مؤتمر المانحين لمحتجزي مخيمات تندوف .. الخطايا الثلاث لـ"كي مون"

بعد مرور أقل من شهرين على القرار الأخير لمجلس الأمن حول نزاع الصحراء، سارع الأمين العام للأمم المتحدة إلى التأكيد على ضرورة تفعيل التوصية المتعلقة بعقد مؤتمر للمانحين لفائدة ساكنة مخيمات تندوف خلال شهر يوليوز الجاري. ورغم أن القرار الأممي قد تضمن توصيات كثيرة بما فيها تلك التوصيات التي تهم الساكنة نفسها، إلا أن غرضا في نفس السيد بان كي مون، أعطى لهذه التوصية بعدا استعجاليا على بعد أشهر قليلة من مغادرته الأمانة العامة للمنظمة الأممية.

قرار تنظيم المؤتمر يعكس في ظاهره وجها لمزاجية الأمين العام للأمم المتحدة بعد زيارته الأخيرة إلى المخيمات وتأثره بالأوضاع الكارثية التي تعيشها ساكنة تندوف. لكن عمق القرار، يعكس توجها جديدا للسيد بان كي مون عبّر عنه ملك المغرب بكل وضوح خلال القمة المغربية الخليجية الأخيرة، ويتعلق بمعاكسة المغرب في قضية وحدته الترابية.

وحتى إذا سلمنا بواقعية الطرح الأول، فكيف انتظر السيد بان كي مون سنوات طويلة من ولايته حتى تتحرك أحاسيسه ويتأثر بالأوضاع التي يعيشها محتجزو تندوف؟ الأدهى من ذلك، هل كان ضروريا أن يتحرك الأمين العام للأمم المتحدة بنفسه إلى عين المكان ليقرر ما إذا كان هناك أناس يعيشون وضعا كارثيا يحتاج تدخلا سريعا؟ أين إمكانيات الأمم المتحدة وآلياتها لتقصي الأوضاع وتقييمها لنزاع تشرف عليه بشكل مباشر؟ لماذا اختار الرجل الجزائر للتعبير عن مشاعره في الوقت التي ثبت تورطها عبر تقارير دولية في عرقلة إحصاء المحتجزين واختلاس المساعدات المقدمة لهم؟ رغم كل هذه المفارقات التي طبعت السياق العام للإعلان عن المؤتمر، فالحقيقية تتجاوز بكثير المشاعر الجياشة للمسؤول الأممي.

الواقع أن السيد بان كي مون لم يكن يتوقع الرد الصارم من المغرب عقب التجاوزات الدبلوماسية التي قام بها بعد زيارته إلى كل من تندوف والجزائر، خاصة ما تلا ذلك من تصريحات غير مسبوقة من طرف مؤسسة الأمانة العامة للأمم المتحدة في تاريخ النزاع. وبقدر ما شكلت ردود المغرب، الرسمية منها والشعبية، صدمة للرجل، بقدر ما جعلته يتخذ، هو ومن يقف خلفه وأمامه، مواقف تصعيدية جسدتها التصريحات والتصريحات المضادة، والتي عبّرت ضمنيا عن اتخاذ حزمة إجراءات عقابية ضد المغرب، شكل الإعلان عن تنظيم المؤتمر حلقة منها.

وإذا ما اعتبرنا تفعيل التوصية المتعلقة بإعادة المكون المدني للمينورسو إلى الصحراء طبيعيا على الأقل بحكم الأجل الذي حدده مجلس الأمن، فإن الإشكال يطرح بصدد تهافت الأمين العام لعقد مؤتمر للمانحين في ظل وجود بؤر ساخنة هي في أمس الحاجة إلى ذلك، وفي ظل مناشدة دول تحتضن ملايين اللاجئين على أرضها لعقد مثل هذه المؤتمرات. وإذا كان السيد بان كي مون يعتقد بأنه بصدد معاكسة المغرب في قضية وحدته الترابية وتصعيد الخلاف معه، فإنه، وبالنظر إلى الخطايا الثلاث التي سنقوم بتفصيلها، يضع مصداقية المنظمة الأممية في المحك، ويعيد النزاع المفتعل حول الصحراء إلى نقطة الصفر.

لعل أول التحديات التي سيواجهها السيد بان كي مون خلال وبعد تنظيم مؤتمر المانحين هو سؤال المانحين أنفسهم عن عدد الأشخاص والأفراد المزمع مساعدتهم. سؤال منطقي سيعجز بكل تأكيد المسؤول الأممي عن تقديم عناصر الجواب عنه في ظل غياب إحصاء رسمي ومصادق عليه من طرف مؤسسات الأمم المتحدة. التحدي الأخلاقي والقانوني الذي سيعيشه المسؤول الأممي في السياق نفسه، يتعلق بتغاضيه عن القيام بعملية الإحصاء رغم أن مجلس الأمن قد دعاه في القرار رقم 2285، للمرة الخامسة على التوالي، إلى إحصاء ساكنة مخيمات تندوف، ورغم مناشدة المغرب الدائمة ومطالبته المنتظم الدولي بضرورة إحصاء المحتجزين المغاربة بالمخيمات تفعيلا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. فكيف ستساهم الدول، خاصة تلك المتقدمة منها والديمقراطية، من أموال دافعي الضرائب لفائدة ساكنة لا يعرف بشكل دقيق أعدادهم ولا حاجياتهم، وربما شكل هذا المعطى الخطية الأولى للسيد بان كي مون.

ثاني التحديات التي سيواجهها السيد بان كي مون أثناء انعقاد المؤتمر يتعلق بصدور تقارير رسمية ودولية تفيد بوجود عملية اختلاسات ممنهجة تقوم بها البوليساريو للمساعدات الإنسانية الموجهة إلى الساكنة المحتجزة في مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري. وربما تناهى إلى مسامع الأمين العام النقاش الساخن الذي تم مؤخرا داخل البرلمان الأوروبي في هذا الموضوع، وذلك بناء على تقارير صادرة عن المكتب الأوروبي لمكافحة الغش الذي أكد وجود اختلاسات ممنهجة ومنتظمة يقوم بها قادة جبهة البوليساريو بدعم لوجيستي وتنظيمي من قبل الجزائر، وليس مجرد عمليات تهريب عرضية كما يروج لها البعض. وعوض أن يبادر السيد بان كي مون إلى القيام بتحقيق دولي في شأن هذه الاختلاسات، سيعمل على تكريس واقع الفساد والجريمة المنظمة من خلال تنظيم المؤتمر دون البحث عن آليات قانونية وزجرية لحلحلة الوضع. وهنا ستتجلى الخطية الثانية عندما سيضع السيد الأمين العام من خلال هذا المعطى مصداقية الأمم المتحدة أمام المحك.

التحدي الثالث الذي سيواجهه السيد بان كي مون يتعلق بمآلات المساعدات المتحصل عليها بعد عقد المؤتمر. فإذا كان البرلمان الأوروبي نفسه قد دعا مؤخرا المفوضية الأوروبية إلى القيام بعملية تقييم دقيقة لعدد المستفيدين من المساعدات الإنسانية، والتأكد من أن ساكنة مخيمات تندوف هي المستفيد الحقيقي من هذه المساعدات، فما هي الضمانات القانونية التي سيقدمها السيد بان كي مون للمانحين حتى لا يكون مآل المساعدات التي سيقدمها المؤتمر هو نفسه مآل المساعدات التي قدمها الإتحاد الأوروبي. وهنا تكمن الخطية الثالثة للسيد بان كي مون. وربما سيدرك المنتظم الدولي مستقبلا،أن المساعدات التي سيقدمها ستصرفها البوليساريو في أحسن الأحوال، بعد عملية الاختلاسات الروتينية، لإعادة تكثيف تحريضها على المغرب وذلك بعد تراجع الدعم الجزائري والدولي بسبب الأزمات المتعاقبة. وما تبقى من المساعدات، سيمنح، بعد تطبيل إعلامي، لساكنة تندوف لذر الرماد في العيون.

ومع احتمال ما يمكن أن تشكله هذه الثغرات من مفاجآت خلال وبعد انعقاد المؤتمر، ربما ستضطر الجزائر إلى أن تنزل بكل ثقلها للتحكم في إيصال المساعدات خوفا من انكشاف حقيقة الأوضاع داخل المخيمات، خاصة في ما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان وحرية التعبير، وكذا في ما يخص وضع تصور عام حول الأعداد الحقيقية لساكنة تندوف. ومن جهة أخرى، ستضغط الجزائر في اتجاه أن تشرف القيادات الموالية لها، رغم تورطها في ملف اختلاس المساعدات الأوروبية، من جديد، على ما تم تحصيله من مؤتمر المانحين، وذلك للحفاظ على ولائها، خاصة مع قرب ما يسمى بالمؤتمر الاستثنائي لاختيار قيادة جديدة للجبهة.

في ظل هذه السيناريوهات القابلة للتحقق، وموازاة مع تأكيد الدبلوماسية المغربية مشاركتها في المؤتمر، أصبح لزاما على المغرب، في ظل مقاربته الجديدة لأزمة الصحراء، أن ينزل بكل ثقله الدبلوماسي وغير الدبلوماسي لإحراج الجزائر أمام المنتظم الدولي، والتنسيق مع حلفائه التقليديين من أجل فضح كل الملابسات القانونية والواقعية لعقد هكذا مؤتمر. ولربما شكل مؤتمر المانحين فرصة لإحراج الجزائر، مرة أخرى، في مسالة إحصاء ساكنة تندوف ومعرفة تركيبتها الحقيقية، كما أن الدبلوماسية المغربية مطالبة بأن تحرص، في هذا الصدد، على أن يخرج المؤتمر بمخطط صارم لمعرفة وتتبع المسلك الذي ستسلكه المساعدات الإنسانية المتحصل عليها في اتجاه تندوف، والتي يتم التلاعب بها عادة من طرف عناصر جبهة البوليساريو.

أما النخب السياسية في المغرب والغارقة حتى النخاع في أحلام الوصول إلى فراش السلطة، وبعدما راكمت فشلا ذريعا في تعاطيها مع ملف الصحراء، فعليها أن تعي أن مؤتمر المانحين يتجاوز بكثير رهانات المساعدات الإنسانية أو حتى تجاوز ما خلفته الفيضانات الأخيرة بتندوف، بل هو يمثل حلقة من مخطط مدروس يرمي إلى إحكام الضغط على المغرب ومحاولة حل مشكل الصحراء وفق المنظور الذي تم إملاؤه على السيد بان كي مون، وذلك بعد فشله في جعل سنة 2015 سنة الحسم كما صرح سابقا. وبالتالي، فإن هذه النخب مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تؤدي دورها المنوط بها في مجال الدبلوماسية الموازية، وذلك عبر التنسيق مع برلمانات الدول المعنية، والكشف عن الأهداف الخفية والحقيقية وراء تنظيم هذا المؤتمر.

ولعل المعطيات المحيطة بالموضوع تجعلنا نعتقد بأنه بقدر ما يحمل هذا المؤتمر عوامل فشله وخلخلته من الداخل، بقدر ما سيكون مزعجا للمغرب في قادم الأيام، وبالتالي فالرهان سيكون كبيرا حول كيفية تدبير المغرب لما قبل، وأثناء، وبعد مؤتمر المانحين لمحتجزي تندوف، فكل محطة من هذه المحطات ستكون حاسمة لنجاح المؤتمر أو فشله.

الكشرادي رشيد