المغرب و الجزائر : لا بديل عن المصالحة

في مرحلة تاريخية عربية عصيبة ، و في ضوء ظلمة الانقلابات العسكرية و المدنية و الثورات المضادة على مجريات الربيع العربي المجهض ، طلع علينا الكاتب الجزائري المخضرم : د . محيي الدين عميمور بمقالين خصصهما للنظر في راهن و واقع العلاقة الجزائرية المغربية المثيرة للأسى و الألم و الحسرة … و من تحصيل الحاصل القول إن الحالة الجزائرية المغربية فريدة من نوعها كونيا ، فلئن كانت الخلافات السياسية و العسكرية ميسما يطبع علاقة عدد كبير من الدول المتجاورة ، بفعل عامل التنافس و الرغبة في تحقيق «الفوز» و «الهيمنة» الإستراتيجية و الاقتصادية و العسكرية .. لكن في حدود من الذكاء السياسي ، و تحصين المصالح المفصلية دفاعا عن حاضر و مستقبل الشعوب ، فإن الجارين الشقيقين رغم ما يتقاسمانه من تاريخ مشترك ؛ حافل بالمنجزات النضالية و المقاومة النوعية للاحتلال الأجنبي ، و قيم ثقافية و حضارية و دينية بالغة الأهمية .. يعيشان في قطيعة دراماتيكية ، و حرب «باردة» مدمرة منذ استقلالهما ( ما يناهز خمسين سنة ) !! فما هي الأسباب / الدواعي القابعة وراء هذا التدمير الذاتي و هذا «الاقتتال» المعنوي المرعب ؟

ـ كنا نمني النفس أن يتقدم الأستاذ الفاضل محيي الدين بعناصر إجابة متوازنة و موضوعية و محايدة نوعا ما ، خاصة و الرجل قد بلغ من الكبر عتيا ، و اختبر مطبخ السياسة عن قرب ، و تقلد مناصب سياسية مرموقة ، و كان من المقربين جدا من الرؤساء الجزائريين و صناع القرار في قصر المرادية سنين عددا ! إلا أنه أضاع الهدف و حاد عن انتهاج المقاربة المسؤولة الداعية إلى زرع قيم التصالح و التقارب و التآخي ، من أجل إقلاع تنموي مغاربي انتظرته شعوب المنطقة على «أحر من الجمر» ، واكتفى بترديد الأسطوانية المألوفة للطبقة الحاكمة بالجزائر الشقيقة ، أسطوانة مبدأ تقرير المصير «للشعب الصحراوي» و وضع حد لـ «تصفية الاستعمار» بالمنطقة ، من أجل إقحام كيان وهمي باسم «الجمهورية الصحراوية ..» ! كل ذلك على حساب بلد عربي جار، لم يتوان في تقديم يد العون و التضحيات الجسام للجارة الجزائر طيلة تاريخها المديد . و في اعتقادي الشخصي فإن الكاتب الكبير محي الدين عميمور ، الذي نكن له كل تقدير و احترام بفضل مساهماته الإعلامية الخصبة (المرئية و المسموعة و المكتوبة ) ، يتخلى عن مقاربته الجادة لقضايا الوطن العربي الجريح ، كلما اقترب من موضوع الصراع الجزائري المغربي ! و أكاد أقول إن الكاتب المحترم على اطلاع دقيق بملفات العلاقة الغرائبية بين المغرب و الجزائر ، بدءا من إشكال ترسيم الحدود و احتفاظ الطرف الجزائري غير الودي بالصحراء الشرقية المغربية ، بدعوى ضرورة احترام الحدود «الموروثة» عند الاحتلال ، و مرورا بتورط بالغ الخطورة في الشؤون الداخلية للمملكة المغربية ، عبر الرعاية اللوجستيكية و العسكرية و المالية و الإعلامية .. المطلقة للانفصاليين المغاربة و تزويدهم بأعز ما يحتاجون إليه من وسائل و معدات و آليات و باقي مختلف أصناف الدعم .. لتحقيق حلم حكام الجزائر في تقسيم المغرب و تجزيئه و إضعافه ، بغض النظر عن النتائج الكارثية على المنطقة بأسرها ، و متى كان العرب يعيرون الاهتمام لما قد يسببونه من خراب ! و أخيرا و ليس آخرا ، جنون إغلاق الحدود البرية و السياسية و الاقتصادية ؛ جنون أهوج استمر عشرين سنة ، و للقارئ الكريم أن يتصور حجم الخسائر الإنسانية و الأخلاقية و المالية لهذا السلوك السياسي بالغ الانحدار !

و في الواقع لا يمكن أن نعالج موضوع الصراع المعني بالأمر بالاقتصار على ترديد «القرارات» الدولية و «توصيات» الجمعية العامة ، و «مواقف» المنظمات الدولية لحقوق الإنسان ، فكلنا ندرك الرغبة الجامحة التي تسكن «المنتظم» الدولي في تجزيء المجزئ و تقسيم المقسم و إعادة تقزيم الدول العربية ، و خلق كيانات وهمية ، للتحكم في مصير الأمة العربية الطامحة إلى الوحدة و الحرية و الديمقراطية ، لكن ما لا يدركه العقل الحصيف هو مجاراة بعض الدول العربية وعلى رأسها الجزائر للمخططات الاستعمارية و التخريبية والأطماع الامبريالية الجديدة ، في السيطرة على مقدرات الشعوب العربية الحيوية .

ـ وحينما اقترح المغرب حلا ثالثا لقضية الصحراء الغربية المغربية ، بعد سنوات من الضياع و الدوران في الفراغ القاتل ، و هو حل الحكم الذاتي الموسع ، كان ذلك بعد أن تيقن الخبراء و المراقبون المحايدون من استحالة تنظيم استفتاء تقرير المصير بالضوابط و القواعد الملائمة للوضع الصحراوي المخصوص ، و مرة أخرى كانت الجزائر سباقة إلى تسفيه الاقتراح المغربي و تحريض الانفصاليين المغاربة سواء في مخيمات تندوف ، أو داخل الأراضي المغربية ، و تأليبهم على وطنهم و حثهم على العصيان المدني و إحداث القلاقل و إلحاق الفساد في البلاد و العباد ، فإذا تدخلت قوى الأمن للتهدئة و استتباب الأمر ، علت أصوات الجمعيات و المنظمات و المؤسسات الدولية منددة بعدم «احترام» حقوق الإنسان ، و المطالبة بالتدخل الدولي لمراقبة هذه الحقوق داخل الأراضي المغربية !

الصادق بنعلال