ما حدث مع السويد مؤخرا فيما يتعلق بالاستعداد للانتقال إلى الاعتراف بالجمهورية الوهمية، الذي تجري محاولات حثيثة من الدبلوماسية المغربية الرسمية و الشعبية لثني هذا البلد على التراجع عن مثل هذه الخطوة، و إذا كان هناك ما يمكن أن يستخلص من رد الفعل المغربي، هو أنه رد فعل متأخر و غير استباقي، بل متأخر بأكثر من ثلاث سنوات على اعتبار أن هكذا موقف لم يكن وليد اليوم بل كان يتم التمهيد له منذ سنة 2012 داخل التحالف الحكومي الذي يقود الحكومة السويدية، خاصة من طرف الاشتراكيين الذين يحددون مواقفهم من القضايا الدولية انطلاقا و انسجاما مع التوجه السائد داخل المجتمع المدني في هذا البلد و في العديد من البلدان التي تكون شعوبها و منظماتها المدنية محدد رئيسي في اختيارات الأحزاب السياسية و في صانع القرار الرسمي بهذه البلدان، و هو ما حدث مع الحزب الاشتراكي السويدي، و إذا كان لأي موقف اتجاه الاعتراف بجمهورية الوهم، و إن كان يعرف نوع من التراجع داخل الحكومة السويدية، قد يكون السبب في انتقاله و في تشجيع بلدان أخرى على تبنيه كذلك كالدنمارك، النمسا، و البرازيل...نظرا لقوة العلاقة التي تربط هذه البلدان بالسويد، فإن ما يحدث من تحول في باقي البلدان الأوروبية يجعل من ضرورة العمل على تقييم شامل للدبلوماسية المغربية منذ انطلاق هذا النزاع المفتعل إلى الآن مهمة مستعجلة بسبب تطور الأحداث و تسارعها بهذه البلدان، أي تقييم لدبلوماسية المغرب في هذا الموضوع طيلة 40 سنة، و إذا كان مسألة تقييم الدبلوماسية المغربية منذ بداية النزاع المفتعل يحتاج لتفصيل أكثر و لمقال مستقل، فإن ما يحدث اليوم داخل البلدان الاروبية من تحولات سياسية جذرية يجب أن يجعلنا نقلق، و أن نأخذها بجدية أكبر و ألا نستسلم للوضع الحالي، و لا نعتقد أنه بعد القرارات الأممية الأخيرة قد انتصر المغرب و انتهت الحكاية، بل على العكس من ذلك المغرب دخل في مرحلة أكثر حساسية، و هو صعود تيارات و أصوات جديدة تحتفظ بموقف تقليدي ذي بعد عاطفي من النزاع المفتعل أكثر مما هو مسنود برؤية صلبة للنزاع و لحله، يتعارض و التوجه الجديد للأمم المتحدة، هذه الأخيرة و مواقفها تظل رهينة بالتغيرات السياسية التي تحدث في هذه البلدان، لأنها في نهاية المطاف تترجم و تتبنى مواف مناديب الدول سواء في مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة.

مناسبة هذا التقديم، هو اقتناع الجميع بكون الدبلوماسية الرسمية هي دبلوماسية غير استباقية، و عاجزة عن المبادرة، التي لولا تدخل الملك الشخصي و انخراطه بكل ثقله الرمزي و المؤسساتي في عدة مناسبات لعرض الملف منارات خطيرة، آخرها السنة الماضية'سنة 2014/2015’ لدى امريكا، و لدى الأمين العام للأمم المتحدة لكان الملف عرف منعرجا و سياقا آخر غير الذي نعرفه اليوم على الأقل داخل أروقة الأمم المتحدة و الجميع يتذكر كنموذج على ما ذكر مكالمة الملك لبان كيمون لتنبيهه و دق ناقوس الخطر داخل أروقة الأمم المتحدة، و هي المكالمة التي كان لها تأثير كبير و أحدثت تحولا جذريا في رؤية الامم المتحدة للنزاع، و جعلته في نهاية المطاف يستمع لصوت الحكمة، و للصوت الذي جسده المقترح المغربي منذ سنة 2007 إلى الآن.

ما يحدث في الجارة الاسبانية من صعود قوى يسارية و تيارات جديدة مجسدة في الأساس بظهور قوة سياسية ممثلة في ”بوديموس” الذي يتجه بشكل تصاعدي نحو الوصول لحكم هذا البلد و هو ” الحزب” الذي يعرف نظرا لطبيعة تأسيسه المشكلة من عدة تيارات يسارية، و اجتماعية مختلفة جعلت منه تتداخله عدة مواقف و آراء متباينة و متناقضة تتوزع بين من هو متبني بشكل كلي لطرح البوليساريو، و من يعتبر الملف من بقايا مرحلة فرانكو لا علاقة لإسبانيا الجديدة به، و بين من يتبنى خيار دعم مجهودات الامم المتحدة في حل النزاع، هذا التنازع و التناقض في الموقف من النزاع هو ما جعل مستشارة زعيمه بابلو اغليسياس، المغربية الأصل"طنجة” دنيا بوسلهام تخرج للعلن للتأكيد على أنهم أي الحزؤ” لم يبلوروا بعد موقفا نهائيا و صريحا من الملف و لم يحددوا بعد خط السياسة الخارجية، في ندوة نظمت بأبريل الماضي، لكن و بالرجوع لموقفهم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت بإقليم كتالونيا سنجدهم قد تبنوا خيار ” تنظيم تقرير المصير/الاستفتاء” في موضوع استقلال كتالونيا من عدمه عن إسبانيا التي كانت محور الحملة الانتخابية، قد يؤدي بهم ذلك الى إسقاط هذا الموقف على النزاع المفتعل حول الصحراء و يتبنون خيار الاستفتاء ليظلوا منسجمين مع موقفهم السابق، و هو ما سيؤدي مباشرة إلى تقوية الموقف المعادي للمغرب، خاصة أمام ضعف تواصل الدبلوماسية المغربية الغير الرسمية مع هذا الحزب الذي عليها إحداث اختراق له خاصة لأصواته المتبنية لخيار تبني مواقف الامم المتحدة مما قد يدفعها للتموقع في نوع من الحياد.

حدث آخر في بريطانيا هذه المرة، و هو وصول جيرمي كوربيين لرئاسة حزب العمال البريطاني و قيادته في الانتخابات المقبلة، و في حال وصوله للحكم و احتفاظه بنفس الموقف الذي عبر عنه في مقالة موقعة باسمه صادرة بتاريخ 19 فبراير 2014 أي حوالي سنة من فوزه الانتخابي، سيتأتي لأي قارئ لها معرفة خطورة الموقف و الرأي الذي تبناه ضد المغرب، في حال استمراره تبني لنفس الموقف قد يؤدي إلى إمكانية إحداث تحول في موقف هذا الحزب الذي له مكانته و حضوره الدولي و الأممي خاصة في حال وصوله للحكم الذي أول ما يمكن أن يقوم به هو ترجمة مواقفه داخل الحكومة، و داخل بريطانيا ليجد المغرب نفسه أمام وضع آخر لا يقل خطورة عن الوضع الحالي في علاقته بالسويد، و بالعودة للمقالة التي جاءت نتيجة زيارة قام بها للأقاليم الصحراوية رفقة بعض المنظمات الدولية بعد لقاءه بمجموعة من ”النشطاء الحقوقيين”،استعرض منذ بدايتها قراءة تاريخية للنزاع متبنية للنظرة التي تقدمها البوليساريو الهادفة إلى تقديم المغرب ”كبلد محتل” و هو ما عبر عنه في مقالته صراحة، وصولا للخلاصتين اللتين خلاصا إليهما الأولى تتعلق بالثورات الطبيعية بما أسماه ”وقف نهب الثروات الطبيعية للمنطقة”، و الثانية دعوة الامم المتحدة صراحة إلى توسيع مهام المينورسو لتشمل حقوق الإنسان، و بالبرجوع لتاريخ الزيارة ” 12 فبراير 2014” سنجده يحيل إلى قرب استصدار مجلس الأمن لقراره بخصوص الصحراء ” نهاية كل أبريل” سيتأكد القارئ لها بأن هذه الزيارة لم تكن في منطلقاتها بريئة بل كانت موجهة بالأساس للوصول للنتيجتين المذكورتين سابقاً، و بالتأكيد فإن الرجل الذي وصل اليوم لقيادة هذا الحزب لم يغير بعد قناعاته، بل وصل إلى زعامته و هو متبني لهذه المواقف الخاطئة، و المنحازة، هذا يفتح قوس و تساءل أساسي هل سننتظر إلى أن يترجم مواقفه المعادية للمغرب إلى داخل الحزب حتى تتحرك الدبلوماسية المغربية، أم نستبق الأمر عن طريق فتح قناة تواصل مباشرة معه للتأثير الايجابي على قناعاته بخصوص النزاع المفتعل و تقديم رؤية أخرى للرؤية الكلاسيكية التي تبناها انطلاقا من مرجعيته اليسارية التقليدية.

مناسبة الحديث عن هذين المثالين، و ربطهما بما حدث مع السويد الذي انتظر المغرب قرب وقوع الكارثة ليتدخل، هو اتجاه الدبلوماسية المغربية إلى تكرار نفس السيناريو خاصة” الحزبية/ المدنية” مع هذين النموذجية السالف ذكرهما، بالتأكيد قد تكون هناك نماذج أخرى لكن التركيز على بريطانيا و اسبانيا هو راجع إلى حجم تأثيرهما دوليا و إقليميا، اللتين تملكين قدرة أكبر على الحركة- اي الدبلوماسية الحزبية/المدنية” و على لعب دور المعبد للدبلوماسية الرسمية اتجاه التيارات الصاعدة اليوم في اروبا، فهل ستظل الدبلوماسية المغربية بنوعيها مرة اخرى تنتظر وصول هذه الأحزاب للحكم و تنقل مواقفها المعادية للمغرب و لحقه التاريخي في المنطقة لتتحرك، أم يجب عليها المبادرة اتجاه هذه القوى الصاعدة المتأثرة بمواقف اليسار .
نوفل البعمري

05/10/2015