بتاريخ العاشر من دجنبر 2015، أصدرت الغرفة الثامنة من المحكمة الأوروبية قرارا، يهم طرفيه جبهة البوليساريو ومجلس الاتحاد الأوروبي، يقضي بإلغاء قرار الأخير رقم 212/497/UE وتاريخ 8 مارس 2012، المتعلق بإقرار الاتفاق على شكل تبادل الرسائل بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية، موضوعه التحرير المتبادل في ميدان المواد الفلاحية التحويلية، والأسماك، ومواد الصيد، واستبدال البروتوكولات 1،2 و3 وملحقاتها، وتعديل الاتفاق الأورو متوسطي، الذي أسس لشراكة بين المجموعة الأوروبية وأعضائها من جهة، والمغرب من جهة أخرى.

 

كرونولوجيا ومسار الاتفاق الزراعي بين المغرب وأوروبا

 

يعود تاريخ الاتفاق الزراعي بين المغرب والاتحاد الأوروبي إلى سنة 2010، وحاز على مصادقة البرلمان الأوروبي في السادس عشر من فبراير سنة 2012، ودخل قيد التنفيذ في أكتوبر من سنة 2013، وبعدها تقدمت جبهة البوليساريو بالطعن فيه، معتمدة في أسباب طعنها على أن محل وموضوع الاتفاقية يشمل منتجات زراعية وسمكية مصدرها إقليم الصحراء، وهو إقليم تنازع في السيادة عليه، وأن الاتحاد الأوروبي بمصادقته على هذا الاتفاق يكون في مرتبة من أخذ موقفا مؤيدا للمغرب، وفي ذلك خرق لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وخاصة القرار 1803 للجمعية العامة للأمم المتحدة لسنة 1962.

 

طرح إشكالية البحث والقراءة

 

ورغم أن الجدل محسوم في طبيعة المسطرة "أ" أمام المحكمة الأوروبية، وأمام محكمة العدل الأوروبية، في سماحها بتلقي طلبات الإلغاء من طرف دول الاتحاد أو من أجهزته ومؤسساته، ومن طرف الخواص ضد قرارات المجلس ومذكراته وتوجيهاته، ما دام الأمر متعلقا باحترام مدونة الإجراءات، فإن نتيجة قرار المحكمة وحيثياته وعلله والإطار القانوني المبني عليه، كل ذلك يبقى محل نظر ومناقشة وتعقيب، للنظر في ملاءمته مع القانون الدولي والقانون الأوروبي من جهة، وفي الوقت ذاته إعطاء تقدير لوصف المغرب للقرار بأنه سياسي.

 

أهلية المغرب للدفاع عن نفسه أمام المحكمة الأوروبية

 

وتجدر الإشارة إلى أن المغرب كان مؤهلا إلى أن ينضم مدافعا عن مصالحه وحقوقه في هذه القضية المرفوعة أمام المحكمة الأوروبية، رغم عدم توجيه صحيفة الدعوى ضده كطرف أساسي في القضية، ورغم عدم استدعائه من طرف المحكمة لتقديم أوجه دفاعه ودفاعاته، وذلك استنادا إلى ما توفره المادة 42 من نظام المسطرة أمام المحكمة، التي تنص على أن الدول الأعضاء والمؤسسات وأجهزة الاتحاد وجميع الأشخاص الذاتيين والاعتباريين يمكنهم، ضمن الشروط المحددة في نظام المسطرة، التدخل والانضمام طرفا معارضا ضد القرارات التي لم يستدعوا إليها، إذا كانت تضر بمصالحهم؛ إلا أن المغرب لم يتدخل في الدعوى أثناء جريانها وفي وقت تقديم الخلاصات.

 

حيثيات حكم المحكمة الأوروبية

 

استندت الغرفة الثامنة من المحكمة الأوروبية، أثناء نظرها وتحقيقها طلب جبهة البوليساريو، إلى دعوات أجهزة الأمم المتحدة، بما فيها اللجنة الرابعة، التي مازالت تحتفظ بتقييدها للإقليم سنة 1963، بأنه غير المستقل، وكان يرزح آنذاك تحت الاستعمار الإسباني، إلا أن المغرب استرجعه بمقتضى اتفاقية مدريد في نونبر 1975، وبضغط بفعل المسيرة الخضراء. كما اعتمد القرار في حيثياته أيضا على حث مجلس الأمن والجمعية العامة في قراراتها للأطراف من أجل الوصول إلى حل سياسي متوافق عليه، وصيغة شكلية لحق تقرير المصير.

 

وكان سعي المحكمة في ذلك هو إقامة رابط بين حق تقرير المصير وحق الشعوب في السيادة على مواردها الطبيعية، وهي نفسها العلاقة الواردة في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عدد 1803 وتاريخ 14 ديسمبر 1962، والمعنون بالسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية؛ وينص في مادته الأولى على أنه يستوجب ممارسة حق الشعوب والأمم في السيادة الدائمة على ثرواتها ومواردها الطبيعية، وفقا لمصلحة تنميتها القومية ورفاهية شعب الدولة، ومنه استمد هانس كوريل جوهر رأيه الاستشاري الشهير.

 

إذ إن مجلس الأمن كلّف مستشاره القانوني المساعد للأمين العام السابق كوفي عنان، القاضي السويدي هانس كوريل، بتقديم رأي قانوني في شكاية البوليساريو حول عمليات التنقيب واستغلال المغرب للثروات الطبيعية في إقليم الصحراء. وبعد أن صادق على اتفاق المغرب والبوليساريو بوقف إطلاق النار في السادس من شتنبر 1991، ربط هانس كوريل شرعية الاستغلال وعمليات التنقيب بإنفاق المغرب للناتج والعائد المادي في تنمية الإقليم، وفي استفادة ساكنته، وهو التوجه نفسه الذي سار عليه البرلمان الأوروبي عندما عين مقررا سنة 2006 لتقديم رأي في موضوع الاتفاقيات مع المغرب.

 

سابقة قبول المغرب بتعديل اتفاق الصيد البحري

 

طالبت دولة الدانمارك، كعضو في الاتحاد الأوروبي، سنة 2011، بمراجعة اتفاقية الصيد البحري مع المغرب، بادعاء كلفتها المالية المرتفعة، والحال أن خلفه دوافع سياسية. ورافعت أغلبية مرجحة من البرلمانيين ضد تجديد الاتفاقية بمناسبة تقديمها للمصادقة البرلمانية، مستندين في ذلك على حجج البوليساريو نفسها؛ ومنها عدم أحقية المغرب في استغلال الموارد الطبيعية للإقليم، وأنه لم تتم استشارة جبهة البوليساريو في الأمر، تبعا لصفتها وشرعيتها في تمثيل كل الصحراويين، واحتجت ضد الاتحاد الأوروبي، متهمة إياه بمساندة المغرب في انتهاكه قواعد القانون الدولي، لمجرد قبول الاتحاد الأوروبي بعقد مجموعة من الاتفاقيات مع المغرب لا تستثني في نطاق تطبيقها إقليم الصحراء المتنازع على "سيادته"، وجعلت من الاتحاد الأوروبي معرقلا لحق الصحراويين في تقرير المصير؛ وتم إلغاؤها نتيجة رفض المصادقة عليها.

 

فقدان المغرب لنظرة مستقبلية وخبرة في القانون الدولي يوقعه فريسة للقضاء الأوروبي

 

رغم حيازة اتفاقية الصيد البحري في ما بعد على مصادقة البرلمان الأوروبي، فإن ذلك لم يتم إلا بعد تعديلها، بقبول المغرب إثبات صرف نسبة من العائد المادي الذي يدفعه الاتحاد الأوروبي في تنمية إقليم الصحراء، وفي صالح ساكنته. وكانت حاجة المغرب السياسية في توقيع الاتفاق، درءا لاستغلال البوليساريو لذلك أمام جهات وأجهزة دولية أو حتى أممية، سبب استعجاله قبول التعديل الذي طال الاتفاقية، دون أن يقيم تأثير ذلك على بقية الاتفاقيات التي تربطه مع الاتحاد الأوروبي، سواء بشكل جماعي أو ثنائي مع الدول أعضائه، متناسيا أنه فتح بابا قد يجد عسرا في إغلاقه.

 

ويبدو التعديل الذي لحق اتفاقية الصيد البحري متلائما ومتطابقا مع الرأي الاستشاري لمجلس الأمن سنة 2002، ومع الرأي الاستشاري للبرلمان الأوروبي لسنة 2006، إلا أنه يمس في عمقه وجوهره بسلامة وشرعية سيادة المغرب على إقليم الصحراء، ويسلبه ما يؤكده بخصوصها، ويستسلم من حيث لا يدري لإعطاء الحجة بالإقرار والاعتراف، ولو ضمنا، بأن حيازته للإقليم على سبيل المدير فقط؛ وكان أفضل له لو ضحى بالاتفاقية، وما يجنيه منها، من ثقل ما قد يوفره القبول، وما قد يشكل من استنتاج وتأويل. فهل يستدرك المغرب ذلك وينتفض ضد الاتحاد الأوروبي؟ أم يستخف بالأمر ويراكم سوابق قد تشكل حجة مجانية لخصومه؟.

 

هل تختفي السياسة وراء حكم المحكمة الأوروبية؟

 

ما المقصود والمراد خلف إلغاء المحكمة الأوروبية للاتفاق الزراعي بين المغرب والاتحاد الأوروبي؟ أول جواب قد تتلقاه من الهيئة المصدرة للقرار هو أنهم احترموا القانون والضمير المهني. هو جواب ظاهر لكن قد تخفي السريرة أشياء أخرى!

 

ذلك أن أوروبا قد تكون ترغب في إنجازها على نفس شاكلة و منوال اتفاق الصيد البحري. وقد يكون قرار إلغاء الاتفاقية يجسد عدم تماسك وتناسق وتكامل عمل المؤسسات الأوروبية في الدفاع عن أولوية الإستراتيجية في بناء أوروبا الموحدة وبقائها واستمرارها بحماية مصالحها العليا، بدلا من ظهور آثار الدولة الوطنية والمصالح الجهوية النفعية الضيقة في عمل تلك المؤسسات، بما فيها القضائية.

 

فإلغاء الاتفاقية يتناقض مع وجوب تطبيق قوانين أوروبية تحميها، منها أسبقية سجل كبير من الاتفاقيات مع المغرب تغطي جميع المجالات والميادين والأنشطة، دون أن تميز مجالات تطبيقها الجغرافي مع المغرب، من بينها اتفاق تعاقدي يمنح المغرب وضعا متقدما منذ سنة 2008، ويُبين نطاق تطبيقه المجالي المغرب غير مجزأ، ودون إبداء أي تحفظات عليه. وحاز هذا الاتفاق جميع التصديقات من كافة المؤسسات الأوروبية، فلم لم تكترث هيئة الحكم بهذه القوانين؟.

 

هذا ما يجعل الشك يتسرب إلى قرار المحكمة الأوروبية. وإذا افترضنا براءة المحكمة في حكمها، واحتكامها فقط إلى قواعد القانون الدولي، التي تسمو على القوانين الوطنية؛ فلماذا تعطي صفة التمثيل للبوليساريو، وتفرض على مجلس أوروبا ضرورة ووجوب استشارتها، رغم عدم وجود نص في القوانين الأوروبية وفي القواعد الدولية تمنحها تلك الصفة، وهو كيان غير معترف به من طرف الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

 

جدلية ذرائعية المصالح الوطنية وفكرة بناء الفضاء الأوروبي!

 

هل يعكس هذا الحكم عدم إدراك النخب الأوروبية، بما فيها القضائية، اندماجها في بعدها ومحيطها الأوروبي الكبير، وعدم إيمانها وجدانيا بأوروبا، وهو البعد الذي أسست له اتفاقية روما واتفاق شنغن واتفاقية لشبونة؟. وهل يمكن أن يستنتج هذا التباين والقصور ولو اعتباطا من تركيبة هيئة الحكم المصدرة للقرار، برئاسة البلغارية السيدة Mme M. kanchero ماريان مانشيفا، والمقرر في ملف القضية M D Gratisias ديميتريوس كراتيسياس والقاضي السويدي M C Wetter كارل ويتتير؟.. هل لكل منهم نظرة تجاه أوروبا أو ضد مصالح المغرب؟، فبلغاريا واليونان يتقاسمان مخاوف منافسة المنتجات الفلاحية المغربية لمنتجاتهما في السوق الأوروبية المشتركة، بينما قصة عداء السويد للمغرب، والأزمة الأخيرة بينهما، لم تبق سرا على أحد.

 

أفق العلاقات المغربية الأوروبية

 

قد يلجأ مجلس أوروبا إلى الطعن بالإحالة في قرار إلغاء الاتفاقية أمام محكمة العدل الأوروبية، عملا بمقتضيات المواد 60 وما يليها من نظام المسطرة. وطيلة أجل الإحالة والإحالة نفسها، وهو شهران اثنان طبقا للمادة 56 من القانون نفسه، فإن تنفيذ قرار المحكمة يبقى معلقا. وهذه مدة قمينة بتفادي المغرب وأوروبا التحرك نحو الأسوأ وقطع دابر التوتر.

صبري الحو

خبير في القانون الدولي والهجرة ونزاع الصحراء

14/12/2015