اليوم، و بعد مرور أكثر من 40 سنة على ميلاد هذا النزاع المفتعل، و استمرار بعض الأصوات من داخل الأقاليم الصحراوية في المناداة بمطلب ” الاٍستقلال” و ” تقرير المصير” يطرح تساءل يفرض نفسه خاصة و أن المقاربة الأمنية التي اعتمدت سابقا قد أثبتت فشلها سواء في ردع هؤلاء، أو في احتوائهم، و هو التساءل المتعلق بفتح قنوات حوار مباشرة مع بعض التيارات المنادية  ” بالٍاستقلال”، قناة حوار تعيد رسم بعض معالم الثقة في المغرب و في طرحه ، و نظرته لحل النزاع، و هذا يطرح عدة أسئلة:    مع من يتم التحاور؟ و على أية قاعدة؟ و قبلها لماذا فكرة الحوار نفسه؟

1-لماذا فكرة الحوار؟

كما سبق الاٍشارة أعلاه فكرة الحوار هي فكرة نابعة من فشل المقاربة الأمنية، و اٍن كانت في بعض أجزاءها ضرورية لحفظ الأمن خاصة عندما يكون التعبير عن الرأي مصاحب للعنف و تخريب الممتلكات العامة و الخاصة، و هو تدخل يقع في جل بلدان العالم، لكن هذا التدخل كذلك يجب أن يكون قانونيا و غير مبالغ فيه…، هذا الفشل مرده اٍلى كونه  لم يستطع أن يحد من تواتر لموقف ” الاٍنفصال” بين مختلف الأجيال الصحراوية، لذلك في مقابل هذه المقاربة، تظل مقاربة الحوار مقاربة ذات أهمية كبيرة من حيث قدرتها على اٍعادة الثقة، ثقة الطرف الآخر في مؤسسات المغرب الرسمية منها و الغير الرسمية، و كذا في اٍعطائهم الثقة على قدرة مؤسسات المغرب لاحتضانهم مهما كانت مواقفهم و درجة حدتها…

و هناك عدة نماذج تظل قريبة لحد كبير للنموذج المغربي الذي كان للحوار فيه دورا كبيرا لوقف فكرة ” الاٍنفصال” كاسبانيا مع منظمة اٍيتا، أو انجلترا مع ايرلندا الشمالية الذي أدى الحوار بين الطرفين لوقف العنف من طرف الجيش الجمهوري الاٍيرلندي….، و هي نماذج شكل الحوار المباشر أداة من أدوات تحقيق السلم، و اٍقناع الطرف الآخر بجدية هذه الدول، و برغبتها في التعاطي اٍيجابيا مع بعض المطالب خاصة منها الاٍجتماعية، الثقافية…. على سبيل المثال فاٍن الاٍتفاقية التي وقعت بين طرفي الصراع بين المملكة المتحدة و جمهوريوا ايرلندا الشمالية نصت في مادتها الأولى على: الاٍلتزام التام و المطلق بالوسائل السلمية و الديموقراطية لحل الخلافات الخلافية في القضايا السياسية” و هو ما حقق السلام و جعل الجميع يدخل في مفاوضات جديةّ، لذلك  شكل الحوار بين مختلف الأطراف اٍلى الاٍقتناع بجدوى التعبير السلمي لمختلف المواقف سواء كانت مع أو ضد، و الأقاليم الصحراوية التي تشهد أحيانا موجة عنف خطيرة كتلك التي حدثت أثناء فض مخيم ” اكديم ازيك” بضواحي العيون حيث أدت أحداث العنف التي استعملها بعض ” الانفصاليون” اٍلى استشهاد العديد من أفراد القوات المساعدة المغربية التي كانت تتدخل لفض هذا الاٍعتصام، يجعل من ضرورة التفكير بشكل جدي في الحوار مع بعض من تحولوا اٍلى رموز ما أصبح يصطلح عليه اٍعلاميا ” بانفصاليو الداخل” بهدف عدم السماح للنظام الجزائري و أجهزته الاٍستخباراتية اصطيادهم و تحويلهم لأدوات تخدم أجندة النظام الجزائري و ليس مصالح الساكنة الصحراوية.

مع من يتم الحوار؟

شرط التعبير السلمي:

هل فكرة الحوار هي مطلقة، قد يتم التوجه بها لجل من يسمون بانفصاليو الداخل، أم أن هناك معايير محددة يتوجب الاٍنطلاق منها من أجل فتح المجال أمام هذه المجموعات الشبابية من أجل تحويل بوصلتها في اتجاه المغرب، بدل الرهان على الجزائر و على جبهة البوليساريو.

الحوار يمكن طرحه مع من يتبنى أولا خيار التعبير السلمي عن آراءاه السياسية، و مواقفه المختلفة حتى لو كانت تختلف مع الطرح الرسمي، و الشعبي في كيفية تناول الملف و معالجته، لكن يبقى شرط التعبير عن الرأي أو الموقف دون اللجوء للعنف أو التحريض عليه ضد الممتلكات الخاصة، العامة، و ضد الأفراد و الجماعات…و المؤسسات شرط رئيسي في التقدم خطوة نحو فتح قنوات حوار جدية مع هذه المجموعات.

شرط استقلالية القرار:

المسألة الثانية المهمة في هذا الجانب هي مسألة تتعلق باستقلالية القرار و التنظيم سواء عن الجزائر و نظامها، و كذا عن جبهة البوليساريو، حيث يلاحظ أغلب المتتبعين لما يسمى بتيار انفصاليو الداخل هم غير مستقلين بل تبعيين للجبهة و للجزائر مما يجعل من فكرة فتح حوار معهم تحت أية أرضية لكن تكون ذي جدوى مادام القرار لا يملكونه، و مادام في نهاية المطاف الدولة تتحاور مع الجبهة و تتفاوض معها، لذلك تكون أية دعو للحوار مع أي تيار انفصالي داخلي تابع للجبهة لا معنى له، و يفقد قوته و مصداقيته، خاصة و أن الاٍعلام قد تداول العديد من الوثائق المسربة من مكاتب الجبهة و اللجنة الوطنية الجزائرية للتضامن مع ” الشعب الصحراوي” تفيد و تأكد الدعم المالي الذي يتلقاه العديد من قيادات هذا “التيار” بشكل دوري، مما يجعلهم أدوات في يد الاٍستخبارات الجزائرية خاصة و أن الجميع يعرف الارتباط الاٍستخباراتي للجنة الجزائرية المذكورة سابقا مع الأجهزة الأمنية الجزائرية .

اٍن الاٍستقلالية التنظيمية، و المالية عن النظام الجزائري و جبهة البوليساريو سيجعل من هذه العناصر مخاطب رسمي، و قوي و ذي مصداقية لدى الاٍعلام و الرأي العام الوطني، و سيساعد على أية عملية ديموقراطية بمختلف أبعادها قد تشهدها الأقاليم الصحراوية بل قد يكونوا هم محركوها و منفذوها ميدانيا، دون ذلك فهذه المجموعات بمختلف تلاوينها سواء المتسترة وراء حقوق الاٍنسان، أو المختبئة وراء المطالبة باٍعادة توزيع الثروة و خيرات المنطقة على أهلها…..لن تكون اٍلا جزء من لعبة أدواتها الرئيسية هم عسكر الجزائر و قيادة البوليساريو.

ما ينتظر اليوم من طرف “انفصاليو الداخل” أن تكون لهم الجرأة الأدبية و السياسية للاٍعلان رسميا عن فك ارتباطاتهم مع النظام الجزائري، و  يتحولوا اٍلى مالكي القرار التفاوضي، و السياسي، التنظيمي الفعلي “للتيار” ليكونوا في مستوى تطلعات الساكنة الصحراوية بمختلف شرائحها و بتنوع مواقفها، و سيتحولوا اٍلى مخاطب رسمي و فعلي من قبل الدولة المغربية، و كذا من قبل المنتظم الدولي، و يكفي أن يعودوا للعديد من التجارب الدولية المقارنة كمثال التحول الذي عاشه الحزب العمالي الاٍشتراكي الاٍسباني، الصراع الكبير الذي شهده بين من يصنع القرار هل القيادة الشابة التي كانت متواجدة في الميدان أم قيادة الخارج، و الذي كان فيه الحسم لقيادة الداخل و لتكون هذه القيادة هي نفسها من قادة اسبانيا نحول التحول الديموقراطي سنة 1975 بتوافق مع المؤسسة الملكية.

نوفل البعمري

 

19/02/2016