في واقع غير هذا الواقع..
أخوان اختلفا حول عقار ورثاه عن أصولهما.. وشاءت الأقدار أن يكون جارهما ابن عم لهما..
هل سيسعى ابن العم/الجار إلى جسر الهوة بين الطرفين، وإلى الدخول بخيط أبيض بينهما وإلى إقناعهما بأن قيمة “العقار الموروث” في بقائه مشتركا كما تركه الآباء والأجداد؟ أم أن هذا الجار ذا القربى سيدخل بخيط أسود بين الطرفين، فيوفر لاحدهما “الوقود” لإشعال الحرائق، ويحرض الأصغر على الأكبر، ويدعمه ويزين له طريق الشقاق والمواجهة التي لا رابح فيها، بل الخسارة حظ مشترك بين الجميع، ويطعن في صك الملكية، بل يسعى لحشر “لقيط” ضمن الورثة؟
لو أسقطنا هذا الواقع المتخيل على الواقع الذي يرتفع في مغربنا العربي.. أي دور لعبته وتلعبه الجارة الجزائر في “ملف الصحراء”؟
دور ابن العم الصالح الذي يرى في اتفاق جيرانه/أقاربه قيمة مضافة وميزة يمكن أن تؤدي إلى استفادة الجميع؟
أم دور ابن العم (…) الذي يرى أن خراب بيت عمه وتناحر من فيه سيضمن له إرضاء غروره وإشباع أناه “الأسفل”؟
لنترك التاريخ للتاريخ.. وللأجيال القادمة لعلها تكون أكثر موضوعية في قراءة هذا الماضي..
٭٭٭
إن المرافعة الطويلة التي قدمتها يا دكتور عميمور في مقالك، لها عنوان وحيد هو أن :”المغرب دولة معتدية مارقة خارجة عن القانون الدولي، تتحدى كل المواثيق الدولية، وتتصرف كـ”شيطان أكبر” لا يمكن أن يردعه أحد، بل كدولة معربدة – أين منها إسرائيل وأمريكا- لا تقيم وزنا للقيم التي تعارف عليها العالم المتحضر”..
لنترك التاريخ للتاريخ، لأن المغرب سيكون دائما من وجهة نظركم ـ كجيل وليس كمسؤول سياسي مخضرم وصاحب فكر وقلم- الظالم الغاشم المعتدي الذي يريد التوسع على حساب جيرانه..
والحوار -يا دكتور- بين طرفين هذه قناعاتهما سيكون من باب “حوار الطرشان الذي يحضره العميان” كما يقال..
٭٭٭
إن المهمة الأساسية للنخب هي أن تترك للأجيال اللاحقة أرضيات صالحة للبناء عليها، وليس توريث العدوات القديمة .. أن تؤسس للمستقبل لا أن ترهنه للماضي بمره قبل حلوه..
من حقك يا سيدي، أن تشعر بالاستفزاز حين ترى برنامجا تلفزيونيا يسيء إلى بلدك..
لكن أليس من حقي أنا أيضا أن اشعر بالاستفزاز مما تنشره وتعرضه وسائل الإعلام الجزائرية التي يعرف الجميع بأية مياه تدور سواقيها؟ أم أنك لا تتابع وصلات السب والشتم والتشويه المتواصل للمغرب نظاما وشعبا التي تتبارى فيها وسائل الإعلام العمومية و”الخاصة”؟
لقد انحدر الحوار إلى هذا المستوى لأن النخب لم تقم بدورها، ولأنها استقالت وفضلت الانشغال بـ”داعش” وما قبلها وما بعدها من “هموم الشرق”، وتركت الساحة فارغة للمغامرين والمتاجرين والسماسرة، حتى صار تبادل الشتائم عبر وسائل الاتصال والتواصل الرياضة الشعبية الأولى في هذه البقعة من العالم.. العربي والإسلامي..؟
انحدر الحوار وانحط، لأن الهدم أسهل من البناء، و”الوحدة” التي يبحث عنها البعض شرقا بشعارات تعود إلى زمن ناصر وثورته وحروبه، تتطلب -غربا- قليلا من التواضع ونكران الذات وتثمين المشترك -وهو كثير- ومعالجة نقط الخلاف -وهي قليلة على كل حال- .. هل أحتاج لطرح سؤال من قبيل ما الذي يمكن أن يجنيه المغرب والجزائر ودول اتحاد المغرب العربي لو إن إرادة البناء تفوقت على رغبة الهدم؟
لنترك الجواب عن هذا وتحليله لرجال الاقتصاد.. وللتاريخ ..ولعقلاء قد يأتي بهم المستقبل..
٭٭٭
لماذا اختارت الجزائر في قضية الصحراء مثلا أن تكون جزءا من المشكل وليس طرفا في الحل؟ هل ما بين المغرب والجزائر من “دماء” -كما تقولون- أكثر مما بين فرنسا وألمانيا أو ما بين فرنسا وبريطانيا؟
لم الإصرار على نكإ الجراج وشحن الأجيال بجرعات قاتلة من الحقد والكراهية بناء على قراءة آحادية ومتعسفة للتاريخ؟
لم القفز على وقائع من قبيل أن المغرب قبل أن يقرر “غزو” الجزائر سنة 1963 أهداها نصف ما كان يملك جيشه الفتي من مدرعات.. ومن قبيل أن مئات الجنود الجزائريين أسروا في أمغالا بعدما توغلوا في يناير 1976، في عمق التراب المغربي لمسافة تقارب 400 كلم، أم لعلهم ضلوا الطريق ربما لأنهم اعتمدوا في تحركاتهم على بوصلات صنعت في مصانع “يابان إفريقيا”.. ومن قبيل أي ديبلوماسي جزائري قد تتاح فرصة لقاء صانع قرار في دولة عالمثالتية ما، بدل أن يستغل تلك اللحظات لتسويق صورة بلده أو البحث عن أسواق جديدة أو استشراف آفاق للتعاون في أي مجال، يستهلك اللحظة الثمينة في إقناع مخاطبه بـ”حق الشعب الصحراوي -وليس الفلسطيني- في تقرير المصير”.
٭٭٭
إن الحديث عن انعدام الثقة بين البلدين صحيح بل بديهي تماما..
كيف يمكن بناء الثقة… وعشرات الآلاف من المغاربة طردوا دون موجب حق وصودرت أموالهم بل سلبت منهم حتى ساعاتهم اليدوية وتم ترحيلهم بطريقة لاإنسانية ومازال مشكلهم عالقا لحد الساعة؟
كيف تبنى الثقة وقصة الذبح والخيانة حاضرة في معركة أمغالا الثانية -حسب الرواية المغربية طبعا-؟
كيف تبنى الثقة، ووزير الخارجية الجزائري يجمع سفراء بلده في عواصم العالم ليذكرهم بأنهم يحصلون على أجورهم من أجل الدفاع عن الملف الوحيد الذي يدخل ضمن أولويات الديبلوماسية الجزائرية أي ملف الصحراء لا غير؟
كيف تبنى الثقة عندما تدرب جهة ما -داخل الجزائر- عناصر على أساليب التخريب، وتحركها من بعيد لإشعال الحرائق في بيت “الجار ابن العم”، وكأن هذا من متطلبات حسن الجوار؟
كيف سيكون موقف الأشقاء في الجزائر، لو أن المغرب استضاف في بداية التسعينات جبهة الإنقاذ بعد الانقلاب على الديموقراطية، ودفعها لتنصيب حكومة في المنفى ووفر لها أبواقا للبروباغاندا، أو سلح جيشها، وبنى لها مخيمات لاجئين في “الأراضي المحررة”..؟..
كيف تبنى الثقة وشاعر جزائري معروف، مقيم بمدينة وجدة منذ سنزات، يحاكم أمام قضاء تلمسان بتهمة عبور الحدود المغربية الجزائرية راجلا، بدل أن يستقل الطائرة من مدينة الدار البيضاء في رحلة الشتاء والصيف.. حيث لم يشفع له أنه ذهب لزيارة والدته التي كانت في حالة صحية متردية.. وكأن عبور الحدود بين البلدين مسموح به فقط للحمير المدربة على التهريب في الاتجاهين؟
إن الثقة -يا دكتور عميمور- تنبني على الإرادة الصادقة، وعلى التطلع نحو المستقبل، وتتطلب طي صفحات الماضي كما فعلت أوروبا التي شرعت في بناء السوق الأوروبية المشتركة سنة 1951، وكانت إيطاليا وألمانيا ضمن ست دول مؤسسة دارت بينها حرب كونية أدت إلى مقتل 2,5 بالمائة سكان العالم يومها.. ولو ضيع الأوروبيون وقتهم في اجترار حكايات قدامى المحاربين وفي التناطر حول من بدأ ومن اعتدى..لما اتسع اتحادهم اليوم لحوالي 30 دولة تفرق بينها اللغة والتقاليد والتاريخ والدين والحروب..
٭٭٭
إن مما يحز في نفسي أن رموز النخبة الجزائرية، كلما تناولت العلاقة بين البلدين، إلا واستظهرت لائحة طويلة وعريضة من الوقائع التاريخية التي يحرم مجرد التشكيك فيها وكأنها قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واعتبرتها أرضية وحيدة لأي حوار مفترض او محتمل.. بل إن تفسيرها هي للأحداث والوقائع والوثائق، وحده المقبول والمعترف به..
أي على الطرف الآخر -المغربي طبعا- أن يبصم بأصابع يديه معا ويعترف بأنه منذ تأسيس الدولة الجزائرية قبل حوالي نصف قرن لا أكثر، فإن المغرب مسؤول عن كل الشرور التي أصابتها بما في ذلك انخفاض أسعار البترول والزلازل.. وحتى الاستعمار.. (سأوافيك يا دكتور عميمور بنسخة من رسالة بعثها الأمير عبد القادر إلى أبناء قريتي مستنجدا بهم، فلم يجيبوه أولا، لأنهم كانوا يومها منشغلين بتقتيل بعضهم بعضا في حرب أهلية ساحتها قرية لا تتعدى مساحتها كيلومترا واحد مربعا، وثانيا، لأنهم لم يكونوا يملكون صواريخ حزب الله ولا حتى “مفرقعات” حماس)..
لقد خلصت يا دكتور عميمور في مقال سابق لك تمحور حول نفس الموضوع إلى أن “العملية نجحت لكن المريض مات”، وعلقت أنا على ذلك بأن مريضنا لا يحتاج إلى عملية جراحية أصلا، بل إلى علاج نفسي للتخلص من عقدة قابيل وهابيل، ولهذا سأكون سعيدا لو قرأت لك – أو لغيرك من أصحاب الفكر في الجزائر الشقيقة- مقالا يرصد مثلا أخطاء الشقيقة الجزائر في حق شقيقها المغرب.. حتى لا يظن الناس أن “العصمة” تجاوزت أئمة الشيعة لتنسحب على الدول..
أما الشيء الذي أنا منه على يقين، فهو أن الأمور لن تراوح مكانها، إلا بعد انقراض أجيال تربت على الكراهية، وبدل أن تدفن الماضي، حفرت عميقا لوأد الحاضر والمستقبل.. وهذا شرط أول..
أما الشرط الثاني فهو “الديموقراطية”، التي قد تنتج نخبا حقيقية تعكس تطلعات الشعوب نحو التعاون وتحقيق المصلحة، بدل زرع الألغام.. والطواف بقميص عثمان للتهييج والاستثارة.. والاختباء وراء “لئن بسطت إلي يدك.. ما أنا بباسط يدي إليك..”..
عجلة التاريخ تدور بسرعة قصوى.. وحقائق الجغرافيا عنيدة.. فلن تستفيق غدا أو بعد غد لنجد بيننا بحرا، أو لنجد أنفسنا في قارتين متباعدين.. الجوار قدر وقد يكون لعنة.. والمثل المغربي يقول :”العداوة ثابتة.. ولكن الصواب يكون”..
فاصل ونواصل..
my.bahtat@facebook.com

16/09/2014