تحديات عدة تواجه الدبلوماسية المغربية، خاصة في الترافع عن ملف الصحراء في المنتظم الدولي، بعد الخطاب الملكي الأخيرة بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء من مدينة العيون.

 

وفي هذا السياق، سلطت ندوة للمجلس المغربي للشؤون الخارجية، بشراكة مع معهد الدراسات الإفريقية بالرباط، الضوء على موضوع التحديات التي تواجه الدبلوماسية المغربية، حيث قال أستاذ العلاقات الدولية، تاج الدين الحسيني، إن المجتمع الدولي حاليا يعرف "نوعا من التغيير الجوهري على مستوى عدد من الأبعاد".

 

وفي تعليقه على التطورات الجديدة التي عرفها ملف الصحراء، قال الحسيني إن الخطاب الملكي الأخير من العيون، يعد "منعطفا تاريخيا"، وذلك من خلال الحضور، الذي "شكل حدثا تاريخيا حطم كل ادعاءات الخصوم بأن وجود المغرب في الصحراء ذا طبيعة استعمارية، وبأن هناك غيابا للتجاوب الشعبي للحضور المغربي، ولابد من تسويقه على مستوى المجتمع الدولي".

 

المتحدث أضاف أن الخطاب من حيث جوهره، قام بتوطين نقد لاذع للجزائر وجبهة البوليساريو على مستوى سلوكهما في المنطقة، وكذا توجيه اللوم للمجتمع الدولي، والمنظمات التي تعتقد بأنها "تنتج حلولا من الغرف المكيفة"، معتبرا أن المغرب قدم أكثر ما يمكن تقديمه في ما يخص هذا الملف.

 

"كل هذه الاستحقاقات الانتخابية والإستفتاءات أكدت أن نسبة المشاركة تفوق بكثير نسب المشاركة في المدن الداخلية"، يؤكد تاج الدين الحسيني، مشددا على ضرورة تسويق هذا النموذج في المجتمع الدولي.

 

وعرّج أستاذ العلاقات الدولية على الوضعية العامة التي يعرفها العالم، حيث أوضح أنه يعيش حالة من التحول، خاصة مع الاضطرابات التي تعرفها دول عدة، "فنحن على أبواب حرب عالمية ثالثة"، يرى الحسيني، مضيفا أن العالم تجاوز مرحلة الثنائية القطبية، ليصل إلى "مرحلة نعيش فيها تعددية في الأقطاب على جميع المستويات".

 

اللجنة الرابعة وليس مجلس الأمن

 

السفير السابق، خليل الحداوي، تحدث بدوره على الواجهة الدبلوماسية للمغرب، والاختلالات التي تعاني منها، حيث تساءل عن جدوى طرح القضية في الأمم المتحدة، ذلك أنه "خلال أربعين سنة والمغرب في حالة الدفاع وقفص الاتهام على الرغم من أن قضيته عادلة ومشروعة".

 

وفي هذا الصدد، قال الحداوي إنه "من الضروري أن نكون عمليين، ولا بد من الحديث عن الأمور الدقيقة، والابتعاد عن لغة الخشب، نظرا لوجود لعدد من الإختلالات"، يوضح السفير السابق.

 

وعرج المتحدث ذاته على علاقة المغرب بالقارة الإفريقية، معتبرا أنه على الرغم من كونه هو المستثمر الثاني في القارة بعد جنوب إفريقيا، "إلا أننا نجد جمودا من الناحية السياسية"، مردفا أن عددا من الدول تنتقد منظمة "الاتحاد الإفريقي"، لكنها تتشبث بتواجد المغرب ضمنها.

 

وطالب الحداوي بالتشبث بـ"منظمة الوحدة الإفريقية"، باعتبار أن المغرب من المؤسسين لها، وبضرورة توضيح أسباب الانسحاب، ليس فقط للأصدقاء وإنما أيضا للخصوم، مبرزا أن "الاتحاد الإفريقي" منظمة "معطوبة"، ما يجعل كل الدول التي تتعامل مع القارة السمراء تقول "إفريقيا وليس الاتحاد الإفريقي".

 

وشدد السفير السابق على ضرورة العمل أكثر على واجهة اللجنة الرابعة في الأمم المتحدة، وليس مجلس الأمن، مؤكدا أن هذا الأخير تسيطر عليه أربعة دول، وتدافع عن مصالحها، من خلال استغلال هذا النزاع في تصفية حساباتها، في ما لازالت اللجنة الرابعة هي التي تعرف نقاشات واسعة في مثل هذا النزاعات.

 

مراحل مفصلية

 

عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية، كشف أن هناك خمسة تواريخ رئيسية عرفها ملف الصحراء، ذلك أنه في سنة 1975، كان هناك الفعل ورد الفعل، من خلال المسيرة الخضراء وتأسيس الجبهة للمطالبة بالانفصال، ثم استمرت الوضعية في تفاعل يساهم فيه الطرفان، فالحرب، وإقامة الجدار العازل، للوصول إلى مرحلة وقف إطلاق النار.

 

ومنذ مطلع الألفية الحالية، يؤكد البلعمشي، كان هناك تحولان أساسيان بفعل السياسة المغربية، حيث تم سنة 2007 تقديم مقترح الحكم الذاتي، فيما تم في سنة 2015 إطلاق النموذج التنموي في الأقاليم الجنوبية، بعد أن أثبت النموذج الحالي بأنه غير مجد، حيث تصرف الدولة الأموال من أجل الريع وليس الاستثمار.

 

هذا الاستثمار، بحسب الخبير في الشؤون الصحراوية، سيحيل على البعد الإفريقي، لأن الصحراء يمكن أن تترجم العلاقات الجادة مع القارة الإفريقية، ذلك أن "المنطقة ستكون نموذجا بالنسبة للدول المجاورة"، مبرزا أن هناك طريقا رابطا بين المغرب وموريتانيا عبر وجدة، وملاحة بحرية في المنطقة، بالإضافة إلى دبلوماسية ثقافية.

 

وفي هذا السياق، شدد المتحدث ذاته على دور الدبلوماسية الثقافية، بعد أن ورد الموروث الثقافي في النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، مؤكدا على ضرورة وضع ما أسماها "إستراتيجية جذابة"، في العلاقة مع الخصوم، ليس فقط الجزائر والبوليساريو، وإنما أيضا الدول المعادية للمغرب.

 

وبالحديث عن الدول المناهضة للأطروحة المغربية، يقول البلعمشي إن التركيز كان في السابق على دولتين أساسيتين، وهما جنوب إفريقيا وإسبانيا، فالأولى تنتعش في إفريقيا الأنجلوساكسونية، في حين إن الثانية تمتد في أمريكيا اللاتينية، "ذلك أنه خلال التركيز مع هذه الدول، لم يتوفر المغرب على إستراتيجية مضادة".

 

واستنادا إلى ذلك، ظهرت مسألة الاعتراف وسحب الاعتراف، ثم التلويح بمسألة حقوق الإنسان، حيث عانى المغرب كثيرا، يضيف أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاضي عياض بمراكش، وبعد مواجهة ذلك، انتقل الخصوم إلى الإتحاد الإفريقي، واقترحوا بأن يكون هناك ممثل خاص للإتحاد مكلف بالنزاع حول الصحراء، "على الرغم من أن هذه الخطوة تبقى من الناحية القانونية غير ممكنة، لكنها، سياسيا، واردة".

 

بدوره يرى الباحث أحمد نور الدين أن الوضع في الصحراء مرتبط بالتطورات التي عرفتها الجزائر منذ 1990، في حين إن المغرب حسم الوضع على أرض الواقع، في الوقت الذي استطاعت فيه جبهة الوليساريو والجزائر تهريب المفاوضات إلى نقاشات جانبية، في مقابل تراجع السياسة الخارجية المغربية على مستوى القارة الإفريقية.

 هسبريس

26/11/2015