مظاهر القانون الدولي في خطاب الملك محمد السادس

أجمعت خلاصات جميع المحللين والخبراء المغاربة، الذين محصوا خطاب ملك المغرب بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة، على قوته وصراحته في اعترافه بما يعتري مسار نماء وتطور إقليم الصحراء من نواقص وأخطاء وما يواجهه تدبير ملف نزاع الصحراء من تحديات وإكراهات داخلية وخارجية، ومحاولة جلالته وصف الدواء والحل، الذي سيجلبه تطبيق مشروع الجهوية والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية. ومع أن مختلف الكتابات تناولت شرح مضامين الخطاب وتفسيرها وتأويلها كل حسب فهمه الخاص أو انسجاما مع موقعه وقناعاته أو خدمة لتوجه معين.

فقد لفت انتباهي وأنا أصغي للخطاب، ما أحيط صياغة معانيه من عناية فائقة وحرص كبير في اختيار المصطلحات، ودقة متميزة في انتقاء الكلمات ووضوح صريح في العبارات، كما أثار انتباهي احتوائه لعدة مفاهيم، تعتبر حكرا خالصا على معجم القانون الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فقدرت على إثره محاولة قراءة الخطاب من تلك الزاوية، إسهاما مني في توضيح تلك المفاهيم، ومحاولة تقييم موقع استعمالها في الخطاب ومدى ملاءمة وانسجام ذلك ومستوى تطبيقها المغربي. للوقوف من جهة عند درجات تطبيقها واحترامها العملي في السياسات العمومية و في الحياة العملية، وبالموازاة مع ذلك إعطاء انطباع حول اتهام المغرب للمؤسسات الدولية التي تبخس عمل مؤسساته والكشف عن موضوعيتها أو انحيازها غير المبرر وخروجها عن مبدأ الحياد.

أولا: مفهوم التنمية

التنمية عملية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان جميعهم على أساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة، في التنمية وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها، ويعتبر حق من حقوق الإنسان غير القابل للتصرف، لما لها من دور في إعمال باقي الحقوق والحريات، وتتحمل الدولة المسؤولية الرئيسية عن تهيئة الأوضاع الوطنية والدولية المواتية لتيسير إعمال هذا الحق عن طريق وضع سياسات تنموية ملائمة. فهل سيفلح النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الجاعل نصب أعينه إقرار رؤى ومبادرات أكثر تشاركية وإدماجية، ومستندة إلى حكامة مسؤولة من إجراء تحولات حقيقية وضرورية لاستعادة الثقة عن طريق مشاركة السكان وضمان سمو وسيادة القانون والقطع مع سياسة الريع وتحرير المبادرة الخاصة واعتماد نظام تحويلات نقدية يستهدف الساكنة الهشة والضعيفة وتدبير الموارد الطبيعية وتوزيعها لفائدة السكان وفقا لمبدأي الاستدامة والإنصاف لكسب هذا الرهان.

صحيح أن الأقاليم الجنوبية عرفت نهضة وتطور جذري وعميق في كافة المجالات،. إلا أن الحاجة إلى إقرار إصلاح لبناء وصياغة تصور جديد لمنهاج وسبيل التنمية، يعطي أولوية للبعد الاجتماعي، يشجع علنى المبادرة الفردية لدى الساكنة لتحقيق اندماجها واستقلالها الاقتصادي وضمان مشاركتها، بدلا من جعلها رهينة الاتكال على نظم المساعدات والامتيازات، أفضت إلى انتشار روح وخطاب الريع، وأعطت نتائج عكسية امتد إلى المستوى السيكولوجي، وهو المبتغى الذي لن يتم بلوغه إلا عن طريق إحداث قطيعة وتغيير في أنماط التفكير والسلوك والعادات لدى أصحاب القرار والنخب المكلفة والمؤهلة لتنشيط عملية وعجلة التنمية في الصحراء. وقد يكون الحوار المزمع تدشينه والجهوية المتقدمة المراد تطبيقها والنموذج التنموي لأقاليم الصحراء الوارد تنفيذه مدخلات لهذا التحول إعمالا وتفعيلا للحق في التنمية.

ثانيا: حقوق الإنسان والموارد الطبيعية

شكلت ملفات حقوق الإنسان والموارد الطبيعية متاعب جدية للديبلوماسية المغربية في علاقتها بتدبير ملف نزاع الصحراء. وقد انطلق الضغط على المغرب باستعمال ورقة حقوق الإنسان كسلاح جديد في المعركة مع البوليساريو والجزائر، إن على المستوي الحقوقي بسبب تقارير ومطالب مجموعة من المنظمات الحقوقية الدولية، منها منظمة روبرت كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان ومنظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية باحترام حق الرأي و التعبير والتظاهر وحق تكوين الجمعيات في إقليم الصحراء وضمان المحاكمة العادلة للمعتقلين بسبب ذلك والتحقيق في ادعاءات التعذيب وغيرها، وتماهت تقاريرها مع تظلمات وشكايات ورسائل قيادة البوليساريو والجزائر كما أنها اتحدت في مطالبة الأمم المتحدة بتوسيع مهمة بعثة المينورسو لتتولى اختصاص مراقبة حقوق الإنسان في الإقليم أو توفير آلية بديلة تتولى ذلك.

وهو المطلب والفكرة التي تبنتها مجموعة من الفرق البرلمانية في البرلمان الأوروبي، فاشتغلت عليها وأعدت تقارير نارية ضد المغرب، نوقشت في البرلمان الأوروبي وصادق على إحداها، منها تقرير تشارلز تانوك عن حزب المحافظين البريطانيين بتاريخ 22 اكتوبر 2013، ووصل مدى الضغط حق دعم الاتحاد الأوروبي لتقرير المصير. وقبله في أبريل 2012 سجلت أمريكا سابقة خطيرة تجلت في تقديم توصية لمجلس أمن لتوسيع ولاية بعثة المينورسو لتتولى مهمة تلك المراقبة، قبل أن تتولى سحب التوصية قبل بداية مجلس الأمن بمناقشتها.

ولوحظ كيف يتم تسخير حقوق الإنسان بطريقة مريبة وعدائية ومشبوهة من طرف الجمعيات الحقوقية الدولية، منها منظمة هيومن رايس ووتش ومنظمة العفو الدولية ومنظمة كينيدي للعدالة وحقوق الإنسان للإساءة عمدا وبسوء نية لواقع حقوق الإنسان بالمغرب.

وبالرغم من توفر المغرب على آليات وطنية وخاصة بحقوق الإنسان وانفتاحه على المساطر الخاصة وفتح أبواب كافة أقاليمه بما فيه الجنوبية أمام الجميع، في مقابل إغلاق الجزائر لمجالها الوطني أو مخيمات تندوف أمام تلك المنظمات ورفضها لاستقبال المقررين الدوليين لحقوق الإنسان، فان ذلك لم يشفع له بل لا جلب له قدح مجاني عن حق وعن غير حق. واعتمادا فقط على مكر أقلية تتظاهر في الصحراء من أجل صناعة وتركيب حدث باستشعار فرصة زيارات أممية أو حقوقية أو برلمانية أجنبية للأقاليم الجنوبية وتسليط الإعلام الغربي لهالة إعلامية على مجرد تصرفات فردية ومعزولة، واعتماد كل ذلك كسياسة بنيوية وممنهجة، و حجة تمتطيها تلك المنظمات وتعتمدها في تقاريرها لتبخيس مجهودات المغرب في ميدان النهوض بواقع حقوق الإنسان وبآلياته ومؤسساته المهتمة بتعزيز احترامها.

والواقع أن ملف حقوق الإنسان في علاقته بنزاع الصحراء يتم تسخيره من أجل محاولة تشكيل وصياغة موقف سياسي لعله يساهم في إعطاء حركية لعملية التفاوض الجامدة، وهو في عمقه وجوهره لا يعتبر مصدر ضعف ولا سبب خوف ولا حجة ضد المغرب بل حجة لصالحه تدعم وتعزز مركزه، لو عرف المغرب كيف يستثمر هذه النقطة ويدافع عنها ويروج لها، لأن بروز فصيل وثلة من مناصري الانفصال في إقليم الصحراء يتظاهر ويحتج باستعمال حق التعبير الأساسي والمقموع في المخيمات بالجزائر، فإن ذلك يظهر بجلاء ماهية الجهة، التي تحترم حقوق الإنسان.

ولأن هذا الفكر وهذا التيار ما كان لينمو في فضاء يسوده القمع وانتهاك حقوق الإنسان وما كان له من فرصة للظهور لو لم يتوفر في المغرب هامش لممارسة الحريات والحقوق، وهي نفسها الحقوق المغصوبة والمنتهكة من قبل الجزائر، التي تعبث بمسؤولياتها القانونية إزاء ا"للاجئين" في تندوف، حيث حولت وضعهم بفعل غياب الحق في حرية في التعبير وعدم كفالة حق التنقل وعدم تمكينهم من جواز السفر وأوراق الهوية وانتهاك حق التملك، توجسا منها ومخافة تعبيرهم عن اختيار الوحدة والانضمام إلى محتجزين ومفروض عليهم الإقامة الإجبارية إلى غاية قضاء مآربها السياسية.

وللأسف فان مجموعة من المنظمات الحقوقية الغربية تحولت إلى أدوات جزائرية لعدم اكتراثها بذلك الوضع وهو نفس الأسف الذي نعبر عنه إزاء عدم تواطؤ مفوضية الأمم المتحدة لغوث اللاجئين بعملها في توفير الحماية للاجئين، بالرغم من كون ذلك من صميم عملها، وهو ما يعطي للمغرب حق وصف عملها وتقاريرها بالمشبوهة والمريبة والعدائية والانتقائية.

ثالثا: الموارد الطبيعية لإقليم الصحراء

أثير هذا المبدأ لأول مرة سنة 1952 بمقتضى القرار 532 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ثم القرار 1314 سنة 1958 فالقرار 1515 لسنة 1960، وكلها توصي باحترام الحق المطلق لكل دولة في التصرف في ثرواتها ومواردها الطبيعية وفقا لمصالحها القومية ورفاهية شعبها. وقد أثير موضوع شرعية المغرب في التنقيب واستغلال الثروات الطبيعية في الصحراء، في الأمم المتحدة على إثر المعلومات باتفاق المغرب مع شركة فرنسية طوطال فينالف والأمريكية كير ماك كري ماروك ل ت د ، وهو ما جعل من مجلس الأمن يطلب رأيا استشاريا من المستشار القانوني لمجلس الأمن السيد هانس كوريل، أستاذ القانون الدولي الخاص بجامعة كرونينخن الهولندية، حيث خلص إلى مطابقة إعمال الاستغلال والاستخراج والتنقيب للقانون الدولي إذا كانت الموارد الناتجة عنها تنفق في صالح ساكنة الإقليم.

وهو نفس المنحى الذي اتبعه البرلمان الأوروبي سنة 2006 أثناء مصادقته على اتفاق الاتحاد الأوروبي والمغرب في ميدان الصيد البحري أو في الميدان الزراعي، ونفس الشرط فرضته أمريكا على المغرب أثناء توقيعها معه على اتفاق التجارة الحرة، الذي استثنى إقليم الصحراء. وقد حاول الخطاب الرد على الادعاءات المرتبطة بالموضوع من خلال الإشارة إلى مبلغ الإنفاق العام الذي انفق في تنمية الأقاليم على حساب إقليم الداخل.

وقد زاد من وطأة الضغط وشدته على الدبلوماسية المغربية كل من شروط اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وكذا اتفاقيتي الصيد البحري والزراعة مع الاتحاد الأوروبي، حيث تصدع الموقف المغربي بسبب تدبدبه مفاضلة، بين الرغبة الجامحة في إبرام الاتفاقات أو الحفاظ عليها وتجديدها، لما توفره ماليا وماديا وبين ما سيلحقه سياسيا من تسجيل عدم ثبات المغرب على التمسك بثابت وحدته المطلقة لقبوله بشروط تلك الاتفاقات التي تمس بسيادته.

إذ أن بعض الدول أو المجموعات الإقليمية المتعاقدة معه تأثرت بمرافعات البوليساريو، مفادها أن المغرب يستنزف الموارد الطبيعية الخاصة بإقليم الصحراء المتنازع عليه خرقا للقانون الدولي، فضغطت أمريكا استثناء إقليم الصحراء من اتفاقية 21 نونبر 2013 المتعلقة بالتجارة الحرة. ومن ذي قبل إلغاء البرلمان الأوروبي بتاريخ 14 دجنبر 2011 لاتفاقية الصيد البحري مع المغرب، قبل أن ينجح المغرب في تجديد بروتوكلها الجديد في 10 دجنبر 2013 بقبوله شرط إنفاق ما يؤول من نسبة ومن ناتج مادي المقابل للكمية المصطادة في المياه المتاخمة للإقليم في تنميته وإثبات ذلك، وهي نفس الأضرار التي يلحقها اللوبي الأوروبي المناهض لاتفاقية الزراعة بين الاتحاد الأوروبي و المغرب بتاريخ 16 فبراير 2013 وترويجه للدعوى القضائية التي باشرتها البوليساريو أمام المحكمة الأوروبية من أجل إلغاء الاتفاق.

رابعا: تعزيز الأمن الدولي والاستقرار

إن دراسة وتأمل الحالة الإقليمية الراهنة المحفوفة بالمخاطر الحقيقية والداهمة وإدراك المجموعة الدولية لخطر ما قد ينتج عن محاولة فرض حل على طرف أو على الأطراف من ثمن سيقوض الأمن والاستقرار وسيعرض السلم والأمن الوليين والعدل للخطر، وهو ما يفرض عدم التدخل في الشؤون القومية للمغرب واحترام سيادته وفقا لما يوفره الإعلان الخاص بتعزيز الأمن الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 2734 وتاريخ 16 دجنبر 1970 في دورتها 25، ولأن المجتمع الدولي لن يراهن بأمنه ذو العلاقة بأمن المنطقة عن طريق سماحه بخلق دولة ضعيفة في جنوب المغرب تشكل طعما سائغا وأرضية خصبة وبؤرة جديدة للتطرف والإرهاب والجريمة المنظمة. ولشدة ولأهمية الموضوع ، فإن الملك محمد السادس اضطر لإثارة الموضوع في خطابه الأخير.

خامسا: مبدأ السيادة وإطار المفاوضات

وقف خطاب الملك عند مفهوم قانوني وسياسي آخر معروف في القانون الدولي وهو مبدأ السيادة، الذي يعطى ويمنح حصرا لدولة مستقلة ممارسة سلطتها على إقليمها لا يشكل استعمارا في نظر القانون الدولي، لكون المغرب من جهة هو الذي سعى وأهليتها المرتبطة بالشخصية الدولية، وكيف تأتى لدول أن تقارن المغرب كدولة معترف بها دوليا مع حركة انفصالية اكتسب المنخرطين فيها صفة اللجوء في دولة الجزائر، التي مكنتها ضدا على قواعد القانون الدولي من تدبير وإدارة المخيمات وعسكرتها في تناقض، وعدم اضطلاعها لبسط سلطتها وتنفيذ قوانينها على سكان المخيمات وفقا للقانون الدولي الخاص باللجوء، كما تساءل الملك في خطابه عن صمت المجتمع الدولي وجمعيات حقوق الإنسان عن الجرائم التي ترتكب في تندوف.

وفي الأخير فقد تطرق الخطاب الملكي إلى العملية التفاوضية التي تتم بوساطة الأمم المتحدة، في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، التي تعتمد أسلوب المفاوضات كأساس للوصول إلى حل ينهي النزاع، والكل بإرادة الأطراف لأن الأمر لا يتعلق بمسألة توفير الحماية للمدنيين، الحالة الوحيدة التي تسمح لمجلس الأمن بالتدخل ضدا على إرادة الأطراف ودون اكتراث بمبدأ السيادة الوطنية للدول في مفهومها التقليدي.

وقد حاولت مجموعة من الجمعيات الحقوقية والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة التأسيس لسوابق غير قائمة في نظر القانون الدولي . مما اضطر معه الملك أن يذكر بإطار عملية الوساطة ويذكر الأمم المتحدة بدورها والمبعوث الشخصي بحدود مهمته ورفض المغرب لأي تغيير يطال كل ذلك تحت طائلة رفض الوساطة ورهنها، تحت طائلة لأنها ليس فرضا مفروضا عليه.

سادسا: تيمور الشرقية

واغتنم نفس المناسبة ليرد على الأمين العام للأمم المتحدة في إشارته المبطنة بتعيين الرئيس السابق لتيمور الشرقية السيد خوسيه راموس هورتا رئيسا لفريق دولي معني بمراجعة وإعطاء تقييم شامل لحالة عمليات السلام للأمم المتحدة في الوقت الحالي والاحتياجات الناشئة في المستقبل منها بطبيعة الحال نزاع الصحراء، بالرغم من دعمه المعلن للبوليساريو وزياراته العديدة للمخيمات. وذلك بقول الملك نزاع الصحراء لا يشبه في شيء تيمور الشرقية.

صبري الحو

محام وخبير في القانون الدولي

10/11/2014