هل تستطيع الديبلوماسية المغربية تكسير الهيمنة الجزائرية على الملف الازوادي

أمام الدبلوماسية المغربية أشواط كبرى لتقطعها من أجل أن تدخل في القضية الأزوادية بشكل جدي وفعال، الاستقبالات المتوالية للأمين العام للحركة الوطنية الأزوادية في المغرب لا يعني أن دبلوماسيتنا استطاعت أن تكسر الاحتكار الجزائري للملف الأزوادي، الجزائر استثمرت في الملف الأزوادي لعقود طويلة موّلت وجنّست العديد من القيادات القبلية الأزوادية، لكنها فشلت إلى حد الآن في استمالة قيادات أخرى قبلية فاعلة وذات مصداقية، الجزائر لا تستطيع أن تعطي للقيادات الأزوادية ما لم تستطع فرنسا اعطاءه لهم، أي أن الجزائر لديها سقف لا يمكن أن تتجاوزه وهنا يمكن للدبلوماسية المغربية الرسمية منها والشعبية أن تبادر إلى اقتراح مبادرات خلاقة؛ من أجل العودة إلى القضية الأزوادية من باب أممي وإفريقي معترف به، فالمغرب يحتفظ بعناصر لا تملكها الجزائر، وتملك نقاط ضعف تستغلها الجزائر يجب تجاوزها والعودة إلى الساحة الإفريقية من باب واسع، المغرب يملك ثلاثة عناصر قوة من شان التأسيس عليها أن يجعل الدور المغربي أساسي ولا محيد عنه:

العنصر الأول: المغرب له علاقات تاريخية مع معظم القبائل المشكلة لأزواد، بل هناك قبائل ماتزال ترتبط بالمغرب ارتباطا دينيا وسياسيا يرتقي إلى درجة البيعة والولاء للمغرب.

العنصر الثاني: المغرب لم يتورط في الصراع الداخلي الأزوادي كما فعلت الجزائر التي سلّحت البعض ضد البعض الآخر؛ لذلك حياد المغرب ومصداقيته يمكن أن يجعل منه وسيطا مقبولا ومطلوبا بين الحكومة المالية المحتلة لأزواد والفصائل المعتدلة في أزواد.

العنصر الثالث: المغرب يملك حركة أمازيغية فعالة وذات تواصل ممتاز مع قيادات أزوادية في الخارج والداخل، والنسيج الأمازيغي المغربي قد ينفع في التواصل مع الشعب الأمازيغي الأزوادي أي أن المغرب له نسيج ثقافي وحضاري يمكنه من أن يساهم في حلّ القضية الأزوادية في إطار حق الشعب الأزوادي في تقرير مصيره السياسي والاقتصادي كما يريده، وكما يتوافق مع ما توصلت إليه مفاوضاته مع الدولة المالية.

لكن الدبلوماسية المغربية لم تستثمر لحد الآن هذه العناصر القوية في الملف المغربي، وتستمر في ارتكاب أخطاء رئيسية في تعاطيها مع الملف الأزوادي نورد بعضها:

الخطأ الأول: الدبلوماسية المغربية تركز على قيادات سياسية قبلية بعينها في محاولة للتأثير في الملف الأزوادي وغالب هذه القيادات التي تراهن عليها الدبلوماسية المغربية لها ولاء سابق ومستمر للجزائر، بل بعضها له جنسية جزائرية؛ مما يعني أن المغرب يضيع وقته وجهده في التواصل مع قيادات حسمت اختياراتها سلفا، فيما الذي يجب أن يكون هو أن يركز المغرب على الفصائل الأزوادية التي لها ارتباطات تاريخية مع المغرب، والانفتاح على غيرها، وبذل جهد تنموي كبير لكسب ثقة الشعب الازوادي عبر بناء المستشفيات والطرق، ودعم مشاريع التنمية عموما.

الخطأ الثاني : الفعل الدبلوماسي المغربي يعمل في هذا الملف بمنطق ردّ الفعل أي ينتظر حتى تهيئ الجزائر لقاء للفصائل المالية على أراضيها أو في بوركينا فاسو أو أي مكان آخر ونتذكر حينها بأن هناك قضية أزوادية، ونسارع إلى استدعاء أحد القيادات الأزوادية. هذا المنطق لايشكل في نظري تراكما في التعامل مع ملف شائك كملف أزواد، بل يجب أن تخلق خلية رسمية، وأخرى شعبية تهتم فقط بالقضية الأزوادية وتطوراتها، وتحاول تطوير أساليب التعامل مع الوضع المتحرك في أزواد، وهذا ليس الهدف منه التشويش على الدور الجزائري، ولكن تجاوز السياسة الجزائرية بشكل إيجابي عبر تجاوز أخطائها المتمثلة أساسا في رهن قرارها السيادي في الملف الأزوادي لفرنسا، والاعتراف باحتلال مالي لأراضي أزواد بدلا من أن تكون الجزائر طرفا محايدا.

الخطأ الثالث : عدم الرهان على البعد الثقافي واللسني واستمرار إقصاء العنصر الأمازيغي كعنصر مؤثر لدى الفصائل الأزوادية الرئيسية، فالشعب الأزوادي والأمازيغ بالمغرب تربطهم علاقات ثقافية، ولهم منظمات دولية يشتركون فيها، ومن الخطأ إقصاء البعد الأمازيغي في الرغبة باختراق الملف الازوادي بدعوى الخوف من تدويل الأمازيغية، أو إعطاء الأمازيغ مكانة متميزة في رسم معالم الاستراتيجيات السياسية في الغرب الإفريقي, والواقع أن الأمازيغية باتت قضية محورية في رسم السياسة المتوسطية والمغاربية بعد النهوض الأمازيغي بليبيا والجزائر وتونس والمغرب، وأصبحت القوى الفاعلة الدولية تأخذ في حسبانها وجود حركة أمازيغية فاعلة كإحدى نتائج الحراك الثوري بالمنطقة.
عودة المغرب إلى السياسة الإفريقية بقوة في عهد محمد السادس، استراتيجية سياسية طموحة وذات نتائج إيجابية في المستقبل خاصة وأن المغرب كباقي الدول الراغبة في لعب أدوار سياسية مستقبلا على الساحة الدولية، لكن هذا المجهود الملكي المعتبر لابد أن يصاحبه فهم مجتمعي وسياسي للأخطار المحدقة التي تتربص بنا إذا ما أهملنا السياسة الخارجية وجعلناها شأنا دولياتيا صرفا، المغرب كباقي الدول مستهدفة من الحركات الإرهابية بمختلف تلاوينها خاصة وأن تقارير دولية تفيد بأن المغرب على رأس الدول المستهدفة من طرف القاعدة في المغرب الإسلامي، ومن طرف داعش، ومن طرف عصابات المخدرات التي تتخذ من مناطق الصراع والتوتر أرضا خصبة لها؛ لذلك من مصلحة المغرب التواجد الدبلوماسي والسياسي وحتى العسكري إن اقتضت الضرورة ذلك في جميع مناطق التوتر في القارة الإفريقية؛ للدفاع عن المصالح العليا للمغرب، وعلى المجتمع الدولي أن يسارع إلى إيجاد حل سريع ونهائي وعادل لقضية الصحراء المغربية؛ لأن استمرار النزاع المفتعل، وتورط قيادات البوليساريو في دعم الإرهاب واحتضانه يشكل تهديدا للأمن القومي الإفريقي والأوروبي على حد سواء، ولكي لايعتبر هذا القول تهويلا مقصودا من عندنا كوطنيين مغاربة متعصبين لوحدة أراضي بلادهم نحيلكم إلى تصريح لمسؤول جزائري رفيع المستوى وعداوته للمغرب لاغبار عليها، وولاؤه للبوليزاريو لا شك ولاجدال فيه، وهوعبد المالك قنايزية وبحضور الرئيس الجزائري الذي اعترف خلال اجتماعه مع مسؤولين أمريكيين بالعاصمة الجزائرية سنة 2010وهم مستشارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش للشؤون الأمنية فرانس فارفوس توزند ودايفد ويلش الكاتب العام المساعد السابق في وزارة الخارجية والمسؤول السابق عن شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا “يؤكد عبد المالك قنايزية تورط أعضاء من الحركة الانفصالية في جبهة البوليزاريو في التعاون مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي” ونشر هذا التصريح في صحيفة الباييس بتاريخ 3ديسمبر 2010 ضمن تقارير ويكيلكس التي نشرتها الجريدة حول موضوع العلاقات المغربية الجزائرية .

المغرب الرسمي والشعبي مطالب بالانخراط الجدي في إيجاد حل سياسي للقضية الأزوادية يضمن الحقوق المشروعة للشعب الأزوادي، ومن مصلحة المغرب أن يكون هناك إقليم أزوادي ديمقراطي مزدهر ومنخرط في جهود إحلال السلم والأمن الدوليين، وترك الجزائر تنفرد بهذا الملف فيه تهديد للمصالح الاستراتيجية للمغرب خاصة وأن حكام الجزائر لهم سوابق في خلق منظمات إرهابية، وإرباك أمن واستقرار الجيران، وما يحدث اليوم من تورط واضح للمخابرات والجيش الجزائري في إثارة الفتنة في ليبيا، ودعم فلول القذافي ليس إلا دليل على خوف الجزائر الدائم من أي تطلع ديمقراطي لشعوب المنطقة المغاربية والإفريقية.

انغير بوبكر
باحث في العلاقات الدولية

05/09/2014