عندما ينكسر الأفق فيرمي بأرواحه فوق سرر من مسامير، كما لو أن نهاية الزمان قد أوشكت، تتسلل الذكريات من صندوق أشيائي لتلتف في زي من يقطين استعدادا منها للارتماء في بطن الحوت ذي الصدى المعدني... لقد رحل القمر إلى حيث اللاعودة، سافر والعبرات تحتضر بين جفنيه...

لا يوجد فوق هذه الدنيا ما هو أشد من لحظة الفراق التي تقاس بملايين السنوات الضوئية، حيث تنضب القلوب شوقا وخوفا من العدم الذي سيأتي لا محالة، ليكون جزءً منها.  فذنب من يا ترى ذلك؟ هل ذنب القدر هو، أم أن القدر عينه صنع الإنسان ووهمه الذي كلما عجز عن الصمود ألقى عليه بأوزاره الثقيلة ثقل حقيقة وجوده. 

مضت سنوات لم تفتح فيها سراديب فؤادها ...صديت أقفاله ...ومفاتيحه تتقاذفها أمواج التحسر. بالمصادفة تبادلنا أطراف الحديث، ومن كلماتها سَمعتُ أنين الطفلة التي تسكنها... التي بهت صوتها..وتشعَّث شعرها.... 

مثلَ قريناتها، تود لو أنها تبني قصورا وتكتب اسمها على رمال الشاطئ...

         سألتها هل سيدتك تعتني بك، هل تحكي لكِ قصص السندريلا قبل النوم...هل ترسم لك العالم بألوان قوس قزح... هل تستقبلك كل صباح بقبلة ترسمها على جبينك وبكأس من حليب في يدها... وهل تنسج ضفائرك قبل ذهابك إلى المدرسة... رفعت عينيها إلي ونظرات الأسى ترقرق من عينيها ولم تنبس ببنت شفة... أطلت النظر إليها، ثم لامست وردتيها لأزيل الدمعات التي تبللهما... ثم ضممتها إلى صدري،  فهمست في أذنها: سوف أكون ملاكك الحارس، سوف أحرسك وأحرس سيدتك، وسوف أهديكما القمر والورد، وسنرسم سويا أسماءنا على رمال الشاطئ. سوف أقلب خطوط الطول والعرض فقط من أجلكما. والآن، لا تقلقي يا طفلتي، وابتسمي في وجه سيدتك، فلعلها تنقاد للصواب فتحييك، لأنها ستكون قد أحيت نفسها.        

  

إنها الثامنة وثلاثة وخمسون دقيقة صباحا، بالكاد استيقظت، دوخة، ملل، بعد عن المنطق والواقع؛ أجهل أين أنا الآن وماذا أفعل. لقد كانت هي أول شيء طفا على ذاكرتي حين ألقته أمواج اللاشعور القوية إلى بر أحزاني. 

نادرا ما كنا نلتقي، و إن حدث ذلك فإنه يكون محض مصادفة. وفي كل مرة كنت أحاول فيها أن أجعل اللقاء رسميا، تخور قواي أمامها ويتكبل لساني، خوف حلو أنتشي به كأنه النبيذ المعتق، قطراته تتسلل من عينيْها وشفتيها البراقتين، وصوتها كصوت البحر، ينشر الرعب والشوق في أركاني. 

    كلما التقينا سألتها عن أحوال الطفلة التي تسكنها: 

ـ كيف حال فتاتك الصغيرة؟ 

ـ وأنت كيف حال أطفالك؟ تقولها والابتسامة مرسومة على ثغرها. 

ـ بخير و الحمد لله. لكن لا تهتمي، المهم أن تكون طفلتك بخير. 

        عالمها غريب عن عالمي... ربما طريقة عيشها غريبة عني كذلك... ونظرتها إلى الكون وسر الوجود... لا أعلم حتى إذا ما كانت تعلم بأمر الطفلة المنزوية في ركن من أركان روحها الشاسعة السحيقة. بيد أنني من الحين إلى الحين أسألني، أليس كل هذا محض خيال، هي والطفلة وأنا وما أكتبه الآن...؟.  سأبتعد عن حقولها، وأرافق صفير القطار الراحل، سأطير ولا محالة سأسقط، سأبلل ريشاتي بماء الورود. 

ثم سأرسم الصخور وأعلن الصوم،

سأخلد فيها بعدَ أن أتحنّطَ

ثم لن أكون لا في الجنة ولا من آكلي الزقوم..

محمد أرسلان

29/03/2016