تظهر أمريكا في كتابين: "لا اعتذار" عن عظمة أمريكا لميت رومني، وجرأة الأمل للرئيس أوباما الذي فاز بولاية ثانية لمواصلة تطبيق عقيدة واستراتيجيا "خاصة" في الأمن القومي الأمريكي، نظر إليها الجمهوريون من انتقاد سياسات الولايات المتحدة اتجاه هندوراس واندونيسيا، لأن ربيعا آخر يريده رومني يضمن عظمة بلاده، وانفتاح الأسواق في مقابل ربيع عربي، قرر أوباما أن يدعمه باسم الأمل، ونجح في شمال أفريقيا في ثلاثة دول قبل أن يتجمد على جوار إسرائيل في سوريا وتديره الأمم المتحدة باليمن على جوار الخليج النفطي.

 

يرى الجمهوريون "ربيعا" مختلفا عن ربيع أوباما لكنه يجسد في الحالتين قوة CIA وبناء الجيش "دولة في الدولة" للوصول إلى أهداف الانتقال، وتمكين باقي الجيوش في الدول التي لم تر الربيع بعد، من نفس المهمة... خطة جاهزة في باقي دول شمال أفريقيا، وقراءة رومني للتحول في الجزائر والمغرب، لا يخرج عن نفس الحسابات ومن واقع هذه

 

التحولات:

 

أ ـ سيفقد المغرب بوصول سوزان رايس مكان هيلاري كلينتون الكثير في الصحراء "الغربية" كما سيخسر النظام المغربي "أوليغارشيته" إن قاد جون كيري دبلوماسية بلاده، وبتجديد الأمريكيين الثقة في أوباما يعود التركيز إلى أفريقيا ( شمال مالي ـ الصحراء "الغربية" ) لسبب نفسي وجيوسياسي لانتساب جذور كل من الرئيس ورايس إلى هذه القارة، ولثقة الديمقراطيين في إدارة الجيوش دولا زاحفة إلى الديمقراطية، والجيش المغربي مساهم قوي في تسريع الحل في الصحراء، ودعم الديموقراطية، ولا تختلف هذه القدرة عن باقي جيوش دول الربيع العربي.

 

ودفعت هذه الخلاصة الجوهرية لكل المراكز والأجهزة كلا من رومني وأوباما إلى الاقتناع بها والدفاع عنها، لأن تحول هندوراس وأندونيسيا، في نظر رومني، وتحول القاهرة وتونس العاصمة لا يختلف فيهما معطى واحد: الجيش الذي يكون قويا وحليفا ينقل الدولة إلى الديمقراطية بأقل الخسائر.

 

ب ـ الرباط تدخل حوارا استراتيجيا مع واشنطن والتعاون الأمريكي الدفاعي مع جيش المملكة المغربية يزيد عن "حاجة الدفاع" إلى التعاون في صناعة مصير ومستقبل المملكة الثانية، واليوم لا يمكن لأمريكا سوى المرور عبر المزيد من التعاون للوصول إلى الحل في الصحراء، ودعم الانتقال الديموقراطي في دولة ترغب في حل ما تدعوه وحدتها الترابية عبر الديموقراطية ؟

 

ج ـ سيعيد الحل في الصحراء تأويل الدستور الذي كتبته سلطة الملكية، وبشكل استراتيجي يمكن أن يتحرك المغرب باتجاه آخر، أكثر تعاطيا مع الرؤية الديموقراطية والمؤسساتية، فما يواجه المغاربة والخارج وجود تحالف تقليداني بين القصر وحزب العدالة والتنمية، حيث يقف بن كيران إلى يمين الملك في قضية الصحراء، وفي غيرها من الملفات الكبرى، ويحاول أن يكون دائما إلى جانبه في تصريحات إعلامية مكررة حول تميز علاقات الطرفين.

 

وليس هناك فرصة أكبر من حالة التشدد التي يبرز عليها الطرفان لتقدم المجتمع الدولي نحو تسريع الحل في الصحراء والدمقرطة في باقي المغرب في آن واحد.

 

في كتاب رومني يتحدث عن وسيليتين لانجاز أي تحول في دولة أخرى، عبر السوق وتعاون السي آي إيه مع الجيش في الدولة التي نريد تغييرها، والمغرب يعيش الحالتين معا: اتفاق تبادل حر ( يمكن عبر دخول 3 شركات كبرى إدارة التأثير ) ووجود تعاون عسكري بين الجيشين المغربي والأمريكي، وإن حاول البعض عزل CIA عن العاملين بتقاعد لعنيكري، فإن القدرة على التغيير ممكنة، وفي كلمة مختصرة لمدير السييا في أندونيسيا: جوزيف لازارسكي J.Lazarsky: وصلنا إلى حدود سمحت بها السلطات بأن نقتل... ( كتاب تشومسكي، سنة 501، صادر في كمبردج 1999 ).

 

د ـ أن أوباما مقتنع بحل "تيمور الشرقية" في الصحراء "الغربية"، ونقلت هذه المعلومة أكثر من جهة، فسهارتو قبل أن يقايض عدم ديموقراطيته باستقلال هذا الإقليم، لم يرفض أن يستثمر الجيش رغبة الشعب في الديموقراطية، ويقود انتقال الدولة.

 

إن وجود مثل هذه القناعة خلف استراتيجية تسريع الحل في الصحراء "الغربية" سيؤثر، بلا شك، في التصور النهائي والدائم للقضية التي تديرها "توليفة أمنية" ترفض أن تعزل الصحراء "الغربية" عن شمال مالي، وتقرأ غرب أفريقيا كتلة جيوسياسية واحدة... بعد الاقتصاد تحضر الجيوش لحماية الدول واستمرارها لأن المهم في لفظ رومني: فتح الأنظمة على الحداثة من أوسع الأبواب، وليس بالضرورة من أضيقها.

 

من المؤكد أن رومني، لو وصل إلى البيت الأبيض، لقسا أكثر على المغرب، ببساطة لأن الجمهوريين أسقطوا من حسابهم مقولة بوش التي نقلها بولتون: سيكون الحل في الصحراء بما لا يدفع إلى إسقاط النظام الملكي في المغرب، واليوم، هناك تطرف في نظرتهم، عندما يريدون من CIA أن تصنع الجيوش دولا في الدول لتسريع انتقالها إلى الديموقراطية.

 

ونعرف أن خطيئة العراق لم تكن سوى: حل الجيش، ولو بقي لانتقلت الدولة سريعا إلى الديموقراطية، لكن الأمريكيين فضلوا عدم الانسحاب، وبعد تدخلهم في أي دولة، تعيش التحولات أجزاء مرنة أو حادة، لكنها مركونة إلى القدر الشعبي واختيار الجيش في أي لحظة.

 

رهان أمريكا على الجيوش للقضاء على تنظيم القاعدة، وإدارة المراحل الانتقالية رهان كبير، والجيش الجزائري بعد بوتفليقة "سيفاجئ الكثير من الملاحظين"، ولذلك لا يريد أن يدعم أويحيى أو سلال أو أخ الرئيس، ورغم سعي حزب جبهة التحرير إلى الوصول إلى صفقة، حيث أبلغ الجيش الأمريكيين برفضها، لا يرغب العسكر سوى في إدارة "خطة ديموقراطية" لا تقل عن المصريين، وتسلم السلطة لرئيس مدني، تقول إحدى التقارير: إن آخر رئيس دولة من الجبهة أو حليفها أو قريب منها، هو عبد العزيز بوتفليقة، والولايات المتحدة تعرف جيدا أن وضع ثقتها في الجيش الجزائري سيكون هاما لثلاثة رهانات:

 

ـ الحل في الصحراء "الغربية" بما يناسب تقاطع أمن الساحل والصحراء الكبرى وغرب أفريقيا.

 

ـ الحل الديموقراطي الشامل والكامل في البلد، حيث سيسمح الجيش بإدارة انتخاب جمعية تأسيسية لدستور جديد وتمكين الشعب من رئاسيات تعددية تصل برئيس مدني إلى قصر "مرداية".

 

ـ الحل في شمال مالي.

 

هذه التقديرات المفتوحة من داخل دول الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا، لا تقبل أن تبقى الجزائر "غير مكتملة المسار الديموقراطي"، وأن تكون وحدها بين خمس دول "أقل نضجا" في تدبير الشعب لمؤسساته.

 

إن وعود الجيش الجزائري للأمريكيين وهولاند "هامة وفعالة" في تغيير باقي وجه أفريقيا، وهو ما سيحاصر المغرب، الذي يرغب في التقدم نحو الديموقراطية دون إعلان ملكية ثانية يسود فيها الملك ولا يحكم.

 

وتعرف الجزائر أن تقدمها الديموقراطي سيحاصر جارها المغربي، ويكرس حل الاستفتاء في الصحراء "الغربية".

 

يقول تقرير أمريكي، إن تجاوز تأثير البيروقراطية العسكرية في قرارات الدولة "مهم وحاسم" فيما يقر آخرون: نهاية آخر جنرال عرقل انتخابات بداية التسعينيات، وأن الجنرالات الجدد يرغبون في نقل بلدهم إلى مستوى مصر، وباقي الدول الخمس في الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا.

 

وفي المغرب، لا تزال المبادرات السياسية مكثفة وفي نفس الوقت غير مؤثرة بما يكفي لتراجع "البيروقراطية الأمنية"، مما يعني فرض المزيد من الضغوط للوصول إلى أهداف متقدمة في دمقرطة المملكة أو تسريع الحل في الصحراء في فك ارتباط ناجز بين المسارين.

 

وتعمل الجزائر على ترك المفاجأة التي قالها بنصالح لكارتر هام، إلى وقت يكون فيه التقدم سريعا لدفن الثورة الأولى مع بوتفليقة وإعلان ثورة ثانية يسلم فيها الجيش إلى الشعب حريته وقراره واختياره.

 

وفي ضغط أوباما على الرباط ما يفيد القول: لا يجب أن يتأخر المغرب عن الدورة الجديدة التي تؤهل جارته الجزائر وباقي شمال أفريقيا، نحو عصر آخر، وللحفاظ على النظام الملكي لابد من دمقرطته أكثر، للمزيد من الحياة والاستقرار.

 

وخلاصات السياسة الأمريكية في شمال أفريقيا لا تزيد عن:

 

ـ فسح الأجواء لطائرات بدون طيار والرحلات القتالية عبر تراب الدول الحليفة.

ـ القضاء على جيوب القاعدة في شمال مالي والساحل.

ـ القدرة على تسهيل المفاوضات بين المغرب والبوليساريو.

 

ويتساءل المراقب، لماذا روس الذي زار المنطقة أخيرا لم يتمكن من مناقشة تسهيل حوار جزائري ـ مغربي على مستوى القمة ؟

 

قد لا تكون الرسالة موجهة سوى لأحد أمرين:

 

ـ إدارة واشنطن لحوار استراتيجي بين أمريكا والمغرب والولايات المتحدة والجزائر، وفي لحظة متقدمة قد تعلن واشنطن عن جلسة حوار ثلاثية بين المغرب والجزائر وأمريكا لتحقيق أجندة مباشرة ومحددة.

 

والواقع أن ما يتمناه المغرب هو طرح قضية الصحراء "الغربية" في مثل هذه الجولة، ولا تريد الجزائر غير التطور في مسلسل استراتيجي تكون هي مركزه بين منطقتي الساحل والصحراء وغرب أفريقيا وشمالها في توازنات تطمئن لها على صعيد القارة السمراء، لأن المهم أن يتطور الحوار الجزائري ـ الأمريكي إلى مثيله الأمريكي ـ المصري، وأن تدخل العلاقات في أجواء نفس أبواب التعاون بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة، وبالتأكيد لا يبذل هذا التصور الجزائري جهدا سوى في "عزل المغرب" عندما تتقدم الشراكة بين دول الشراكة الجديدة والولايات المتحدة.

 

وتضغط إدارة أوباما باتجاه إدخال الجيش المغربي في أي حوار إقليمي لرفع العزلة عنه، وتمكينه من لعب دور في بلاده وعلى الصعيد الإقليمي.

 

ووصول الأمريكيين إلى محاورة الجيشين: الجزائري والمغربي على طاولة واحدة قد يسبق في مفعوله أي حوار مع أي جهة كانت، وقد يترسخ منه الانتقال إلى حل في الصحراء "الغربية" والديموقراطية في كل المنطقة، كما سيسعف في تأمين "الوضع" واستقراره.

 

في سنة واحدة أطلقت إدارة أوباما الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبين كل من الجزائر العاصمة والرباط، وتستطيع أن تمدد إدارة أوباما وفي أي لحظة، لائحة الأهداف خارج فصل مشكل شمال مالي عن الصحراء "الغربية".

 

وعلى الرغم من وضوح الغاية الأمريكية فإن توسيع ديناميكيتين ديموقراطيتين اتجاه غرب المغرب العربي واتفاق التبادل الحر من المغرب إلى شرقه يتجاوز على سبيل الدقة، كل ما تريده الولايات المتحدة في هذه الفترة، لأن من المهم بالنسبة إليها:

 

أ ـ إطلاق حوار استراتيجي مع شمال أفريقيا، لوجوده مع مصر والمغرب والجزائر وليبيا وتونس، لكن بلورته في سياسة واحدة شئ جوهري ورئيس.

 

ب ـ فتح الحوار الأمريكي ـ الأفريقي على شمال أفريقيا، وتأتي معالجة مشكل شمال مالي، لبنة في هندسة أخرى بين مواقع متقدمة لغرب أفريقيا وشمالها، وبين دول الساحل والصحراء والمغرب العربي.

 

ج ـ تقديم الحوار الأمريكي مع دول الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا على غيره من الحوارات مع دول متفردة، أو أن الاتجاه سيعود إلى طرح سوزان رايس والقاضي بضرورة تقدم الحوار بين بلادها والاتحاد الأفريقي، لكن جنوب أفريقيا بعد اختيارها لدول الشراكة، خلطت بعض المواقع، وقررت مع الوضع الجديد "تكثيف الحوار الاستراتيجي مع القارة السمراء" انطلاقا من أقاليمها قبل إطلاق استراتيجية واحدة اتجاه كل القارة.

 

د ـ السماح للبنتاغون بخوض "حوارات متقدمة" إلى جانب الخارجية لوضع الجيوش في مقدمة أي حوار قبل إجراءه من طرف السياسيين، فأوباما منح وزارة الدفاع ما لم يكن لها في فترة بوش، مما ينذر بأن أمريكا في المرحلة الثانية لإدارة أوباما قادرة على إدارة الضغوط بكفاءة عالية، لا يمكن للمغرب أن ينجو منها، وظهرت خسارة الرباط في شد الحبل حول كريستوفر روس، لكن في اتجاه إيجابي: إطلاق حوار استراتيجي لشراكة متقدمة بين البلدين.

 

21/11/2012