كان يقول مؤرخ ذائع الصيت أن الأمة لا تتشكل خارج الزمن، بل هي شجرة متجذرة في الماضي وذات زهر وثمر يرفرف في الأعالي. 

      أمامنا استعارة تفيد أن انعدام الجذور التاريخية ينتج عنه عقد الدونية في بعض "الدول" كما هو حال الجزائر، التي يصفها مجموعة من المؤرخين الذين سبروا أغوار التاريخ أنها من اختراع الجنرال الفرنسي ذوغول.

      في المقابل، نجد أن المغرب دولةـ أمة عريقة. وكمرجع لإثبات ما نقول، تكفينا الإشارة إلى أنه حين نُصِّب هوغو كابيتو ملكا على  فرنسا سنة 789، كانت المملكة المغربية موجودة منذ ما ينيف عن قرنين من الزمن. لكن هذا البلد الذي يحظى بموقع استراتيجي تعرضت أراضيه للعديد من الاقتطاعات شمالا وجنوبا خلال وجود الاستعمار على ترابه، وكانت فرنسا تتحمل القدر الكبير من المسؤولية في ذلك، بحيث بترت جزءا كبيرا من ترابه من الجهة الشرقية غداة ابتكرت بلدا سمته الجزائر، دافعة التخوم المغربية نحو الغرب. وجنوب المغرب هو الآخر لم يسلم من هذه الاقتطاعات التي قامت بها إسبانيا، مخرجة للوجود كيانا يصطلح عليه الكثيرون اليوم "الصحراء الغربية". في الحقيقة، هذه التسمية التي وضعتها إسبانيا، هشَّمَتْ المحور الذي كان يعد رابطا بين قلب المغرب وواد السنغال وقصبة نهر النيجر.

      لقد قُطِعَ دابر العديد من السلالات الملكية المغربية من قِبَلِ الاحتلال الإسباني، الذي أنشأ بمعية فرنسا حدودًا اصطناعية. كان هناك مسيس الحاجة للدخول في نقاش حاد مع الجزائر من قبل المغرب، إذ استولت هذه الأخيرة على جزء كبير من شرق المغرب الذي يمتد إلى منطقة بشار التي كانت تابعة للمغرب وشأنها في ذلك شأن منطقة تندوف. 

     تمكن المغرب من استعادة منطقة "الصحراء الغربية" التي كانت دائما خاضعة لحكمه، والتي كانت اسبانيا، التائهة حينئذ، تسعى  "لتحريرها" لتضمن استمرارية سيطرتها في إفريقيا، التي كانت نفوس القوميين والجيش الإسباني متعلقة بها منذ الأزل. وقتئذ لجأ الملك الحسن الثاني لمحكمة العدل الدولية، ردا على مقصد إسبانيا في خلق كيان وهمي على "صحراء غربية"، لصنع "دولة" مصطنعة في جنوب المغرب تدعى الجزائر، المصنوعة من قبل فرنسا. لكن، كي يستمر وجود هذه "الدولة"، كان لزاما عليها الاعتماد على دعم مدريد، ما سيجعلها مهيضة الجناح ومتزعزعة وخانعة خنوعا لإسبانيا. أما خيار التدخل فاتخذته الجزائر التي تعاني منذ القدم من عقدة الدونية إزاء المغرب، جراء عدم توافرها على جذور تاريخية تثبت بها وجودها الذاتي كدولةـ أمة، لأن فرنسا حين وصلت إلى شمال إفريقيا، كانت الجزائر مستعمرة تحت حكم العثمانيين، وعليه، لم يكن لدولة الجزائر وجود حينئذ رغم وجود مملكة تلمسان وكيانات أخرى...

يتبع... 

محمد أرسلان

مترجم

مقال مترجم عن اللغة الإسبانية لصاحبه لويس أغويرو واغنر

09/05/2016