هل أخطأ المغرب حينما أبعد الجزائر عن الواجهة في نزاع الصحراء ؟

أولا : فَصْلُ العلاقات الدبلوماسية عن قضية الصحراء :

كان المغاربة و لا يزالون منذ بداية النزاع يعلمون جيدا أن حكام الجزائر هم محور نزاع الصحراء وسببه . بل ظلوا يؤكدون ذلك مرارا وتكرارا إلى أن سقطوا في فخ يسمى " فصل قضية الصحراء عن العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر "  بحجة أن تحسين العلاقة معها قد تدفع حكام الجزائر إلى إعادة النظر في موقفهم من البوليساريو ومن القضية برمتها ، لكن حكام الجزائراستغلوا ذلك عكس ما ظنه المغاربة فدفعوا بالبوليساريو ليكون في واجهة النزاع مع المغرب بكونه هو صاحب الحق الوحيد وهم لا علاقة لهم بالقضية بل هو نزاع بين شعبين شقيقين الشعب المغربي و( الشعب الصحراوي ) وهو الفخ الذي سقط فيه المغرب ونجح فيه حكام الجزائر  .

إن إبعاد نظرية النزاع الجيوستراتيجي بين الجزائر والمغرب وجعله نزاعا بين ( شعب ) يريد تقرير المصير و ( مستعمِر هو المغرب  ) يسيطر على أرض بدون شعب ، ودولة بينهما هي الجزائر البعيدة عن النزاع وهي فقط تأوي مؤقتا لا جئين صحراويين ، هذا الإبعاد سَهَّل على حكام الجزائر التسويق لصورة مفادها أن المغرب احتل الصحراء وطرد الصحراويين و ليس في الأقاليم الصحراوية سوى سكان يستوطنونها جاؤوا من شمال المغرب ، أما الصحراويون الأصليون فكلهم يعيشون في مخيمات تندوف في الجزائر ... وهي صورة مزيفة وغير حقيقية رغم أن حكام الجزائر صرفوا على تسويقها ملايين الدولارات ولن يستطيعوا فتح مخيمات تندوف لأي هيأة أممية لإحصاء الصحراويين الحقيقيين لأن مخيمات تندوف مملوءة بالمشردين الجزائريين والموريتانيين  والمهاجرين غير الشرعيين من جنوب الصحراء .

ثانيا : عودة المغرب للحديث عن دور الجزائر المحوري في نزاع الصحراء .

وأخيرا عاد المغرب للتأكيد مرة أخرى على أن الجزائر هي محور النزاع من خلال :

 *  إلحاح وزير خارجية المغرب الجديد صلاح الدين  مزوار في كل مداخلاته سواء في البرلمان المغربي أو في لقاءاته الدبلوماسية مع نظرائه من دول العالم وفي كل مناسبة ، إلحاحه على أن النزاع الصحراوي هو نزاع جزائري مغربي .

*  الوزيرة المغربية المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية و التعاون مباركة بوعيدة أصبحت هي أيضا تكرر مرارا أن نزاع الصحراء هو نزاع جزائري مغربي و ليس  للبوليساريو أي نفوذ أو سلطة قرار فيه .

*  منذ أن أصبح عمر هلال هو النمدوب الدائم للمغرب في الأمم المتحدة  وهو يمشي في اتجاه إعادة الجزائر إلى واجهة الصراع باعتبارها المعرقل الوحيد لأي حل للنزاع لأنها تطرح الحلول التعجيزية المستحيلة  .

ثالثا : هل أخطأ المغرب حينما أبعد الجزائر من واجهة نزاع الصحراء ؟

نعم ، أخطأ المغرب بإبعاد الجزائر عن واجهة الصراع ، فالمغرب أدرك متؤخرا  أن إبعاد الجزائر عن الملف أعطى الفرصة لتقوية صورة البوليساريو في الواجهة  بكونه الخصم الوحيد وهو الذي ينازع المغرب لا الجزائر وبذلك خرجت الجزائر من الصورة وبقي النزاع بين المغرب والبواليساريو أما الجزائر فهي محايدة ، هذا بالإضافة أن حكام الجزائر يحبطون  كل المحاولات المغربية للتقارب الدبلوماسي والإنساني معها ، حيث يفشل المغرب كلما دفع في اتجاه التقارب مع الجزائر ... فقد كانت أول زيارة يقوم بها وزير خارجية الحكومة التي ترأسها إسلامي في المغرب الدكتور سعد الدين العثماني هي للجزائر ، وحينما فشلت الزيارة قال العثماني " إنها زيارة لإبداء حسن النية لدينا " ... وهو لا يعلم أن حكام الجزائر لا علاقة لهم " بالنوايا " فهم ماديون حتى النخاع لا يؤمنون إلا بالدولار والخروج للمحيط الأطلسي مهما كان الثمن ولو على جثث كل الصحراويين من البوليساريو ..

رابعا : حكام الجزائر يتضايقون من عودة المغرب للتأكيد على تورط الجزائر :

بعد عودة المغرب للتأكيد على تورط الجزائر المباشر في نزاع الصحراء ظهر انزعاج قوي على تصرفات حكام الجزائر ... فقد أكد الناطق باسم وزارة الشؤون الخارجية عبد العزيز بن علي شريف أن التصريحات «المشينة« التي أدلى بها عضو في الحكومة المغربية ضد الجزائر تشكل «انزلاقا« و هي تنم عن «حساسية مفرطة لا تليق بالعلاقات بين البلدين الشقيقين و الجارين«...

واليم نلاحظ أن حكام الجزائر أصبحوا يغضبون كلما عاود المغرب التأكيد على أن  نزاع الصحراء هو نزاع جزائري مغربي  لأنهم بذلك  سيفقدون طريقا بدأوه ويكاد يوصلهم إلى أهدافهم ، والطريق هو جعل العالم ينظر لقضية الصحراء بأنها قضية شعب صحراوي يريد تقرير مصيره ضد دولة مستعمرة ، أما دخول الجزائر طرفا في النزاع سيفقد الصحراويين مصداقيتهم ويضع الجزائر في الواجهة بدل البوليساريو ، فإما أن تكون البوليساريو في الواجهة والجزائر خلف الستار وإما أن تكون الجزائر في الواجهة والبوليساريو خلف الستار ، وصورة البوليساريو في الواجهة تعف موقف المغرب وتجعله يتخبط في قضايا مفتعلة باستمرار من قبيل حقوق الإنسان في الصحراء واستغلال الموارد الطبيعية للمنطقة بدون وجه حق وغيرها من الحركات البهلوانية التي يسوق لها البوليساريو في جميع المحافل الدوالية ... والحقيقة أن انزعاج حكام الجزائر من إعادتها للواجهة من طرف المغرب يفشل كل مخططاتها ويفضح نواياها .

خامسا : الخروج إلى المحيط الأطلسي ولو على آخر جثة من البوليساريو :

إن استمرار المغرب في فضح نوايا حكام الجزائر في صراعهم معه يحبط مخططاتهم في المنطقة المغاربية ، فلو كانت الجزائر محايدة فعلا فلماذا تحارب حضور المغرب في أي لقاء كان ؟  سواء حول الأمن في منطقة الساحل والصحراء أو حول الوضع الأمني في ليبيا وتونس أو الوضع في مالي رغم أن للمغرب دورا مباشرا فيه ، فحكام الجزائر يشتغلون بعقيلة المكابرة الفارغة والتعالي المرضي والكرم السفيه على قضية خاسرة بكل المقاييس ، إن فشلهم في تحقيق الحلم التوسعي على حساب المغرب أفقدهم صوابهم ، حلم الخروج للمحيط الأطلسي أهمى بصرهم وبصيرتهم ، لذلك فهم يجعلون من بعض الصحراويين المساجين في مخيمات تندوف وقودا يحرقونه من أجل تحقيق أهدافهم امهم التوسعية ، وسيصابون بالسعار الكلبي إذا استمر المغرب في توريطهم مباشرة في نزاع الصحراء لأن ذلك سيبعدهم عن تحقيق أحلامهم التوسعية وسيزيد من حظوظ المغرب في تقريب الحل الأممي حول الصحراء ،  ويبدو أن المغرب قد غير خطته حينما شرع في الدفع بالجزائر إلى الواجهة كما أنه ألمح لإمكانية إعادة النظر في مهمة المينورسو والمبعوث الأممي كريستوفر روس ، فما هي الخطوة التالية لحكام الجزائر بعد انتهائهم من بناء جسر نحو المحيط الأطلسي على جثث البوليساريو ؟

سمير كرم خاص للجزائر تايمز

 

04/08/2014