1 ـ ليس غريبا أو مفاجئا أن تشتعل المقالات والخطب المدبجة المتناولة لقضايا الخلاف الفكري والهوياتي في نفس الوقت الذي اشتعلت فيه قضية الوحدة الترابية، وليس من باب الصدفة أن يتعرض للرسالة السماوية الموحدة للمغاربة في نفس الوقت الذي يتعرض فيه لأرضهم وترابهم الموحد لهم... فالصورة واحدة والفاعلون هم أنفسهم. إنها مسيرة التجزئ.

 

2 ـ قدر أن صادفت زيارتي الأخيرة للعيون زيارة المبعوث الأممي روس، وشهدت حالة الترقب التي عاشتها المدينة والمنطقة كما سمعت كلاما كثيرا عن الوطن والمواطنة وشرعية الانتماء، وعن مشاكل أبناء الوطن مع وطنهم. لكن صورة واحدة ومؤلمة تزعج المكان الرحب. صورة المينورسو يتنقلون بين الفنادق والأحياء ويتجولون بشاراتهم وقبعاتهم ويبحثون عن المعلومة ولو كانت بسيطة على شاكلة جندي المينورسو الذي ظهر على شريط في الأنترنت يحث الانفصاليين على الجهاد والقتال ضد المغرب. وفي حديثنا الدائم مع أبناء المنطقة كنا نكرر الكلام عن مصيرنا المشترك شمالا وجنوبا، ونتحدث عن أعلام انطلقوا من خيام الصحراء لتتبعهم وتسلك مسلكهم كل جهات المغرب، وحدثناهم عن وقفية الشيخ ماء العينين للجامع الكبير بوجدة، وعن زواياه المتناثرة هنا وهناك، فالتاريخ كاشف للحقائق أكثر من الدعاية الإعلامية الفجة. لكن في الحديث غصة تعتور حالة التناغم لتنقل هموم جنوب الوطن بين مطرقة التدبير السياسي والغزو الإعلامي للخصوم.

 

3 ــ من تصور للحظة أن مسألة الصحراء والجدال حول الحل المفترض والتنازع الاستراتيجي بين القوى هي مسألة سياسية فقد أخطأ التحليل، لأن الأمر يتعلق بسيناريو أكبر من المغرب ومن المنطقة والبوليساريو ليسوا إلا أكسسوارا ثانويا في مسرحية كبيرة. لذا فاستيعاب اللحظة أول شروط الفهم. فعندما كنا نقول أن التجزئ يبدأ هوياتيا وينتهي جغرافيا وسياسيا، كنا نعرف أن المخططات التي تدبر للأمة بأكملها وتجهز في دواليب مراكز البحوث الغربية لا يشكل فيها التجاذب الهوياتي إلا المظهر الشكلي. فتحت عناوين الهلال السامي والشعوب الأصيلة وحقوق الإنسان الكونية تقسم الدول والشعوب وفق خصوصياتهم العقدية أو الدينية أو اللغوية أو الاثنية. ويستدعى من التاريخ وأساطيره البعيدة والقريبة ما يفيد في إحداث الشرخ النفسي المطلوب قبل الجغرافي. والاطلاع على إعلام الخصوم وكيفية استغلاله للأرشيف الإسباني، بل وكيف يحرف أفلاما مغربية لتدل على قضاياه الوهمية، ينفع في التدليل على الأمر. ولنتذكر أن أول مهنئي رئيس الدولة الوظيفية المسماة جنوب السودان كان زعيم البوليساريو.

 

4 ـ "قربلة" البرلمان حين مناقشة الحالة الراهنة أثبتت أن ممثلي الأمة ابعد ما يكونون عن تمثل اللحظة واستيعابها. وكل السهام نزلت وتنزل على الدبلوماسية المغربية التي راكمت أخطاء في تدبير الملف. لكن الذي ينساه العديد من الناس أن ملف الصحراء صيغ على أنه ملف أزمة، ولا يستدعى المغاربة فيه إلا حين إرادة إثبات الإجماع الوطني المفترض. وفي الحالات الطبيعية يغدو ملفا أمنيا يدبر في كواليس السياسة. وربما قد تفيد الأحداث الأخيرة لإعادة النظر في طريقة تدبيره. فنقله نحو المجتمع سيكون الصيغة المثلى عبر حوار مدني فاعل وواضح وصريح، تعرض فيه كل المشاكل ودون مواربة. فالوطن الذي صالح تاريخه يمكنه أن يصالح جغرافيته. فإبقاء الملف في نطاق سياسي ضيق سيجعلنا نعيش على الدوام لعبة في يد القوى الفاعلة تستنفره حين الحاجة.

 

5 ــ تراكمات الوحدة الوطنية كثيرة وشرعنتها أكثر ملحاحية. شاركت مؤخرا في ندوة بالجامعة وفوجئت بأحد المتدخلين يتحدث عن مزايلة اللهجة الحسانية للغة العربية بل قال بأنها أسبق في الوجود على الأرض، وتحدث عن عناصر تميز الصحراء عن المغرب. ولأن الأمر لا يحتاج إلى نقاش علمي مادام الأمر مجرد شعارات، فإن تضخيم الخصوصية لدرجة الصفاء الهوياتي هي بداية انفصالية بامتياز. فمعالم الوحدة الوطنية المجسدة في الهوية المشتركة والانتماء الوطني واللغة والدين هي التي ينبغي أن تأخذ الريادة في النقاش المجتمعي بدل الردود على قادة التجزئ الهوياتي والسياسي، الذين لن يملوا من البحث في عناصر الوحدة عن سبب لاستفزاز الأمة.

فؤاد بوعلي

 

27/04/2013