يحل المبعوث الأممي كريستوفر روس بالمغرب، بعدما استهل جولته من الجزائر، والتقى الرئيس الجزائري المريض عبد العزيز بوتفليقة، الذي استقبل رئيس جبهة البوليساريو محمد عبد العزيز مؤخرا.

 

وتأتي هذه الزيارة بعد تأجيل اجتماعي مجلس الأمن المقررين في أكتوبر ونونبر، لتقديم المبعوث الشخصي لإحاطته بخصوص مستوى تقدم عمله مع الأطراف؛ وقيل إن سبب التأجيل الأول هو أن روس لم يتمكن من إكمال تقريره بسبب عملية جراحية خضع لها؛ بينما لم يصدر حتى الآن أي تعليل للتأجيل الثاني.

 

حلول كريستوفر روس من جديد في المنطقة يجعلنا نطرح مجموعة من الأسئلة، لمحاولة تكوين تصور وبناء سيناريو عن الأفكار التي يحملها، ويحاول بها إقناع الأطراف.

 

مستوى التقدم الذي أحرزه مجلس الأمن في علاقته بالملف منذ 1991

 

يحث مجلس الأمن الأطراف إلى الوصول إلى حل سياسي متوافق عليه؛ إلا أن الطرفين لا يتقدمان في المفاوضات، إذ يتشبث كل فريق بمبادرته؛ فالمغرب يطرح الحكم الذاتي كقاعدة للمفاوضات من أجل تطبيقه، كأكبر عرض وآخر تنازل، بينما تنادي البوليساريو باستفتاء ينفتح على ثلاثة خيارات: الاستقلال أو الاندماج مع المغرب، أو الحكم الذاتي في إطار المغرب؛ ولا تبغي عن ذلك بديلا.

 

ولم تستطع الأمم المتحدة، رغم تعدد جولات المفاوضات، زحزحة أي طرف عن موقفه. ومن العبث افتراض مسايرة آلية بحجم الأمانة العامة لمجلس الأمن الطرفين في ثباتهما وصمودهما، دون أن القيام بمناورات وخطط تفك عقدة الثبات؛ ومن العبث أيضا تصور دعوتها كل مرة إلى مفاوضات تعرف مسبقا أن نتيجتها عدم تزحزح أي طرف عن مقترحاته ومبادراته؛ فهاجسها البحث عن حل وسط يقبل به الطرفان، وذلك يفشي سرا مفاده أن الحل سيتجاوز الاستفتاء والحكم الذاتي. لكن ما هو هذا الحل الوسط بين إرادتي المغرب والبوليساريو؟

 

كريستوفر روس والحل الوسط والمقبول

 

ذهبت الكثير من التحاليل إلى التكهن بأن أفكار كريستوفر روس تدور بين مقترحين، إما الفدرالية أو الكنفدرالية؛ لكني شخصيا أستبعد ذلك لسببين اثنين على الأقل: فالفيدرالية أقرب من مقترح المغرب بالحكم الذاتي، لأن السيادة تبقى حصرا للاتحاد الفدرالي، وهو نظام لن يقبل به البوليساريو، والقول نفسه يصدق على الاتحاد الكنفدرالي، حيث تحافظ الحكومة الكنفدرالية على سيادتها، وهو ما لن يقبل به المغرب أبدا، فهو يتصور مغربا بسيادات جهوية داخل سيادة وطنية واحدة.

 

وإذا كانت هذه الحلول ستلقى معارضة طرفين أو طرف واحد على الأقل، فما هو الحل الذي يمكن أن يهتدي إليه مجلس الأمن، ويكون مقبولا من الطرفين؟

 

لا أتصور حاليا حلا يلقى قبول الطرفين؛ فهل ستراجع الأمم المتحدة إطار تدخلها، وتفرض حلا على الطرفين دون قبولهما؟

 

مجلس الأمن يمهد لفرض حل على الأطراف خارج اتفاقهما

 

لقد سبق لمجلس الأمن في أبريل 2014 أن حدد أجل أبريل 2015 موعدا للوصول إلى حل تحت طائلة تدخله؛ وهو ما جعل البوليساريو والجزائر تجعل من أبريل 2015 موعدا حاسما، وعقدت عليه آمالا عديدة؛ بينما عبر المغرب عن رفضه إجراء تغيير في طريقة نظر مجلس الأمن الحالي، ولا إجراء أي تطوير في مهام المينورسو، خارج اختصاصها الذي استقر في مراقبة وقف إطلاق النار.

 

حل موعد أبريل 2015، وتبين أنه كباقي المواعيد، ولم يحمل غير دعوة الأطراف لاستئناف المفاوضات. فهل جولة روس تدور في توصيات القرار نفسها باستئناف المفاوضات؟ أم في إطار كلمة الأمين العام بتسهيل عملية المفاوضات الحقيقية لمبعوثه الخاص للتوصل إلى حل؟

 

المؤشرات الدالة على وجود أفكار وخطط جديدة في المداولات

 

عدة مؤشرات تدل على أن الأمانة العامة لمجلس الأمن تعد مشروعا ووصفة ليست كباقي الوصفات، منها التحرك الجماعي لأكبر وفد من البوليساريو، وتمثلت فيه كل القبائل المتواجدة في المخيمات، إلى الجزائر أثناء زيارة روس للرابوني في العشر الأوائل من مارس 2015، والمؤشر الثاني هو تصريح المندوب المغربي الدائم لدى مجلس الأمن القائل: "الحكم الذاتي أو لا شيء"؛ ثم تعليق المغرب للتعامل مع مسؤولي الأمم المتحدة سنة 2014، وبالضبط أثناء المصادقة على تقرير أبريل 2014.

 

هذا بالإضافة إلى ما ينبئ به مستوى استقبال روس لدى البوليساريو والمغرب، الدال على الرفض، ثم عبارات كلمة المغرب في الجمعية العامة للأمم المتحدة القائلة: "إنه سيرفض أي مغامرة غير مسؤولة بخصوص الخلاف الإقليمي حول الصحراء"، وهي الكلمات نفسها التي كررها الملك في خطاب المسيرة يوم 6 نونبر 2015، إذ قال: "إن التصورات البعيدة عن الواقع التي تم إعدادها داخل المكاتب، والمقترحات المغلوطة، لا يمكن أن تشكل إلا خطرا على الأوضاع في المنطقة"، وقبله بيومين تصريح بان كي مون القائل: "نزاع الصحراء مقلق ولم يتم استغلال مقترح المغرب والبوليساريو أمام المفاوضات الحقيقية".

 

فما هو الحل الذي قد يدفع روس بمناقشته في مفاوضات يريدها حقيقية؟

 

ملامح الحل الجديد قد تدور حول التقسيم

 

إذا كان الرفض يطال الاستفتاء بإقرار مجلس الأمن، والحكم الذاتي يحاول روس إقباره رغم طابع مجلس الأمن عليه بالجدي والمتسم بالمصداقية، ويضعه بان كي مون في مستوى مقترح البوليساريو، ويتأسف من عدم استغلال المبادرات المطروحة سنة 2007، نحو مفاوضات حقيقية لإدراك الحل، وإذا تأكد أن باقي الحلول، ومنها الفدرالية والكونفدرالية لن تجني غير نتائج الرفض من الأطراف، فماذا بقي من حل سحري لدى روس يحقق به المعجزة؟

 

في القانون الدولي لحقوق الإنسان توجد أربع حالات تنقضي بها حالة اللجوء، وفق ما حددتها الفقرة جيم من المادة الثانية من اتفاقية 28 يوليو 1951، الخاصة باللجوء، لكن قد لا يكون الحل متعلقا بحل مسألة اللجوء، فهي مجرد قناع مستتر لقضية سياسية، فما الحل الذي يدلنا عليه خاتم سليمان، والذي يملكه كريستوفر روس وبان كي مون؟ وغاب غباء على سابقيه؟

 

قد لا يخرج ما سيطرحه روس من حل عن تقسيم الصحراء، وهو حل سبق للجزائر أن طرحته، وطرحه من ذي قبل كوفي عنان في تقريره لسنة 2002؛ لكن ما هي طبيعة وملامح هذا التقسيم وحدوده، هل يتعلق بما وراء الحزام الدفاعي، الذي تعتبره البوليساريو أراض محررة، ويعتبرها المغرب تحت مسؤولية الأمم المتحدة؟ ويمتد حتى الكويرة، التي تطالب البوليساريو بالاستحمام فيها في أوقات الحر!؟ أو أن التقسيم بإحداثيات أخرى كتلك التي تحدث عنها الدبلوماسي الإسباني أنخيل مانويل بايستيروس غارسيا في كتابه "مهمتي في الصحراء"، الذي نشره سنة 2014، أو أن التقسيم المطلوب أكثر من ذلك، وقد يمتد إلى ما استرجعه المغرب سنة 1979.

 

هي حلول يرفضها المغرب، لأنها خارج الحكم الذاتي الذي يطرحه، فهو يدرك أن القبول بها لبنة أولى لتفتيه؛ وهي بداية لتقويض الأمن والسلم في المنطقة الهشة أصلا، لا قدر الله!!

صبري الحو

خبير في القانون الدولي

 

25/11/2015