واشنطن-الجزائر، تحالف قيد التشكل؟

والأمم المتحدة تنظم هذه الأيام أكبر محفل دولي متمثلاً في جمعيتها السنوية العامة، يبدو المشهد الدبلوماسي في المغرب وكأنه يعيش حالة شرود. وزير الخارجية منهمك في تكذيب الرسالة المتبادلة مع نظيره الفرنسي لوران فابيوس والتي يمكن اختزالها في قضية “البستون” أو الواسطة لفائدة ابنة مزوار. وزيرته المنتدبة تتساءل تحت قبة البرلمان عما تريده الجزائر، وكأنها لا تعرف ما تريده منذ أربعين سنة. وسرعان ما يتحول السؤال في مؤتمر مدريد إلى مطالبة “الشقيقة” بضرورة انخراطها في إيجاد حل لقضية الصحراء، في تماه تام مع قول المتنبي “فيك الخصام وأنت الخصم والحكم”. في هذا الخضم تطالعنا الأخبار من واشنطن عن استقبال السيد جون كيري، كاتب الدولة الأمريكي في الخارجية، لنظيره الجزائري بحفاوة بالغة يوم الخميس 18 شتنبر. وقدخاطب ضيفه قائلاً “أظن أننا أصبحنا صديقين قديمين” ليستطرد “بل أكثر من صديقين”.. هل نحن أمام لحظة عشق عابرة؟ أم هو تحالف جديد قيد التشكل في غفلة من دبلوماسيتنا؟

رمتان لعمامرة، رئيس دبلوماسية جارتنا الشرقية، سبق له أن شغل منصب سفير بلده في واشنطن بين سنتي 1996 و1999، قادماً إليها من نيويورك التي قضى بها ثلاث سنوات في البعثة الدائمة لدى الأمم المتحدة. وهو يدرك جيداً دواليب صناعة القرار الدبلوماسي الأمريكي، ويعرف المداخل الرئيسة للتأثير عليه واستمالته. ويبدو ذلك جلياً إذا ما استقرأنا أجندته للأسبوع الذي نودعه والأسبوع الذي نستقبله. فبعد لقاء كيري في واشنطن بشكل ثنائي يوم الخميس وإعلان مشاركة الجزائر في “لقاء مصغر” حول ليبيا في نيويورك تحضره الدول “المعنية” حسب تصريح كاتب الدولة الأمريكي، انتقل رمتان إلى إلقاء محاضرة في رحاب »مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية-CSIS«. ويعدهذا المركز من أهم البؤر المؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية. ويكفي أن نذكر بعضاً من المنتسبين إلى المركز من أمثال هنري كيسنجر،وزبيكنيوبريزينسكي، وديك تشيني، وفرانسيس فوكوياما،وصمويل هانتغتون، وبرنار لويس، لترتسم لدينا صورة تقريبية عن وزنه وحجم تأثيره.

وقبل التطرق إلى ما قاله صاحبنا في عرضه، لا بد من التذكير أن الجزائر كانت محور تحركات دولية خلال الأسبوعين الأخيرين ليس أقلها زيارة قائد أركان الحرب الفرنسية الجنرال بيير دوفليي. زيارة استغرقت ثلاثة أيام كاملة زار فيها مدرسة قوات النخبة في الجيش الجزائري الواقعة بمدينة بسكرة (جنوب شرق العاصمة). وليس صدفة أن تقع هذه المدينة فيالناحية العسكرية الرابعة على الحدود مع ليبيا. وقد سبق قبل ذلك أن صرح الرئيس الفرنسي ووزيره في الدفاع على أهمية الجزائر في أي تحرك لحل القضية الليبية.

وبالعودة إلى واشنطن، نجد أن السيد لعمامرة اختار لمحاضرته عنوان “علاقات الولايات المتحدة والجزائر: تحديات المغرب والساحل”. وقد كانت مناسبة لتسويق بلده كدولة محورية للحفاظ على الاستقرار في منطقة الساحل والمغرب !وذكر في محاضرته أن سياسة بلاده تقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول،هكذا إذن..وعلى مبدأ “صفر” مشاكل مع الجيران !طبعاً لم يكلف نفسه ذكر داوود أوغلو صاحب نظرية “صفر مشاكل”، على الأقل احتراماً للأمانة العلمية. ولكنه في المقابل لم ينس تذكير العم سام والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بواجب التدخل لإجراء الاستفتاء في الصحراء المغربية، لأن مصداقية الأمم المتحدة، حسب زعمه، رهينة بهذا الاستفتاء.

تنضاف إلى هذه الأنشطة الدبلوماسية المكثفة في الآونة الأخيرة، التحركات السابقة للسيدة كيري مع “مؤسسة كيندي”. فقد عملت على تعبئة أعضاء الكونغرس خاصة الديمقراطيين ضد المغرب. وأفلحت في الضغط على إدارة أوباما، بل تمكنت من اكتساب مساندة جناح داخل هذه الإدارة لفائدة الأطروحة الجزائرية. وهو ما بلورته السيدة سوزان رايس في مجلس الأمن من خلال تقديم مقترح بتوسيع صلاحيات المنورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء. وبقية القصة معروفة.

إذا جمعنا شتات هذه الفسيفساء تبينت لنا بعض ملامح المخطط الجزائري لاستمالة صانع القرار الأمريكي وسحب البساط من تحت أقدام الدبلوماسية المغربية. وهو عمل احترافي طويل النفس يعتمد اللوبيينغ للتأثير على الدوائر الثلاثة التي تحدد خيارات السياسة الخارجية الأمريكية: الكونغرس، الخارجية، ومراكز الدراسات الاستراتيجية. دون إغفال المصالح الاقتصادية والعسكرية حتىيكون التأثير متكاملاً. لذلكعملت الجارة “الشقيقة” على استدراج العم سام إلى كعكة البترول والغاز من خلال الاستثمارات المتزايدة لشركاته النفطية في الحقول الجزائرية. وقد كشف الهجوم الذي نفذته جماعات مسلحة على موقع “عين أمناس” بحر هذا العام جزءاً من هذه العلاقات الاقتصادية وتحديداً في الملف الاستراتيجي للطاقة.ولإحكام إغلاق الدائرة، شاركت الجزائر خلال شهر ماي الماضي في المناورات العسكرية البحرية لحلف شمال الأطلسي. وهي ليست المرة الأولى، فهذه المشاركة حلقة في مسلسل بدأ سنة 2005.

معاكسة المغرب إذن من خلال قضية الصحراء، جعلت منه الجزائر محور سياستها الخارجية، بل رهاناً وجودياً للنظام برمته. ومن هذا المنطلق تبني كل تحركاتها الدبلوماسية التي تسخر لها آلتها النفطية الرهيبة لاستمالة وتضليل الرأي العام الدولي. فبعد غزواتها في إفريقيا وأمريكا اللاتينية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تحت مظلة المعسكر الشيوعي وباسم مناهضة الامبريالية والرجعية، وبعد كُمون تكتيكي خلال التسعينيات بسبب ما سمي بالعشرية السوداء التي راح ضحيتها ربع مليون جزائري بين قتيل ومنفي ومختطف مجهول المصير، ها هي ذي تعاود الكرّة في أهم وآخر القلاع: الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة. وقد اختارت لمعاركها الدونكيشوطية غطاء براقاً يغري الحقوقيين والمدافعين عن الحرية والديمقراطية، وهل هناك أفضل من شعار “حق الشعوب في تقرير مصيرها” !

هل نحن بحاجة إلى التأكيد على استعجالية وضع استراتيجية شاملة لاحتواء الخصم وإبطال تكتيكاته. وأول تمرين في هذا الاتجاه هو تحويل المبادرة الفردية للسيد البوكيلي في جنيف، إلى خطة منهجية للاشتغال على النظام الجزائريومباغتته في الميادين التي لا ينتظرنا فيها. وعلى هذا الصعيد لا تنقصنا الملفات التي تقض مضجع الجارة “الشقيقة” وأولها ملف الترحيل القسري لحوالي 45 الف عائلة مغربية سنة 1975 بدون أية جريرة وبالأحرى جريمة، ومصادرة ممتلكاتهم والتفريق بين أفراد العائلة الواحدة. كما أن فيروس الانفصال الذي تغذيه الجزائر يجد مرتعاً خصباً في مطالب الأقليات العرقية والدينية من الطوارق جنوباً إلى القبائل شمالاً مروراً بالمزابيين في الوسط. أما انتهاكات حقوق الإنسان، فصحائف الحاكمين بأمرهم في قصر المرادية أكثر من أن تعد أو تحصى. ولتكن البداية من تسليط الضوء على ملف المختطفين مجهولي المصير من ضحايا العشرية السوداء والذين تقدرهم الجمعيات الحقوقية بحوالي 18 ألف مختطف. مع التركيز على ضرورة إحصاء اللاجئين في المخيمات كشرط لأي مفاوضات. والاهتمام بأوضاع المحتجزين في تندوف واستغلال الأطفال في الحروب، وانتزاعهم من أسرهم لتعبئتهم إيديولوجياً في كوبا الشيوعية، وهلم جراً.

إن الدبلوماسية هي مواصلة للحرب بطرق أخرى.. وخوض الحروب يتطلب معرفة جيدة بالخصم وبأرض المعركة كما يوصي بذلك “سان تزو” صاحب أقدم مرجع في الاستراتيجيات والذي يدرس في الأكاديميات الحربية والدبلوماسية على حد سواء. ومن بين القواعد الذهبية التي دونها الحكيم الصيني في كتابه “تظاهر بالهجوم من الشمال واضرب بقوة من الجنوب” أما إذا كانت تعوزك وسيلة الهجوم، فالحكيم ينصحك أن تستخدم قوة الغير، فيقول “اقترض السكين التي ستقتل بها عدوك” ..

إن الحرب “الدبلوماسية” لها أدوات واستراتيجيات وتكتيكات وأجندات قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى. أما التغني بشعارات من قبيل أول دولة اعترفت بالولايات المتحدة وأقدم حليف لأمريكا في المنطقة، فلن يجدي نفعاً أمام المصالح اتي تحرسها لولبيات البتر- دولار، وترعاها دولة ومؤسسات ليس لها من هدف سوى إضعاف المغرب واستنزافه وتفتيت وحدته الوطنية واقتطاع أجزاء غالية من أرضه. فلا نامت أعين الجبناء..

أحمد نورالدين

26/09/2014