ليس كل من يوضعون في خانة “انفصاليي الداخل”، في مدينة العيون، على ملة واحدة، فمنهم الكاتم لعقيدة الانفصال، ومنهم المجاهر بها، ومنهم الواقف تائها، ومنهم الكبير المحترف المغامر المتزمت، المسافر بوثائق هوية مغربية ليشهر بالبلد عند العدو، ويخوض الحملات ضده، الخاضع لتوجيهات جبهة البوليساريو، المنفذ لما تمليه عليه، ومنهم الصغير المرن المنصت الغاضب الحذر، الذي ينتظر مد اليد، بل يمد يده وينتظر الرد، وينتظر من يسمع صوته ويستوعب كلامه، يحاوره ويصغي إليه، دون انتقاص.

“الحل هنا وليس في الأمم المتحدة”، يقول صاحبنا متحدثا في جلسة شاي ودية في منزل يقع في حي شعبي أبرز من يقطنه من القادمين من مدن خارج الصحراء.
“الدول الكبرى صاحبة مصالح، نلتقي ممثليهم هنا فيقولون إنهم معنا لكنهم يقولون كلاما آخر بعد ذلك… البوليساريو صمدت أربعين عاما ونعرف أن الجزائر لن تتخلى عنها لأنها تستغلها في حربها ضد المغرب… نحن واعون بهذا، لكن لماذا الدولة تترك لهم الفرصة ليستقطبوا صحراويين في الداخل؟”، يستمر صاحبنا في الكلام.

يتحدث صاحبنا كمن يداري غصة في الخاطر. يكتم في قلبه قليلا، بل كثيرا، من الغيض لأسباب كثيرة. لا يعترف بأنه “انفصالي”. يحاول أن يداري الأمر، أو يراوغ، لا يهمه الأمر. يشرح الوضع أكثر مما يهتم بالتوصيف. ربما عدم الإصرار على التوصيف جزء من التشخيص لوضع لا يدركه الكثيرون.

في الصحراء ليست السياسة وحدها الحكم. وليست الديبلوماسية وحدها السبيل. الصحراء سياسة، وأمن، ودبلوماسية، وجيش، وتاريخ، وجغرافيا، وحاضر، ومستقبل، وماض. الصحراء قبيلة، وأسرة، ونفسية. الصحراء مال. الصحراء ثروة. الصحراء كرامة.
حين تحدث الملك، في خطابه الأخير، عن مميزات شخصية الإنسان الصحراوي، من علم وأنفة وكبرياء، كان للأمر دلالة كبرى. بالتأكيد التقط الصحراويون، هنا وهناك، الإشارة. وبالتأكيد أحسن صاحب الإشارة إرسال الإشارة.

“عندي جمعية وتمنيت أن يستدعوني أنا أيضا لاستقبال الملك لكنهم لم يفعلوا”، يضيف صاحبنا المصنف “انفصاليا”، بنبرة المصر على إبراز حسن النية، المنتظر مجرد التفاتة صادقة، ليس إليه فحسب، بل إلى أمثاله، مهما قل عددهم، ممن يشكلون “الصف الثالث”، أولئك الواقفون بين قلة موالية منتمية إلى جبهة البوليساريو وبين أغلبية وحدوية مؤمنة بأن الصحراء مغربية.
من هذا “الصف الثالث” تقتات جبهة البوليساريو، إغراء بالمال، أحيانا، واستغلال لنفسية غاضبة متأثرة بعقود من الاختلالات في تدبير ملف الصحراء صار حتى المغرب الرسمي يعترف بها، أحيانا أخرى، التقاط لخطأ من هذا المسؤول أو ذاك… وتستمر الحكاية.

تدخل أمني عنيف في حي هامشي، وإن كان معزولا، قد يجر هذا أو ذاك إلى الضفة الأخرى. صور مما كان يحدث من تدخلات أمنية كانت تعرض في المحافل الدولية، فيتحول المغرب، عند المتفرجين، إلى بلد يقمع بوحشية. الانفصاليون أتقنوا هذه اللعبة كثيرا، وكثيرا ما منحت لهم هدايا على طابق من ذهب.
تقدير غير محسوب قد يكلف الملف كثيرا، في الداخل والخارج. صاحبنا يذكر حالة مينتو حيدر، ويتساءل: “تكتب غربية أو مغربية ماذا سيغير الأمر؟ هي عندها وثائق مغربية، كان عليهم يزيدو الميم وانتهى المشكل”. هكذا يقول صاحبنا معتقدا أنه في كثير من الأحيان تتحول “الحبة” إلى “قبة”، فيتقن الآخرون تغليفها وتسويقها وجني أرباحها واستثمار ذلك كله في الإساءة إلى المغرب. ربح عند هؤلاء يعني خسارة كبرى للمغرب.

العدالة الاجتماعية حكاية تستفز الكثيرين هنا. هي، في أغلب الحالات، حطب الانفصال.
يعتقد كثيرون أن ملف الصحراء أغنى الكثيرين. يذكرون أسماء بعينها، يقولون إنها بدأت من الصفر، أو من تحته، فصارت تملك الملايير.
إنهم “أغنياء الحرب”، كما يلقبهم صاحبنا، وغيره، وقد حان الوقت، بنظره، ليقولوا “شبعنا”.
“علاش كل مرة يحاكمو منتخبين إلا فالصحرا؟”… يتساءل صاحبنا ولا ينتظر الجواب. “خايفين منهم؟ آش بيدهم يديرو؟” يجيب صاحبنا بسؤال أيضا، يحمل في طياته الجواب.
ما يقصده صاحبنا، وإن اختلفت الجمل والعبارات، هو أن للجانب الاجتماعي الدور الأكبر في تعقيد قضية الصحراء أو حلها. حتى وهو لا يتفق مع الطرح الرسمي للدولة في الصحراء يقول إن سياسة اليد الممدودة في صالح المغرب. “وبلاش من السبان”، يضيف الرجل.
هذا أمر يعترف به مسؤول كبير في المدينة، فكم واحدا كان يرفع شعارات الانفصال، لكنه ما إن حصل على عمل، ولو بسيط، يضمن به مورد رزق قار، حتى نسي ما كان يرفعه من شعارات.

“القطيعة”… هذه الكلمة التي وردت في مستهل الخطاب الملكي الأخير، الذي ألقاه الملك من العيون بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، أثارت صاحبنا “الانفصالي”. رددها أكثر من مرة، متشبثا بأن فيها الكثير من الأجوبة على سؤال: لماذا يتبنى بعض الصحراويين في الداخل شعار الانفصال.
الخطاب نفسه، الذي حمل إعلان القطيعة، أعلن الخطوط الكبرى للنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية. أوراش كبرى. عشرات ملايير الدراهم. عشرات الوعود. يتمنى صاحبنا لو أن لجنة ملكية تتكلف بتدبير هذا كله، بعيدا عن نخب محلية ربما لا تحظى بالإجماع، وربما لا يطمئن الكثيرون إلى أهليتها. هي، في نظر البعض، جزء من المشكل، وبالتالي لا يمكن أن تكون جزءا من الحل.
“تمنينا الملك يبقى هنا شهر”. العبارة لصاحبنا “الانفصالي”. لماذا؟ لأنه، وغيره، يعرف أنه صمام أمان.
كلمة القطيعة كان لها وقعها. والنموذج التنموي سيكون له وقعه أيضا… في انتظار الكثير من الثقة.
بهذا الشكل سيكون الوطن غفورا رحيما.. وعادلا أيضا…

رضوان الرمضاني (العيون)

15/11/2015