لو حاكمنا الامور سياسيا بعيدا عن الحق الوطني المغربي في الصحراء لغرض التعرف على حقيقة المشكلة ، فلن نجد هناك من مختص او مهتم عادي في العلوم السياسية إلا ويدرك انعدام المقومات الضرورية لتشكل دولة بأي اطار من اطر الدولة كمؤسسة وكيان سياسي يحقق لسكانه ولو حدا ادنى من الرفاهية او استمرارية العيش الامن ، في الصحراء المغربية ، التي اضافة الى طبيعتها الصحراوية وقلة سكانها ، وانحسار مواردها الطبيعية ما يجعلها نموذج للدولة اللعبة التي لا يمكن ان يكتب لها الحياة دون دعم او إسناد خارجي في توفير كل الضرورات والاحتياجات التي يتطلبها وجود دولة ما ككيان سياسي قابل للحياة والاستمرار ، ما يعني وكأن المطلوب هو اقتطاع جزء عزيز وغالي من المغرب لتقديمه هبة لدولة اخرى ساندة بغض النظر عن هويتها ، عربية كانت او اوربية ، دون ان يكون هناك من ضرورات منطقية لهذه التبعية الخارجية سوى المساس بوحدة التراب المغربي ، وسيادة الدولة المغربية على كامل أراضيها ، حقدا غير مبرر على المغرب شعبا وملكا .

اذا كانت الدول الاوروببة بكل ما حققته من تطور ونماء وغنى اكتشفت منذ عشرات السنين ان الوحدة هي خيارها الافضل لمزيد من النمو والازدهار ، فماذا يعني انفصال جزء عزيز من وطننا لا تتوفر فيه اي من مقومات الدولة غير انها عملية تخريب ، وتأمر ،وحقد غير مبرر على ابناء الصحراء قبل غيرهم .

عند العودة لتجربة الوحدة الاوربية على اختلاف الاعراق واللغات بل والثقافات بين دولها ، وما جرى بينها من دماء وحروب عبر التاريخ ، تجاوزت كل هذه الفروق لتتوحد من اجل رفاهية شعوبها وازدهار اوطانها . فماذا تعني الدعوات الانفصالية لجماعات البوليساريو التي تأتي معزولة عن مسارات التاريخ العالمي ، غريبة عن المنطق والعقل ، والأخلاق ايضا ، مع الاخذ بنظر الاعتبار كل الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية التي فعلت فعلها في ترسيخ وحدة التراب المغربي وتماسكه ، اي الفروق بين ابناء شعبنا لم ترقى لمستوى ما بين الشعوب الاوربية التي اتحدت من اجل التقدم والنمو . لا تعكس او تعبر الدعوات الانفصالية إلا عن ارادة سقط متاع مسيرتنا نحو التنمية واللحاق بركب الحضارة العالمية .

ماذا يريد اذن دعاة الانفصال عن الدولة الام المغربية ،لو توفر عندهم حد ادنى من الحرص على ابناء شعبنا المغربي في الصحراء ، وهل هم حقا مشغولين بهموم شعبنا الصحراوي ، ام ان هناك ما يدفعهم من امراض نفسية ونرجسية وتطلع للعيش برفاهية وتحسين وتعزيز عيشهم الخاص وامتيازاتهم على حساب مستقبل وحرية ورفاهية ابناء شعبنا في الصحراء . خاصة بعد انكفاء مودة الشعارات الاممية والاشتراكية التي انطلق ما يعرف بجماعات البوليساريو على اساسها . فكل الوقائع العملية والمنطقية تؤكد ان من يبحث فعلا عن الرفاهية والعيش الحر الكريم لأبناء شعبنا في الصحراء تلزمهم بحشد الطاقات لتعبئهم في العمل المشترك والبناء مع بقية ابناء شعب المملكة من اجل تحقيق التنمية الفعلية التي تعود بالخير على الجميع ، وليس مشاغلتهم بشعارات ودعاوى ضالة تستنزف قدراتهم ، وقدرات البلد جميعه ، ولا تحقق اي امتياز او انجاز الا لهؤلاء الضالين في تيه خيالات مريضة.

وإذا كان هناك حدا ولو صغير من الصدق في تلك الدعوات والشعارات التي رفعها متمردي البوليساريو في حينها ، فان التطور الذي شهده العالم في وسائل الاتصال والمواصلات ، كشفت للعالم كله كذبة الظلم والحرمان التي رفعها المتمردين ، وبدا العالم يدرك جيدا حجم الحريات الديمقراطية التي تتمتع بها مملكتنا في ظل جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، ويكشف كذبات الانفصاليين ودسائسهم وتأمرهم على شعبنا الصحراوي لأغراض لا علاقة لها بمصلحة ابناء الصحراء بل هي نتاج تراكمات امراض وعقد نفسية وتطلعات نرجسية وأنانية لتحسن مستوى معيشة مجموعة من الفاشلين في حياتهم العامة ، لم يجدوا ارخص من دماء شعبنا ومصالحه ووحدة اراضيه ونمائه من تجارة يستهلكونها لجني الربح الحرام دينيا وأخلاقيا ووطنيا .

تلك حقائق ادركها ابناء شعبنا الصحراوي منذ بداية انطلاق تلك الدعاوى الباطلة ورغم مرور اكثر من 40 عاما على بدء حركتهم فكان تعبيرهم الدائم عن تمسكهم بهويتهم المغربية ، وعزلهم لتلك التوجهات المريضة والمريبة ، واستذكر هنا مقولة لسيد الانفصاليين ونبيهم لينين ، وبما معناه ( في ان حزبا سياسيا تمر عليه عشرين عام دون ان يحقق اهدافه يعني فشله وعليه ان يحل نفسه) . كان ابناء شعبنا الصحراوي في تعاملهم اليومي والعفوي افضل تظاهرة احتجاج واستنكار لتلك الدعاوى المغرضة ، التي بقيت معزولة عنهم وعن حياتهم العامة التي يعيشونها تمسكا بمملكتهم ووطنهم وشعبهم ، وشهادة لصحة مقولة نبي امام الانفصاليين.

اذا كانت بعض دول العالم قد تأثرت بالتضليل الدعائي لتلك العصابات ومن يقف ورائها ، فان مجرى الاحداث وتتابعها ، والمواقف المشرفة لأبناء شعبنا في الصحراء والسياسة الحكيمة لملكنا ، بدت تكشف حقائق الامور ، وزيف وبطلان ما يقوله مرضى الانفصال من سقط متاع مسيرتنا نحو التنمية وانجاز الاستقلال الكامل اقتصاديا وسياسيا والارتقاء بالمغرب الى مصاف الدول المكتملة النماء . فالعالم يدرك من خلال تجارب الشعوب ان مسيرات النمو تفرز احيانا هوامش من الكسالى والفاشلين وطلاب العيش الرخيص على حساب عامة الشعب والوطن ، مقتنصين فرصة هنا او هناك مما يمكن ان يعترض مسيرة التنمية من اخطاء او صعوبات ليعملوا منها قضية او قضايا لدعاوى مريضة وحاقدة على المجتمع والبلد ، والتجربة المغربية ليس استثناء .

تأتي خطوة جمهورية جزر موريس في سحب اعترافها بهذه العصبة الضالة ، لتؤكد كل هذه الحقائق ولتتوج صمود ابناء شعبنا الصحراوي على ما تعرضوا من بلوى الانفصاليين التي تهدف الى استنزاف قدرات البلد ، وخلق حالة قلقة من ضياع الامن والاستقرار لهم . فهنيئا لأبناء شعبنا الصحراوي انتصار ارادتهم الوحدوية ، وإصرارهم وتمسكهم بوحدة تراب البلد . ولا يمكن بذلك تجاوز التعبير عن الاعتزاز بالدبلوماسية المغربية التي اكدت بانتصارها هذا حسن توجهاتها ، وصحة نشاطاتها في الدفاع عن وحدة التراب المغربي .

فتحية اعتزاز وتقدير لأبناء شعبنا في الصحراء لصمودهم في مواجهة الدعوات الشاذة والمريضة ، كما هي تحية اعتزاز وتقدير ايضا لمؤسستنا الدبلوماسية على هذا النصر الذي تكللت به جهودها في عزل الجماعات الشاذة والمغرضة .

كما لا يمتلك الانسان إلا التعبير عن الشكر لقيادة جمهورية جزر موريس على هذه الخطوة التي تعبر عن وعي عميق بمسارات التاريخ العالمي وما تفرزه من شروط الاعتماد المتبادل لدول العالم من اجل ان تحقق الازدهار المشترك لجميع شعوبها ، وتعزل الدعوات الضالة والمريضة ، بل والمتخلفة ، لتمزيق الاوطان وإعادة تقسيمها على اسس واهية لا شئ يدعمها على الأرض او يبررها في الواقع إلا التوجهات المريضة الغارقة بالتشويش العقلي لدعاتها .

ان خطوة جمهورية جزر موريس ، تمثل ارهاصا الى ما نتطلع له نحن المغاربة اجمعين من مستقبل زاهر ينتظر ان يحتله المغرب افريقيا وعربيا ، للانطلاق نحو دور عالمي مميز .

لقد جاءت هذه الخطوة المباركة منسجمة مع توقعات جميع السادة المحاضرين والمشاركين في ندوة الصحراء المغربية والافاق المستقبلية التي اقامها منتدى الافاق للثقافة والتنمية في مدينة خريبكة يتاريخ 22نونبر 2013، هكذا هي تطلعات شعبنا ونخبنا في الصحراء وبقية الارض المغربية تدرك ابعاد اللعبة ونتائجها ، وتتعامل معها بعقلية هادئة ورزينة لأنها تدرك ان الحق لا يمكن ان تغطيه الادعاءات الباطلة مهما تم تزيفها وزخرفتها بالشعارات البراقة.
ياسمين الحاج

18/01/2014