الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الهواري بومدين

دخل المغرب والجزائر منذ سنوات في سباق محموم نحو التسلح، ورغم التكتم الذي يخيم على صفقات التسلح في البلدين، إلا أن التقارير الدولية المتخصصة ظلت تشير منذ سنوات إلى تخصيص البلدين لميزانية كبيرة لهذا الغرض، وبدأ اهتمام البلدين بتعزيز قوتهما العسكرية وبشكل ملحوظ مباشرة بعد حرب الرمال، وتشير الوثائق التاريخية إلى أن الملك الراحل الحسن الثاني لم يكن يرغب في امتلاك قوة عسكرية كبيرة، غير أنه وجد نفسه ملزما بذلك لخلق نوع من توازن القوى مع الجارة الشرقية.

 

بعد سنة وبضعة أشهر من استقلال الجزائر انقطع حبل الود الذي كان يجمعها بالمغرب، وذلك بسبب رفض الرئيس الجزائري أحمد بن بلة الاعتراف بالاتفاق الذي وقعه فرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، مع المغرب بالرباط يوم 6 يوليوز 1961، والذي يعترف بموجبه بوجود مشكل حدودي بين البلدين، وينص على ضرورة بدء المفاوضات لحله مباشرة عند استقلال الجزائر.

 

وتصاعدت الخلافات بين البلدين، إلى أن وصل الأمر في شهر أكتوبر من سنة 1963، إلى اندلاع أول مواجهة مسلحة بين البلدين، فبدأت الحرب التي عرفت فيما بعد بحرب الرمال في ضواحي منطقة تندوف وحاسي بيضة، ثم انتشرت إلى جهة فكيك واستمرت لأيام معدودة، وانتهت بوساطة من منظمة الوحدة الإفريقية، حيث توصل البلدان لاتفاق لوقف إطلاق النار في 20 فبراير 1964 في مدينة باماكو عاصمة مالي.

 

ورغم انتهاء هذه الحرب إلا أنها خلفت توترا مزمنا في العلاقات المغربية الجزائرية، وسباقا محموما نحو التسلح.

 

وفي يونيو من سنة 1965 سحب هواري بومدين البساط من تحت أقدام احمد بن بلة وتولى قيادة الجزائر، إلا أنه واصل نفس نهج سلفه، وتوجه في شهر دجنبر إلى موسكو عاصمة الاتحاد السوفياتي آنذاك، وشكل موضوع تسليح الجيش الجزائري واحدا من أهم المواضيع التي تمت مناقشتها خلال هذه الزيارة.

 

الحسن الثاني وسباق التسلح         

 

وتشير الوثاق التاريخية إلى أن الملك الراحل الحسن الثاني لم يكن يرغب في الدخول في سباق للتسلح مع الجزائر، وبحسب مقال للدبلوماسي والمؤرخ المغربي الراحل محمد العربي المساري نشره في 9 مارس سنة 2001 بصحيفة "الشرق الأوسط" عدد 8137، فإن الحسن الثاني سبق له أن شرح علانية أن "المغرب لم يكن يسعى أبدا لأن تكون له قوات مسلحة قوية، وانه فضل الاستثمار في الفلاحة والتعليم والصناعات الخفيفة".

 

وبحسب المجلد السابع من سلسلة "مذكرات من التراث المغربي"، فإن الجزائر كانت قد دخلت في سياسة التسلح ابتداء من سنة 1965، بل وشرعت في "التفاوض مع السلطات الإسبانية والموريتانية ما زاد تخوفات المغرب وجاءت الرسالة الملكية إلى الأمين العام يوم 28 فبراير سنة 1967، بعد التذكير بوجود خلاف ترابي بين البلدين ورغبة المغرب في حله بالوسائل السلمية".

 

ففي 28 فبراير سنة 1967 راسل الملك الراحل الحسن الثاني الأمين العام الأممي آنذاك يو ثانت،مقترحا إنشاء لجنة أمية لدراسة مشاكل التسلح في المغرب العربي لأن تسلح الجزائر يمكن أن يؤدي إلى وضع متفجر في المنطقة".

 

وبحسب مقال العربي المساري المنشور في صحيفة "الشرق الأوسط"، فإن الحسن الثاني اقترح تكوين لجنة مشتركة تكون لها مهمتان:

 

ـ توصية المغرب والجزائر بالتخلي عن أي سباق في التسلح، بعدم العمل على تنمية قواتهما العسكرية.

 

ـ المراقبة في عين المكان، بالطرق الملائمة، لللأسلحة التي توجد لكل من الطرفين من حيث الكم والنوع، وتقدير مستوى الحاجات الضرورية لكل من الطرفين لتأمين الحفاظ على الأمن. وكان الدافع إلى تلك المبادرة، هو الوصول في ظرف عامين بعد ذلك، إلى إرساء الثقة بين البلدين، قصد تنشيط ديناميكية التنسيق على صعيد دول المغرب العربي، من خلال اللجنة الاستشارية المشتركة لكل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب. وكان من شأن تلك المبادرة أن تؤدي إلى تصفية أسباب التوتر، بين دولتين رئيسيتين في المنطقة، باعتبارهما تمثلان ثقلا ديموغرافيا، وتوجد بينهما تناقضات، أكبر مما يوجد بين غيرهما. ولكن الأمور اتجهت حينئذ وجهة أخرى، غير التي كان يرتجيها المغرب.

 

لكن المقترح الذي تقدم به الحسن الثاني لم يتفاعل معه صناع القرار في الجزائر، الأمر الذي دفع الحسن الثاني إلى تخصيص ميزانية كبيرة للتسلح بغية خلق توازن للقوى في المنطقة، فتعداد  الجيش المغربي في سنة 1975 لم يكن يتجاوز خمسين ألف رجل. وبعد عام من استرجاع المغرب للصحراء ارتفع التعداد إلى 80 ألفا. وتقول إحصاءات سنة 1977 بحسب العربي المساري، إن مخصصات الدفاع الوطني أصبحت تمثل 3.2 في المائة من الدخل الوطني الخام. وهو شيء مرهق بالنسبة للمغرب. وفي أرقام 1977 كان المغرب قد أصبح يخصص 346 مليون دولار للنفقات العسكرية، أي 19 دولارا لكل نسمة. وفي الجزائر كان الأمر يتعلق بـ387 مليون دولار، أي 23 دولارا لكل نسمة.

 

تطور سباق التسلح بين البلدين بعد ذلك، وفي 27 يناير من سنة 1976، سيكون جيشا البلدين على موعد مع مواجهة ثانية بينهما استمرت ليومين في منطقة أمغالا، وبعد انقشاع غبار المعركة تحدث الجانب المغربي عن مقتل 200 جندي من الجزائر والبوليساريو، وأسر 109 آخرين، وبخصوص خسائر الجانب المغربي ففي ظل عدم وجود إحصائيات رسمية، تحدث الرقيب عمر مراد الذي شارك في معركة أمغالا، خلال حوار صحافي عن مصرع 11 جندي مغربي وجرح عسكري واحد.

 

وتطور الصراع المغربي الجزائري بعد حرب أمغالا، ليأخذ أبعادا أخرى فقد أعلنت جبهة البوليساريو من خيمات تندوف بالجزائر في 27 فبراير 1976 قيام "الجمهورية العربية الصحراوية".

 

ورد الحسن الثاني على الخطوة التي أقدمت عليها البوليساريو وحليفتها الجزائر، من خلال رسالة وجهها للجيش المغربي، جاء فيها:

 

 "ومن دون أن نخفي عنكم خطورة الوضع، ومن دون أن نتجاوز الحدود في تهويل الأمر أمامكم بخصوص تطور الوضع، فقد عزمنا العقد على الدفاع بكل وسيلة ممكنة عن وحدة المملكة وضمان الأمن والهناء لشعبنا".

 

استمرار سباق التسلح

 

تشير آخر التقارير الصادرة عن المعاهد التي تهتم بالتسلح، إلى أن المغرب والجزائر يهيمنان على غالبية صفقات التسلح الموجهة إلى القارة السمراء، بسب استمرار انعدام الثقة بينهما، وهو ما يراه مراقبون بأنه أمر غير منطقي، لأن جزء كبير من موارد البلدين يوجه إلى ميدان لا يستفيد منه الشعبين، على حساب ما كان يمكن أن يوجه للخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم...

 

وللمفارقة يحتل البلدان مراتب متقدمة في قائمة البلدان الأكثر تسلحا في العالم، إلأ أنهما معا يعدان في عداد الدول المائة الأخيرة في جدول التنمية البشرية الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة للتنمية.

28/02/2017