اكتسبت القضايا المتعلقة بالمرأة خلال العقود الحديثة مكانة بارزة على صعيد رسم وصنع السياسات العامة على الساحة الدولية، ومع ذلك يعتبر حضورها في سياق بناء عملية الأمن و قضايا السلام ظاهرة جديدة نسبيا، وبالخصوص انخراطها كفاعلة في قطاع نزع الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب للأغراض الإنسانية موضوع التقرير الذي بين أيدينا، وذلك لما له من تأثير في تحقيق الأمن والاستقرار والدفع قدما بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بعد انتهاء النزاع .
غير أن الملاحظ ، أن الاستفادة من هذا المورد البشري الحيوي مازال محدودا لأسباب مختلفة و بدرجات متفاوتة : منها أن الجيوش في السابق كان يعهد لها القيام بنزع الألغام البرية لأغراض إستراتيجية وأمنية، الشيء الذي يعني أنه كان قطاعا خاصا بالرجال، زيادة على المفاهيم السائدة المرتبطة بالقوالب النمطية ذات الصبغة الجنسية ، كانت و ماتزال تعرض النساء دائما في صورة الضحية ، إضافة إلى العوائق المختلفة التي تشمل المواقف والقوانين والممارسات التمييزية .وبالمثل فإن المنظمات الإنسانية والدولية عند توليها لأنشطة مكافحة الألغام للأغراض الإنسانية عملت هي الأخرى في بداية الأمر بتوظيف الرجال ، مما يبدو أن هيمنة الذكور ظلت هي المسيطرة على هذا القطاع .
فطبقا لمرصد الألغام الأرضية لسنة 2016 ، يشكل ضحايا الألغام من المدنيين الذكور78% (فيما إذا كان نوع الجنس معروفا ) ، مقابل 14 % من النساء ( فيما إذا كان نوع الجنس معروفا ) ، الأمر الذي ينعكس سلبا على التوزيع الديمغرافي من حيث الجنس، كما يترك تأثيرا ملحوظا على التوازن الاجتماعي بالنسبة للمجتمعات المتضررة من الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب ، وذلك بسبب ارتفاع نسبة النساء على الرجال، الأمر الذي يؤدي حتما إلى ارتفاع نسبة الأرامل والنساء العازبات ، كما يؤثر لاحقا على نسبة الولادات والنمو الديمغرافي، ناهيك عن تحمل المرأة عبء تربية الأولاد اجتماعيا واقتصاديا إذا قتل أو أصيب الأب أو المعيل .
في هذا الإطار، فإن تمكين وتعزيز دور النساء وكذلك توفير مفهوم أفضل لقضايا المساواة بين الجنسين في برامج مكافحة الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب، يستلزم وضع قيادات نسائية في مراكز صنع القرار على مستويات عليا في الإجراءات المتعلقة بالألغام البرية، حتى يسهل الطريق لاستقدام وتشغيل الإناث سواء في مراكز تصنيع الأطراف أوفي مجال التثقيف أو التوعية من مخاطر الألغام البرية، أو جمع المعلومات عن المناطق الملوثة التي تستخدمها النساء خصوصا، كالطرق المؤدية لجلب الماء أو جمع الحطب أو الأراضي التي تستغلها في النشاط الزراعي أو الرعوي .
يبدو أن تعميم المساواة بين الجنسين في مجال مكافحة الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب لا يخدم المساواة فحسب، بل كذلك نوعية التدخلات في المجتمعات التي تحظر على النساء مخاطبة الرجال. كما أن تقلد النساء مناصب عليا داخل منظمات أعمال مكافحة الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب ، من شأنه أن يعزز حضورهن ويساعدهن على إسماع أصواتهن الذي في الغالب ما يصل صداه إلى مستوى القاعـدة ، فيدفع بهن لأن يصبحن طرفا مؤثرا لا متفرجا.
فالتهديد الذي تشكله الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب، لا يقف عنـد إلحاق الضرر المادي بأجسادهن أو قتلهن ، بل يتجاوز ذلك إلى هدم بيوتهن وتدمير ممتلكاتهن، فضلا عن تعريض البنى التحتية من ماء و كهرباء و صرف صحي و طرق للتدمير وهي ذاتها خدمات ضرورية في حياتهن اليومية .
وتبعا لهذا، فإن محنة النساء مع الآثار السلبية التي تخلفها الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب لها وجوه عديدة . لذا بات المجتمع الدولي يدرك على نحو متزايد أن معالجة آثارها وانعكاساتها على النساء يعد أمرا شديد الأهمية، بحيث أن الضرر الذي يلحق بهن يكون بطرق مختلفة عن الضرر الذي يلحق بالرجال. وبهذا فإن الاحتياجـات لكـل منهما تكون هـي الأخرى مختلفة، الأمـر الـذي يـدعو إلى انخراط ومشـاركة النساء فـي إعداد الأنشطة المتعلقة بمكافحة الألغام البرية وباقي المتفجرات من مخلفات الحرب .
فإشراك النساء في قطاع يسيطر عليه الرجال، يحسن بيئة العمل، كما يمكنه تغيير ميزان العلاقات بالنسبة لكل من الرجال والنساء، ويساهم أيضا في طرح وجهات نظرمختلفة سواء بالنسبة للأنشطة المتعلقة بالإفراج عن الأراضي، أو بالنسبة لتلبية متطلبات الجهات المانحة. كما أن اشتغال النساء في هذا القطاع سيحسن من دخلهن ومن مستواهن المعيشي ومن وضعهن الاجتماعي، وسيجعلهن في قائمة الفتيات والنساء اللواتي اخترن القيام بعمل غير تقليدي، شعورا منهن بمسؤوليتهن تجاه مجتمعهن، وذلك بنزع الألغام أوإبطال مفعولها، وبالتالي إنقاذ إنسان أوحيوان من الموت والإصابة ، وكذلك الحد من تلوث الأرض الناجم عن الألغام. وعليه ، فإن التوظيف المبني على اعتبارات المساواة بين الجنسين من قبل المنظمات المراعية لذلك يساعد على تحقيق الأهداف الطويلة الأجل للمساواة.
وطبقا لما سبق، فإن تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين النساء يؤدي إلى تحقيق نتائج أكثر فعالية واستدامة، إضافة أن مشاركتهن تعد في حد ذاتها تعزيز لمكانتهن وفرصة لهن لتغيير القوانين المحلية ، ووضع البرامج الكفيلة لتغيير الصور النمطية تجاه النساء للنظر والتعامل معهن كإنسان ، كما يساهم أيضا في زيادة الفعالية العملياتية في مجال السلام والعمل الإنساني، والتنمية المستدامة والشاملة التي تؤثر على الفتيات والنساء والفتيان والرجال. ففي ظل سياق أولويات كل دولة وبشكل منفرد ومستقل فإن المساواة بين الجنسين هي المفتاح للحفاظ على السلام والأمن الدوليين .
ولهذا، فإن إنهاء تجاهل مراعاة المنظور الجنساني في مجال إزالة الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب للأغراض الإنسانية ، جاء كاستجابة لقرار مجلس الأمن 1325في الجلسة 4213 بتاريخ 31 أكتوبر 2000 ، الذي يعتبر إيذانا لمستوى جديد من الإدراك في مجلس الأمن للقضايا الجنسانية ووعدا بتوجيه اهتمام أكثر تركيزا في كامل منظومة الأمم المتحدة ، ليس فقط على احتياجات المرأة في أوقات الحرب ، ولكن أيضا لإمكانات المرأة لأن تكون شريكا فعالا في إحلال السلام .
وفي هذا السياق، عملت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام التي تشكل جزء من إدارة عمليات حفظ السلام ، على وضع وتنفيذ مبادئ توجيهية جنسانية في برامج الأعمال المتعلقة بالألغام خلال سنة 2006، التي تم توزيعها ضمن البرامج التي تديرها وتدعمها منظمة الأمم المتحدة على الممثلين الخاصين للأمين العام في البلدان المتضررة من الألغام ، كما عملت على تنظيم سلسلة من حلقات العمل التدريبية الجنسانية التي أسفرت على أن التوازن بين الجنسين يعد من الإستراتيجيات المصممة لكفالة الاعتراف بإسهامات الرجال والنساء والأولاد والبنات ، وبشواغلهم واحتياجاتهم ومعالجتها بدون تحيز.
و تتويجا للمساواة بين الجنسين في الإجراءات المتعلقة بالألغام، عملت منظمة الأمم المتحدة على تنقيح هذه المبادئ - التوجيهية الجنسانية لبرامج الإجراءات المتعلقة بالألغام- من خلال تبادل الممارسات الجيدة ، والدروس المستفادة من البرامج الميدانية. وبالمثل عملت على تحديد المبادئ التي يتعين تنفيذها ضمن الإجراءات المتعلقة بالألغام، من أجل تحقيق التوازن بين مشاركة النساء والرجال بوصفهم المستفيدين والممارسين وصانعي القرار، ومن أجل أن يكون كذلك لمشاريع الإجراءات المتعلقة بالألغام تأثير متناسب ومتساوعلى النساء والفتيات والرجال والفتيان .
وكمبادرة مشتركة بين القطاعات المعنية بالألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب ، فإن الإستراتيجية المتعلقة بالألغام للفترة 2013- 2018، قامت بتنفيذ ورصد المبادئ التوجيهية التي تم نشرها عام 2010 . وقد اتضح من البيانات التي جمعت لرصد هذه الإستراتيجية أن نسبة قدرها 57 % من البرامج الميدانية لدائرة الأمم المتحدة المتعلقة بالألغام، تضمنت في غالبها مراعاة احتياجات النساء والفتيات والفتيان والرجال عند تصميم هذه البرامج. و ضمانا للمساواة في فرص العمل وضعت أيضا 78 % من البرامج التي تلبي احتياجات النساء والرجال في مكان العمل ، كما شجعت 60 % من البرامج فعليا عمالة المرأة ، وذلك من أجل ضمان أن يكون لمشاريع الإجراءات المتعلقة بالألغام تأثير يتلائم واحتياجات النساء والفتيات والفتيان والرجال .
واستكمالا للجهود التي تبذ لها منظمة الأمم المتحدة، بادرت العديد من المنظمات الإنسانية الناشطة في مجال مكافحة الألغام توظيف النساء في عمليتي المسح والتطهير، كمنظمة المساعدات الشعبية النرويجية NPA أو منظمة هالو تراست halo trustأو المجموعة الاستشارية البريطانية MAGأو منظمة خدمة الإنقاذ السويدية MSB.
ففي كوسوفو عام 1999 ، وظفت أول امرأة نازعة للألغام، ليليها فيما بعد التحاق العديد من النساء للاشتغال في قطاع الألغام خاصة كنازعات للألغام ، سواء في فرق مكونة من النساء فقط أو فرق مختلطة (تجمع النساء والرجال ).
وفي هذا الإطار، فإن العديد من البلدان قامت بعمليات نزع الألغام بفرق مجموع أعضائها من النساء، مثلما هو الحال في جنوب السودان والأردن ولاوس وكمبوديا وموزنبيق ولبنان، في حين أن دولا أخرى أخذت على عاتقها العمل بنجاح بفرق مختلطة، كما هو الحال في أرض الصومال ولاوس ولبنان وكمبوديا وكرواتيا .
وقد أثبتت التجربة في كل من السودان وأنغولا وكرواتيا ، أن مزيلات الألغام قد يكن أبطأ في العمل مقارنة مع زملائهم من الرجال لكنهن أكثر دقة. وأكد أخصائيو الشؤون الجنسانية أن النساء يتميزن باتباع لوائح السلامة بطريقة منهجية ، بينما يحقق الرجال نتائج أسرع. أما في موزنبيق، لوحظ أن فريق إزالة الألغام التابع لجماعة التضامن الاجتماعي الذي يتألف من 30 %من النساء يعملن أكثر، بالرغم من الغياب الذي يتخلل فترات عملهن لأسباب عائلية .
و في هذا الصدد، نستلهم مقتطفا من رسالة الأمين العام للأمم المتحدة - بان كي مون - التي ألقاها بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بالألغام والمساعدة في الإجراءات المتعلقة بالألغام في الرابع من أبريل 2014، "إن النساء اللواتي يعملن في إزالة الألغام البرية بوسعهن دفع عجلة التقدم نحو الأهداف المحورية للإجراءات المتعلقة بالألغام، التي تهدف إلى تعزيز الأمن وإعادة بناء المجتمعات واستصلاح الأراضي، وإنهاء الخوف المخيم بسبب المتفجرات من مخلفات الحرب، وبوسع النساء أيضا زيادة الفوائد التي تجنى من هذا الجهد مع عودة الأطفال إلى مقاعد الدراسة وانتعاش النشاط الاقتصادي وإنقاذ سبل العيش بفضل مجهود مكافحة الألغام ".
لكن بالنظر إلى الالتزامات والتعهدات الدولية التي سبقت القرار 1325 المتعلق بالمرأة والسلام والأمن، بدء من ميثاق منظمة الأمم المتحدة الصادر سنة 1945، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة1948، مرورا بالعهد ين الدوليين لحقوق الإنسان الصادر سنة1966 ، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأ ة – سيداو – الصادرة سنة 1979 ، وانتهاء بإعلان مؤتمر القمة الألفية -2000 – ، اكتفت هذه التعهدات والالتزامات والإعلانات في مجمل مضامينها بالتطرق إلى حقوق المرأة في المساواة مع الرجل، بينما القرار1325 السابق ذكره اختلف عن سابقيه، حيث ركز على الدور المميز للمرأة في حل النزاعات وفي خلق السلام ومنع الحروب، بما في ذلك القرارات اللاحقة به ،كالقرار1889 الصادر في عام 2009 الذي يشدد على أهمية زيادة عدد العاملات في قوات بناء وحفظ السلام ، والقرار 2122 الصادر في عام 2013 الذي يشدد على ضرورة وضع القيادات النسائية في مركز اتخاذ القرار من أجل الصراعات وتعزيز السلام.
غير أن الملاحظة الجديرة بالاهتمام، أن اتفاقية الأمم المتحدة لحظر أ وتقييد أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر لسنة 1980 المعروفة اختصارا باتفاقية الأسلحة التقليدية ، وبالمثل البروتوكول الثاني المعدل لحظر أو تقييد استعمال الألغام والشراك الخداعية وغيرها من النبائط الأخرى لسنة 1996المعروف اختصارا بالبرتوكول الثاني المعدل، واتفاقية حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام لسنة 1997 المعروفة اختصارا باتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد أو اتفاقية أوتاوا ، لم تولي أهمية لإدراج المنظور الجنساني في صكوكها ، وهو ما تم استدراكه في مشروع خطة عمل نيروبي 2005-2009 في الإجراء رقم 21، وكذلك في خطة كرتاخينا . أما اتفاقية الذخائر العنقودية لسنة 2008، فقد أشارت إلى ذلك في التصدير وفي المادتين 5 و7منها، والشئ ذاته تم التنصيص عليه في إعلان وخطة فينتيان الصادرين سنة 2010، حيث تطرق الإعلان في الملحق الأول في مادتيه 4 و5 إلى المنظور الجنساني ، بينما في الملحق الثاني تطرقت الخطة إلى ذلك في الإجراء 14 و17 منه.
وبالرغم من غياب المنظور الجنساني في الاتفاقيات السابقة الذكر، لم يمنع الحضور القوي لبعض النساء اللواتي استطعن اختراق مجال مكافحة الألغام البرية زمانا ومكانا ، فكرسن كل مجهوداتهن لمناهضة استخدام الألغام البرية وتقديم المساعدة للناجين من الحوادث الناجمة عن الألغام، ونخص بالذكر الباحثة الأكاديمية والناشطة في المجال الإنساني جودي وليامز ، الحائزة مناصفة مع الحملة الدولية لحظر الألغام على جائزة نوبل للسلام سنة 1997، حيث لعبت دورا كبيرا في التعريف بالآثار المدمرة للألغام على الجانب الإنساني وبإقناع مجموعة من الدول التوقيع على اتفاقية حظر الألغام.
وكذلك الأميرة ديانا ، التي ساهمت بدورها في إثارة انتباه الرأي العام الدولي إلى الآثار المأساوية التي تخلفها الألغام على المتضررين ، الشيء الذي دفعها لاحقا إلى تبني مشروع مكافحة الألغام الذي يعتبر من أهم القضايا التي رعتها حتى وفاتها ، والتي تتلخص مابين زيارتها الميدانية لحقول الألغام بأنغولا و كذلك مقابلة ضحايا حوادث الألغام البرية، وزيارتها للبوسنة بمعية مجموعة من الناجين. وعلى هذا الأساس، تكون الأميرة ديانا ساهمت في رفع مستوى الوعي العالمي بشأن المعاناة الناجمة جراء الألغام البرية .
أما الملكة نور الحسين، فكانت ومازالت من المساندين والداعمين للحملة الدولية لحظر الألغام البرية منذ عام 1998، حيث قامت بدعم الأردن بالانضمام إلى اتفاقية حظر الألغام وعملت مع العديد من الحكومات في وسط وجنوب شرق آسيا والبلقان وأمريكا اللاتينية. كما قدمت الدعم للمنظمات غير الحكومية والناجين من الألغام الذين يناضلون من أجل استعادة حياتهم الطبيعية .
يبدو مما سبق، أن الجهود التي بذلت من أجل تعميم المنظور الجنساني اتخذت أشكالا مختلفة سواء من خلا ل الجهود الأممية والالتزامات والتعهدات الدولية والمجهودات الفردية.هذه الجهود التي تمت ترجمتها على أرض الواقع بالرغم من الصعوبات والتحديات التي رافقتها. فقد استطاع أكثر من عشرين بلدا ومنطقة (20) توظيف النساء في عمليات نزع الألغام البرية . ومع أن نطاق هذا التقرير لا يتسع للإحاطة بمجموع هذه الدول، سنكتفي بذكر ثلاث منها بالعالم العربي على سبيل المثل لا الحصر وهي كالتالي :
الأردن : فأمام الاهتمام المتزايد للمنظمات الدولية الناشطة في مجال مكافحة الألغام البرية ، بادرت منظمة المساعدات الشعبية النرويجية NPA بتشكيل الفريق النسائي الأردني الذي يعتبر الأول من نوعه على صعيد الشرق الأوسط . فبعد اجتياز اختبارات صارمة نظمتها المنظمة لثمانية وثلاثين (38) مشاركة ، تم قبول أربعة وعشرين (24) منهن في المرحلة الانتقائية كنازعات للألغام واللواتي تولين تطهير الأراضي الملوثة على طول الحدود الشمالية الأردنية . وأمام المؤهلات التي اكتسبنها هؤلاء النازعات، فمنهن من أصبحن يعملن كمدربات أو كمرافقات للكلاب الكاشفة للألغام . كما أن الخبرة التي راكمناها سواء في مجال نزع الألغام أو التدريب خولت لعشرة (10) منهن العمل ضمن صفوف بعثات الأمم المتحدة لقوات حفظ السلام .
لبنان : بالرغم من التردد الذي عرفه توظيف النساء في بادئ الأمر في مجال نزع الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب، إلا أن قبول عشر(10) مشاركات ضمن القوة الميدانية المتخصصة في نزع الألغام في المنظمة البريطانية الإنسانية MAG التي تنشط جنوب لبنان تحت إشراف الجيش اللبناني، فتح المجال أمام العديد من النساء للانضمام للعمل في حقول الجنوب التي عرفت تلوثا كبيرا بالأجسام المشبوهة والذخائر العنقودية على مساحات شاسعة ضمن المناطق الآهلة بالسكان والحقول الزراعية، عقب العدوان الإسرائيلي عام 2006 التي تسببت في أضرار فادحة إنسانية واجتماعية واقتصادية وبيئية.
وتبعا لهذا، عقدت لبنان العزم القيام بعمليات التطهير برجالها ونسائها من أجل توفير بيئة آمنة لأهاليها. وفي هذا السياق فإن شجاعة المرأة اللبنانية ومدى ارتباطها بالأرض دفعها لاقتحام مجال نزع الألغام، غير مبالية بالمخاطر المحفوفة بهذا العمل النبيل ، سواء ضمن فرق نسائية منفصلة أو مختلطة ذاع صيتها على المستوى الوطني ، بل تعداه إلى المستوى الدولي وذلك باستعداد بعض منهن العمل خارج لبنان. وفي هذا الإطار، فإن المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام ما لبث يثني على المشاركة الفاعلة للمرأة في عمليات إزالة الألغام في لبنان ويشجعها ، كما عقد العزم على تعزيز حضورها عند توليه إدارة نشاطات البرنامج العربي للأعمال المتعلقة بالألغام بموجب مذكرة تفاهم مع مركز جنيف الدولي لإزالة الألغام للأغراض الإنسانية خلال السنة الحالية (2017 ).
مصر: في إطار الجهود التي تبذلها الحكومة المصرية في مجال مكافحة الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب، شرعت الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي بوزارة التعاون الدولي، بدء برنامج رفع كفاءة الجمعيات الأهلية النسائية بمطروح على يد خبراء في مجال خدمة المجتمع المحلي وضحايا الألغام بتمويل من الاتحاد الأوروبي. وانطلاقا من سنة 2013 أصبحت مصر تتوفر على فريق نسائي يتألف من ثلاثة وعشرين (23) رائدة ريفية تابع لمديرية الصحة ، يجوب نجوع ووديان صحراء مطروح للقيام بعمليات التثقيف والتوعية لمخاطر الألغام وباقي المتفجرات من مخلفات الحرب. وقد استهدفت برامج التوعية هاته النساء وذلك من خلال زيارات منزلية، فقدمت لهن شروحات عن أشكال الألغام والأماكن الخطرة، وكذلك الأطفال في المدارس عن طريق إلقاء دروس توعوية تحذرهم من لمس أو الاقتراب أو العبث بالأجسام الغريبة ، إلى جانب القيام بندوة موسعة حول كيفية التوعية بمخاطر الألغام بإ دارة إعلام مطروح مع مديرية الشؤون الصحية لفائدة طالبات مدرسة التمريض.
وقد كان لتنوع الأنشطة المتعلقة بالتوعية من مخاطر الألغام وعمليات التثقيف والتجاوب التي حظيت بهما، سواء من طرف الرائدات الريفيات وباقي أفراد فئات المجتمع المحلي آثارا إيجابية ، اتضحت معالمها في عدم تسجيل وقوع أية إصابات خلال السنة الفارطة (2016)، بمستشفيات وزارة الصحة على مستوى محافظة مطروح، وهذا ما أشار إليه الخبير الإيطالي "ما كوما ريو" الذي أبرز أهمية وضرورة مشاركة المرأة في جهود التوعية والعمل في مجال مكافحة الألغام، مشيدا في ذات الوقت بالدور التي تقوم به الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي بوزارة التعاون الدولي ضمن الحملة القومية لمجابهة هذه الآفة الخطيرة.
وفي هذا السياق، فإن نجاح برنامج التوعية بمخاطر الألغام من قبل الرائدات الريفيات يعود لعوامل مختلفة، منها الاستعداد الكبير والإرادة القوية لدى هؤلاء الرائدات، إضافة إلى التدريب الذي يتلقينه على يد خبراء متمرسين، زيادة على التنسيق فيما بين مجموعة من القطاعات ذات الصلة، كقطاع السكان وتنظيم الأسرة بوزارة الصحة والأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي بوزارة التعاون الدولي.
يبدو مما سبق، أن انخراط الرائدات المصريات في برامج التثقيف والتوعية من مخاطر الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب ، أثمر نتائج إيجابية تجلت في الحد من وقوع ضحايا جدد، مما يمهد الطريق مستقبلا لتوسيع دائرة مساهمة هؤلاء الرائدات في مجال مكافحة الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب لتشمل العمل في نزع الألغام كتعبير على المساواة بين الجنسين وكتأكيد على تقاسم المسؤولية وكعنصر فاعل في المشاركة في جميع مراحل عملية تحقيق الأمن والسلام .
يستنتج مما سبق، أن ولوج النساء قطاع نزع الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب يستوجب تقييم الأعمال المتعلقة بالألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب الخاصة بنوع الجنس، وتبادل التجارب الناجحة وتطبيق الدروس المستفادة والحصول على الدعم المالي الكافي، حتى يتسنى التغلب على الإكراهات التي تواجه مسألة تعميم المنظور الجنساني، وكذلك تشجيع ودعم البحوث ذات الصلة بمجال مكافحة الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب.
وحتى لا تبقى المجتمعات المتضررة من آفة الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب لعقود قادمة تحت رحمة الصدفة، التي قد تضع أقدام الأفراد أو تبعدها عن موقع لغم معد للإنفجار حتى بعد توقف القتال، ينبغي للحكومات تكثيف الجهود لمجابهة هذه المعضلة وكذلك بذل المزيد لمراعاة البعد الجنساني في برامج مكافحة الألغام.
وفي هذا الإطار ، فإن بعض حالات الاختطاف التي تعرضت لها نازعات الألغام ( اللواتي كن ضمن فريق مختلط في كازاماناس في 3 ماي 2013 )، لم يثن من عزم النساء من مواصلة الإقبال على هذا المجال. ففي هذه السنة، تم توظيف أول ثماني (8) نساء في أوكرانيا. وبشكل مماثل، عملت منظمة الصحة العالمية في أنغولا على دعم مشروع يتعلق بتدريب وتوظيف مائة (100) امرأة ضمن برنامج مكافحة الألغام سواء، في عملية نزع الألغام أو الخدمات الطبية أو السياقة أوالقطاع الميكانيكي .
وعلى هذا الأساس ، يكون من اللازم على وسائل الإعلام التقليدية منها والعصرية التعريف بدور وقدرات النساء اللائي شاركن في عمليات نزع الألغام البرية والمتفجرات من مخلفات الحرب، تأكيدا على أن حضورهن يتجاوز الجانب الرمزي، وتقديم الشكر والثناء لهن على عملهن المنقذ للحياة، بما في ذلك تكريم نماذج من النساء اللواتي اقتحمن هذا المجال، بغض النظر عن الأسباب التي دفعتهن إلى ذلك، سواء كانت أسبابا اقتصادية أو وطنية أو إنسانية، مادام الهدف الذي ينشدن بلوغه واحدا هو المساهمة في خلق بيئة يعمها الأمن والسلام .

 د كتورة نزهة المضمض

 NEZHA ELMEDHMED

03/12/2017