أن نظامه لا يمكن الوثوق به واعتباره حليفا استراتيجيا للمغرب.

 

بناءً على ذلك، يجب على الرباط أن تبحث عن بدائل أخرى لتأمين موقفها فيما يتعلق بالصحراء وتعويض انزياح الموقف المصري. ولعل الزيارة التي بدأها الملك محمد السادس هذا الأسبوع إلى كل من رواندا إثيوبيا وتانزانيا تذهب في الاتجاه الصحيح لكونها تسمح للمغرب بكسب الدعم الذي سيحتاجه لمواجهة الجزائر وحليفها الجديد.

 

 د. سمير بنيس /ترجمة: يوسف القيدي

 

24/10/2016