خرج المغرب سالما من آخر "معركة" له داخل أروقة مجلس الأمن بعد أن تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية، بمسودة لتوسيع بعثة الـ "مينورسو" لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء.

 

بعد أسبوع عاصف استنفر فيه القصر كل أسلحته، وعلاقاته الشخصية، من أجل صدور قرار من مجلس الأمن لا يتضمن أي مهمة جديدة لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء، ظهر جليا أن هناك أعطابا كثيرة في العقل الأمني والدبلوماسي للدولة المغربية، جعل الولايات المتحدة تقدم مسودتها إلى مجلس الأمن من أجل مناقشتها والتصويت عليها. الدولة المغربية، وبكل أجهزتها بدت في حالة شرود فاضح بعد أن تمت الاستكانة إلى قاعدة أن المغرب "صديق" للولايات المتحدة الأمريكية الذي لا يمكنها أن تفرط فيه برعونة، قبل أن يفاجأ المغرب الرسمي بسوزان رايس تقلب عليه الطاولة، مرة واحدة وتعيد أقدامه إلى الأرض مذكرة إياه بأنه في السياسة لا توجد صداقات دائمة، كما لا توجد عداوات دائمة.

 

المسودة الأمريكية التي تم تقديمها إلى مجلس الأمن لتوسيع مهمة بعثة المينورسو لتشمل حقوق الإنسان، بيّنت إلى أي حد أصيبت الدبلوماسية المغربية بـ"الترهل"، مع المحدودية الرهيبة التي تعاني منها في وضع المغرب على الخريطة السياسية العالمية، من أجل الدفاع عن المصالح العليا للبلاد والتخفيف على الأقل من متاعب المسامير المؤلمة التي مازالت توجد في حذاء المغرب، مثل قضية الصحراء، التي ارتكبت فيها أخطاء قاتلة خلال السنوات القليلة الماضية.

 

الملف الحقوقي الذي استندت إليه المسودة الأمريكية، ويضغط به البرلماني الأوروبي، اليوم، على المغرب من أجل تجديد اتفاقية الصيد البحري، كان نتاج أخطاء ارتكبها العقل الأمني للدولة، مع الارتجال الدبلوماسي في التعاطي مع ملف الصحراء، أمنيا وحقوقيا.

 

أولى هذه الأخطاء، ظهرت في 13 نونبر من سنة 2009، حينما رفضت السلطات المغربية، السماح للناشطة الانفصالية، أميناتو حيدر، التي تدافع عن استقلال الصحراء عن المغرب، بالولوج إلى التراب المغربي، بداعي أنها لم تملأ في استمارة الدخول بمطار العيون على أنها تلج إلى المغرب، وكتبت بدلها "الصحراء الغربية". استفزاز اميناتو حيدر للسلطات المغربية، جعل الرباط، تعيدها في نفس الطائرة القادمة من جزر الكناري، حيث أبعدت الناشطة الانفصالية إلى مطار "لانثاروتي" بالجزر التابعة إلى السلطات الاسبانية، لتبدأ حيدر إضرابها المفتوح عن الطعام، الذي ادخل المغرب في مواجهة مع المنظمات الحقوقية العالمية بشكل مباشر، جعل موقف الرباط ضعيفا جدا، كما طفا على السطح التوتر الواضح في العلاقة المغربية الاسبانية، بسبب إضراب اميناتو حيدر عن الطعام فوق أراضٍ تابعة لإسبانيا، وهو ما لم تتحمله مدريد بعض كل الضغوط الذي كانت تلاقيها، من الجمعيات الحقوقية، والإعلام الاسباني الذي لا يُكّن ودّاً كبيرا للرباط.

 

وبعد أزيد من شهر عن نشوء أزمة ملء "الاستمارة الغبية" كما وصفها الإعلام المغربي، حينها، والتي مازالت تملأ في المطارات المغربية إلى يومنا هذا، عادت أميناتو حيدر إلى المغرب عبر مطار العيون بعد تدخل شخصي للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، وبضغط من اسبانيا، والجمعيات الحقوقية، والإعلام الدولي، بعد أن ملأت استمارة الدخول و"دوّنت" فيها أنها تلج إلى التراب المغربي.

 

ورغم ما اعتبره المغرب "نصرا" لوحدته الترابية، فإن الأضرار التي نجمت عن منع أميناتو حيدر من الدخول إلى المغرب بسبب "الاستمارة الغبية" التي يجب ملؤها في المطارات المغربية، جعل المنتظم الدولي يتعاطف بشكل كبير مع الانفصالية الصحراوية، كما بدأ الاهتمام في الإعلام الدولي يتزايد بقضية الصحراء، هذا في الوقت الذي كانت فيه قضية حيدر منعطفا حاسما في بدء العداء "الأبدي" بين الرباط والمنظمات الحقوقية التي زادت من اهتمامها في مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، بعد أن فشلت الدبلوماسية المغربية، في تسويق القضية بشكل إيجابي سواء على المستوى الإعلامي أو الحقوقي أو عند صناع القرار الدولي.

 

وبعد حادثة أميناتو حيدر، استمرت الدولة في ارتكاب الأخطاء المتوالية في تدبير ملف الصحراء. ففي سنة 2010، وبالتحديد ما بين شهري أكتوبر ونونبر، "تكاسل" العقل الأمني للدولة، وتداخلت الصراعات الحزبية الضيقة في الصحراء، لتكون النتيجة مخيم إكدير إيزيك الذي نصبت فيه المئات من الخيام خارج مدينة العيون، وتجمع فيها المواطنون البسطاء مع الانفصاليين الصحراويين المدججين بمختلف الأسلحة البيضاء والعبوات اليدوية الصنع، لتكون النتيجة بعد محاولة الدولة تفريق المخيم في الـ من نونبر 8 نونبر 2010، هي 11 قتيلا في صفوف قوات الأمن٬ و70 جريحا من بين تلك القوات، إلى جانب خسائر مادية كبيرة في المنشآت العمومية، والممتلكات الخاصة بمدينة العيون.

 

وفي الوقت الذي كان رجال الأمن المغاربة يذبحون من طرف الانفصاليين بطريقة مستفزة للمشاعر الإنسانية، كان رجال الدرك الملكي يصورون عمليات القتل ببرودة دم من الطائرات المروحية، لتثبت الدولة المغربية أنها بريئة من أي عملية خرق لحقوق الإنسان أثناء تفريق المعتصمين في مخيم إكديم إيزيك. وكأي تلميذ "كسول" لم يعرف كيف ينجز دروسه، هرول وزير الداخلية المغربي، حينها، الطيب الشرقاوي، إلى العاصمة الاسبانية ليبرئ ذمة الدولة المغربية، بعد أن عقد ندوة صحفية بإقامة السفير المغربي بمدريد، ليتحدث عن أن الميلشيات التي كانت في مخيم إكديم إيزيك تشبه "العصابات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء ودول أخرى".

 

وعوض أن يعكس المغرب الصورة الإجرامية للانفصاليين في تلك الأحداث ويقدم للعالم طبيعة من يريدون الانفصال والطريقة البشعة التي ذبح بها رجال الأمن المغربي، وكيف تم التبول على جثثهم، وجد المغرب نفسه، مرة أخرى في وضع لا يحسد عليه، بفعل ارتجاليته في العمل الدبلوماسي، وقصوره الأمني الواضح في تلك الأحداث. بل أكثر من هذا فقدت الدولة هيبتها في تلك الأحداث بعد أن ذبح الانفصاليون رجال الأمن المغاربة بكثير من الوحشية أمام زملاء لهم ظلوا يلتقطون الصور للجناة.

 

وعوض أن يجعل المغرب من أحداث إكديم إيزيك ورقة حقوقية كبيرة ليدافع بها عن نفسه، ويعكس صورة الانفصاليين كما ظهرت مصورة في تلك الأحداث، وجدت الدولة المغربية نفسها في حرب صور مع الإعلام الاسباني، بعد أن بدا قصورها واضحا في خلق قنوات تواصل معه، كما اشتغل العقل الأمني بطريقة "بليدة" حينما رفض السماح للعديد من الصحافيين الأجانب دخول مدينة العيون، حيث كان من المفترض أن تضعهم الدولة المغربية على حقيقة الأحداث وسياقها، وتتركهم يشتغلون دون قيد بدل المنع الذي فُسر بعدها بأنه إخفاء لـ "انتهاكات حقوق الإنسان في حق الصحراويين العُزل"، وهو ما جعل المغرب يخسر مرة أخرى معركته الإعلامية والحقوقية، وحتى الأمنية، ويزيد من تراكم الأخطاء التي كان المنتظم الدولي يراقبها من بعيد.

 

انتهت قصة إكديم إيزيك ليبدأ فشل آخر. الخميس 17 ماي 2012، أعلن المغرب، رسميا، سحب ثقته من المبعوث الشخصي للأمم المتحدة، كريستوفر روس، وذلك في بلاغ تلاه وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، بسبب ما وصف حينها بـ"انزلاقات روس" كمبعوث أممي.

 

الإعلان الرسمي عن سحب الثقة في روس، قابله تعبئة كبيرة من طرف الدولة للأحزاب السياسية من أجل السير في الاتجاه نفسه، غير أن الضغوط التي تعرض لها المغرب فيما بعد من طرف الإدارة الأمريكية، التي رفضت تغيير روس كمبعوث للصحراء، ورفض الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون تغيير مبعوثه، جعل المغرب يرضخ للواقع، ويضطر لاستقبال روس من جديد كمبعوث شخصي لأطول نزاع في القارة السمراء.

 

غير أن سحب الثقة في السفير الأمريكي السابق لدى الجزائر لم يكن ليمر بدون تداعيات تذكر. فقد حمل روس خيبت أمله، وترجمها بشكل واضح حينما أكد للنائبة البرلمانية المغربية، أمينة ماء العينين، على هامش ندوة بالأمم المتحدة "أن المغرب أخطأ حين رفض الاستفتاء على الصحراء". رد المبعوث الشخصي للأمم المتحدة كان صريحا لرؤيته المستقبلية لنزاع الصحراء، بعد أن "لطمه" المغرب حينما سحب الثقة منه، قبل أن يتبث في منصبه بقوة الضغط الأمريكي، ليستقبل من جديد من طرف وزراء حكومة ابن كيران، ومن الملك شخصيا، قبل يتوجه إلى العيون والداخلة.

 

لكل هذا وأشياء أخرى، كان من الطبيعي أن يصل المغرب إلى مرحلة "الإحراج الكبير" بعد أن قدمت مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية، سوزان رايس، مذكرة تطالب بتوسيع صلاحيات الـ"مينورسو" لتشمل حقوق الإنسان، قبل أن تعمل العلاقات الشخصية، للقصر، على إطفاء نار كانت لتأكل الأخضر واليابس وتشكل منعرجا خطيرا في ملف الصحراء المغربية، وكل ذلك بسبب أعطاب كبيرة في العقل الأمني والدبلوماسي المغربي.

هسبريس ـ خالد البرحلي

 

28/04/2013