تعيش العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية أسوأ أيامها في تاريخ العلاقات بين البلدين. ومن مظاهر هذا التوتر في العلاقات بل ومن أسبابه الرئيسية الأسلوب الذي تتعامل به الولايات المتحدة مع قضية المغرب الأولى، قضية الصحراء، خلال الآونة الأخيرة، كما يتجلى في النبرة التي بدأ يستعملها المغرب في مع واشنطن والتي تعبر عن امتعاضه من ازدواجية الخطاب الأمريكي في تعامله مع المغرب.

 

تقرير حقوق الإنسان يزيد من الطين بلة

 

وبينما كان يظن الكثيرون أن عدم دعم واشنطن للمغرب في الأمم المتحدة خلال مداولات مجلس الأمن بخصوص تمديد ولاية المينورسو كان سحابة صيف عابرة، جاء تقرير وزارة الخارجية الأمريكية السنوي حول حالة حقوق الإنسان في دول العالم ليزيد في الطين بلة، حيث أفرد لانتقادات لحالة حقوق الإنسان في المغرب جزءً كبيرا بشكل غير متناسب وينم عن تحامل واضح وازدواجية في المعايير التي تُطبق على الدول. ومما يدعو للعجب أن تلك الازدواجية لم تكن لصالح دولة تعتبرها الولايات المتحدة أحد حلفائها الاستراتيجيين بل ضد تلك الدولة.

 

وينسجم هذا التصرف مع تصرفات إدارة الرئيس أوباما مع العديد من الحلفاء الذين لم تتردد في التخلي عنهم بشكل كلي أو تدريجياً، على رأسهم المملكة العربية السعودية. فكل المؤشرات الحالية تشير بأن أمريكا بدأت في التخلي عن هذا الحليف الاستراتيجي الذي أسدى خدمات كبيرة لها خلال الحرب الباردة من خلال استعمال سلاح البترول لإضعاف الاتحاد السوفياتي.

 

وبالمقابل، فأن يقوم المغرب، الذي دأب على اعتبار أمريكا من شركائه الرئيسيين، بشجب تقرير الخارجية الأمريكية بهذه اللغة القوية وباستدعاء السفير الأمريكي في الرباط، فذلك يعني بأن العلاقات بين البلدين دخلت منعطفاً جديداً محفوفاً بالمخاطر.

 

كما أن الصورة السوداوية التي رسمها التقرير عن المغرب توضح ثلاث نقاط أساسية:

 

أولها أن الخطابات المعسولة التي دأبت الإدارة الأمريكية على الإدلاء بها خلال كل لقاء مع المسؤولين المغاربة لم تكن صادقة على الإطلاق، بل تدخل في نطاق التمويه والمجاملة الدبلوماسية.

 

ثانياً أن الإدارة الأمريكية الحالية، التي يسيطر عليها صقور معروفين باستعمالهم لورقة حقوق الإنسان، كانت لها النية في الاعتماد على التقرير واستعماله كمدخل ربما لإعادة إحياء المخطط الأمريكي لعام 2013، الداعي إلى إنشاء آلية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء المغربية وفي مخيمات تندوف.

 

ثالثاً أن الإدارة الأمريكية التي توجد تحت سيطرة أشخاص معروفين بعدم تعاطفهم مع المغرب تعتمد في تقاريرها الأخيرة عن حالة حقوق الإنسان في المغرب على منظمات معروفة بعدائها للمغرب، على رأسها مؤسسة روبيرت كيندي لحقوق الإنسان، المعروفة بالدفاع عن أطروحة انفصال الصحراء عن المغرب. كما أن هذه المنظمة، وعلى رأسها رئيستها كيري كينيدي، معروفة بفبركة تقارير لا علاقة لها بالواقع للدفاع عن مواقفها ومواقف الدول أو الجماعات التي تخدم لصالحها. ولعل خير دليل على عدم مصداقية التقارير التي تقوم بها هذه المنظمة، والتي تعتبر مرجعاً لتقارير الخارجية الأمريكية، أن كيري كينيدي اشتغلت مع أحدمكاتب المحاماة بنيويورك لكتابة تقارير مزورة ومجهولة المصدر بهدف ابتزاز المال من شركة شيفرون النفطية.

 

وبعد تحقيقات أجرتها إحدى محاكم نيويورك لمدة عامين،خلصت إلى أن ادعاءات كينيدي على الشركة الأمريكية، والتي عمدت على نشرها في الصحف الأمريكية، كانت باطلة ومبنية على تقارير مزورة كان تعلم بها.

 

ازدواجية الخطاب الأمريكي تجاه المغرب

 

غير أن أسلوب تعامل الإدارة الأمريكية مع المغرب، وخاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء، ليس جديدا. ولكن هذا الموقف لم تُعبر عنه التصريحات الأمريكية، فلو قمنا بمراجعة تلك تصريحات خلال السنوات السبع الماضية، فسنستنتج أنها كلها تؤكد على أن الموقف الأمريكي من النزاع في الصحراء لم يتغير وأن الإدارة الأمريكية تظن بأن “مخطط الحكم الذاتي المغربي يعتبر واقعي وجدي وذو مصداقية ويوفر الأرضية للتوصل إلى حل سياسي متوافق عليه”.

 

بيد أن هذه التصريحات لم تمنع الإدارة الأمريكية من اقتراح مشروع قرار لمجلس الأمن في شهر أبريل 2013 يدعو إلى توسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة في الصحراء لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. وبفضل الجهود التي قام بها المغرب آنذاك، تراجعت أمريكا عن مقترحها. وبعد الزوبعة التي أثارها ذلك المشروع، عادت أمريكا إلى استعمال نفس التصريحات، التي تعبر فيها عن “مصداقية المخطط المغربي وواقعيته. وتم التأكيد على ذلك في البيان الختامي للقاء القمة الذي أجراه الملك محمد السادس مع الرئيس أوباما في نوفمبر 2013.

 

غير أن ما لم يفطن له الكثيرون هو أن تلك التصريحات كانت مجرد تمويه من إدارة أمريكية غير متعاطفة مع المغرب ولا تعتبره من ضمن أهم أولياتها. ولعل ما لم يخدم مصالح المغرب هو أن الشخصيات التي أخذت زمام الأمور في الولاية الثانية للرئيس أوباما معروفة بتعاطفها مع البوليساريو وبميولها لاستعمال ورقة حقوق الإنسان. فسوزان رايس التي اقترحت مشروع القرار أمام مجلس الأمن عام 2013 أصبحت هي مستشارة الأمن القومي، بينما تم تعيين جون كيري وزيراً للخارجية، وسامانتا باور المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة. فهؤلاء ليسوا فقط معروفين بعدم تعاطفهم مع المغرب، بل كذلك بتعاطفهم مع أطروحة البوليساريو. ولعل خير دليل على ذلك أن كيري كان قدم ملتمسا للكونغرس عام 2001 يدعو فيه إلى ضرورة تميكن الصحراويين من ممارسة تقرير المصير.

 

فمنذ بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي طرأ تحول عميق في تعامل الإدارة الأمريكية مع المغرب، وهو ما برز بشكل جلي خلال الأشهر الأولى لعام 2013. فبمجرد نهاية ولاية وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، بدأت الأمور تأخذ منحى مغايراً لما كانت عليه في السابق ومعاد لمصالح المغرب. فبينما كانت كلينتون بحكم تجربتها وحنكتها وكذلك معرفتها للمنطقة، بالإضافة إلى العلاقات الشخصية التي تجمعها مع المغرب، متعاطفة إلى حد ما معه من خلال الابتعاد عن اتخاذ أي موقف معاد لمصالحه، أصبحت التشكيلة التي أخذت زمام الأمور خلال الولاية الثانية للرئيس أوباما تتخذ اتجاهاً آخر وتعتمد في تعاملها مع المغرب على تقارير منظمات مشكوك في مصداقيتها. ولعل التقرير الأخير للإدارة الأمريكية لخير دليل على هذا التوجه وعلى انكسار حبل الثقة والتواصل بين المغرب ووزارة الأمريكية الحالية.

 

بناءً على ذلك، ففي ظل التوجهات الجديدة لإدارة الرئيس أوباما، وانقلابها على معظم حلفائها، على رأسهم المملكة العربية السعودية، فمن المستبعد أن تعرف العلاقات بين البلدين انفراجاً حقيقياً يمهد الطريق لرجوعها إلى سابق عهدها وإلى إعادة أواصر الثقة بين مسؤولي البلدين. ومن ثَم، أظن أن المغرب قد أدرك أنه لا خير في الإدارة الأمريكية الحالية وأصبح يترقب من سيحظى بالرئاسة الأمريكية في شهر نوفمبر المقبل.

 

سحابة صيف قد تنجلي مع تغيير الرئيس الأمريكي

 

ومن المهم التأكيد هنا على أن مواقف الولايات المتحدة كثيرا ما تتغير تغيرا جذريا بالنسبة للعديد من القضايا مع تولي رئيس جديد السلطة في البلاد. وفي هذه الحالة، فإن إدراك هذه الحقيقة البسيطة يعني أنه من الضروري عدم التخلي عن العلاقة مع الولايات المتحدة ولا نبذ الجهود الرامية إلى تحسين الموقف الأمريكي تجاه الصحراء، خاصة وأنه لا يمكن إهمال الدور – الإيجابي أو السلبي – الذي يمكن للولايات المتحدة أن تؤديه بالنسبة لقضية الصحراء باعتبار تلك الدولة دولة عظمى ومؤثرة.

 

وهنا ينبغي التنويه ببعض المسائل التي يجب أخذها بعين الاعتبار: فعلى الرغم من أن التوقعات تتنبأ بوصول هيلاري كلينتون إلى الحكم، فعلى المغرب أن يستخلص العبر من تجربته مع الإدارة الأمريكية الحالية، وألا يعتبر الكلام المعسول للمسؤولين الأمريكيين على أنه دعم للمغرب بخصوص الصحراء أو في سياساته المتعلقة بتعزيز وتحسين وضعية حقوق الإنسان. فعلى الرغم من كل تلك التصريحات، فالإدارة الأمريكية لم تتخذ أي موقف صريح ينم عن دعمها للمغرب. ولو كانت هناك إرادة حقيقية لدعم المغرب، لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه ولما اتخذت واشنطن مواقف تتعارض مع الموقف المغربي.

 

وبالتالي، فعلى الرغم من العلاقات المتميزة التي تجمع بين هيلاري كلينتون مع أعلى هرم السلطة المغربية، فإن ذك لن يعني أنها ستقدم دعم لا مشروط للرباط في حال وصولها للبيت الأبيض. فالسياسة الأمريكية معقدة وأخذ القرار في أي مسألة تحكمه العديد من الاعتبارات السياسية والاقتصادية. كما أن أخذ القرار في واشنطن تحكمه مصالح العديد من المتدخلين. كما تُبني بناءً على الدراسات والتقارير التي تنجزها مراكز الأبحاث الأمريكية، والتي في الغالب ما تشكل المرجع الأساسي للسياسية الخارجية الأمريكية.

 

ومن تم، فعلى المغرب أخذ الحيطة والحذر في تعامله مع الإدارة الأمريكية القادمة. كما على المسؤولين المغاربة التقرب من مختلف المتدخلين ومختلف الشخصيات المؤثرة في مراكز القرار في الإدارة الأمريكية، بالإضافة إلى تتبع كل التقارير التي ترسم معالم السياسة الخارجية الأمريكية في المستقبل وأولوياتها. فأي سياسة مغربية في المستقبل مع أمريكا يجب أن تبنى بناءً على معطيات دقيقة وعلى توجهات الإدارة الأمريكية وعلى الشخصيات المؤثرة فيها، بعيداً عن كل انسياق للخطابات المعسولة الموجهة للاستهلاك الإعلامي، واتي تدخل في باب المجاملة. كما على المغرب أن يتعامل مع التوتر الدبلوماسي الراهن انطلاقاً من أهمية هذا البلد ووزنه في العالم، وألا نتعامل معه بنفس الطريقة التي تعاملنا بها في السابق مع فرنسا أو إسبانيا. فإذا كان المغرب يشكل جزء لا يتجزأ من السياسية الأمنية والاقتصادية لهذين البلدين ولأمنهما القومي، فإن ذلك لا ينطبق على أمريكا، التي لا تعتبر المغرب من أكبر وأهم أولويات سياستها الخارجية.

 

إن التحولات التي تعرفها السياسة الخارجية تتطلب تعبئة كاملة من كل الطاقات في المغرب، بما في ذلك الجامعات ومراكز الأبحاث لفهم أبعادها واستشراف توجهاتها المستقبلية، وبالتالي التعامل بشكل استباقي لما يخدم مصالح المغرب.

د. سمير بنيس

 

29/05/2016