أسئلة لمحاولة الفهم:

 

1- هل تمة "تحول" في الموقف الامريكي ؟

 

الجواب: نعم ولا.

 

نعم على المستوى التاكتيكي التدبيري والظرفي.. 

ولا، على الصعيد الاستراتيجي. ذلك لأن كل المعطيات تؤكد ذلك.

 

1-منذ ضغطت أمريكا على المغرب لتدويل القضية وإبعادها عن محيطها الإقليمي-العربي والإسلامي. أضحت بذلك ورقة في يدها عن طريق مجلس الأمن. تحركها أو تجمدها حسب الظرف وحسب المصلحة... وهذا بالمناسبة هو سر التحفظ بل والرفض الاتحادي حينها(عبد الرحيم بوعبيد)

 

2-منذ ذلك الوقت، استثمرت امريكا المسألة في ابتزاز مزدوج لإدارتي الدولتين من جهة، والاستنزاف السياسي والحقوقي لأوربا وتعميق تناقضاتها (فرنسا-إسبانيا) وصفقات التسليح للبلدين، بما فيها غير المباشرة (عن طريق تركيا للجزائر) وكذلك الدعم المغربي للإسلاميين الجزائريين والعكس....الخ، فضلا عن دور المغرب في تسويق "التطبيع" مع الصهيونية و"السلام" مع الكيان الغاصب. وذلك دون مقابل في الصحراء حسب الوعد الأمريكي – الصهيوني الكاذب؟

 

3-تعطيل الاستغلال الأمثل لثروات الصحراء من قبل المغرب... لإضعافه من جهة، وأيضا لاستمرار تحكمها في التقسيم الدولي لأسواق العمل الذي تشرف عليه وتتحكم فيه لمصلحتها.

 

4-لا يمكن لأمريكا أن تسمح لبلد ثالثي عربي ومسلم.. أن تكون له ثلاثة آلاف وخمسمائة كلم شواطئ، ومتصل بإفريقيا جنوب الصحراء مباشرة...إلخ.خاصة وأن البلد له تاريخ إمبراطوري متميز وذلك منذ تأسيسه كدولة. وإذا كان حكامه اليوم موالون، فحتمية المسار الديمقراطي ستسمح بأمرين:

 

أ-حكام جدد قد يكونون مختلفين وربما مقاومين.

 

ب-تقدم اقتصادي-اجتماعي منافس لهم، نظرا لتوفر المؤهلات والموارد.

 

5-إن الاتجاه العام لأمريكا هو تفكيك الكيانات والدول واستضعافها بما في ذلك في أوربا نفسها (يوغوسلافيا) فما بالك بغيرها (أفغانستان-الصومال-العراق..إلخ)

 

6-تعتبر جبهة بوليزاريو حركة "التحرير" الوحيدة التي تعترف بها أمريكا، وتسمح لها بوجود سياسي وإعلامي في أراضيها(؟!)

 

7-لو كانت لأمريكا إرادة سياسية حقيقية لحل المشكل... لأنجزت ذلك منذ وضع بين يديها عن طريق مجلس الأمن الذي كانت تتحكم في قراراته بشكل مطلق.

الخلاصة: لم تكن أمريكا مضطرة تكتيكيا للإفصاح عن نواياها الحقيقية مادام هنالك آخرون ينوبون عنها في ذلك (إسبانيا-الجزائر...) وهذا هو الجديد اليوم.

 

2 - هل هو موقف جديد حقا ؟

 

إعلاميا وفي الظاهر، نعم.

 

أما الحقيقة التي يعرفها المسؤولون والمتابعون وطنيا وعالميا، فتؤكد أن ثمة ما لا يحصى من القرائن والإشارات التي تؤكد أن حبكة مخيم "اكديم ايزيك" الجزائرية... كانت بتنسيق مع أمريكا.

 

أ-لقد استخلصت الإدارة الجزائرية منذ زمن، أنها انهزمت في المسألة على جميع المستويات:عسكريا بالجدران / اقتصاديا بالتنمية / اجتماعيا بالاندماج المتواصل/ ودبلوماسيا، خصوصا بعد حكومة 1998... فلم يبق أمامها كمدخل سوى ثغرة ما يسمى بهتانا ب"حقوق الإنسان" والقوانين الدولية التي ترعاها.

 

ب-لقد بلغت منافسات وصراعات الحرسين القديم والجديد في إدارة الدولة..عندنا درجة سيكون من الغباء عدم استغلالها من قبل الخصوم والأعداء... وللأسف فلقد كان ظهورها وانفجارها في الجنوب أوضح وأفضح... وذلك منذ الإشارات والتصرفات المشبوهة للوزير الأسبق في الداخلية (البصري) في الموضوع، بل وفي الصحراء نفسها.

 

ت-لم تكن ظاهرة استيراد المخيمات بالمئات ولا شراء الأسلحة البيضاء وقناني الغاز الصغيرة في الصحراء بالأمر الذي يخفى على عيون السلطات فضلا عن النزوح والهجرة الجماعية للساكنة نحو المخيم. ما كان خفيا هو معرفة المقاصد من كل ذلك خاصة من قبل السلطات المحلية الفاسدة و/أو الملغومة.. والمتنازعة على النفوذ والغنيمة.. فضلا عن ذلك.

 

ث-بكفاءة وطنية وبمساعدة أوروبية، تم اكتشاف المخطط ووقع إجهاضه لذلك، خاصة وأن الأجهزة الأمنية، كانت مطلعة مسبقا على تجربة أمريكا اللاتينية في (السلفادور) فضلا عن تجاربهم (أمريكا) الأخرى الأنجح في أوروبا الشرقية،حيث وظفت تحركات مدنية، سلمية وحقوقية مدبرة...لتحقيق أهداف سياسية انقلابية أو انفصالية-تقسيمية(تشيكوسلوفاكيا).

 

كان المخطط هو تتويج الاعتصام بتظاهرة في محيط المخيم، يدفع إلى تصدرها النساء والأطفال ثم يعمد مندسون (=بلطجة) إلى تفجير القناني وذبح وجرح "ضحايا" من المواطنين (=الصحراويين) وتنطلق عالميا ضجة إعلامية (تلفزية /اسبانية) تظهر "جرائم" السلطة المغرية في صور مفبركة سلفا (بثت بعضها التلفزة الإسبانية نقلا عن جرائم إسرائيل في لبنان.). ثم تتم الدعوة لاجتماع طارئ لمجلس الأمن، يطرح فيه قرار توسيع صلاحيات المينورسو، لتشمل موضوع "حقوق الإنسان" الصحراوي المنتهكة، وتحرج لذلك فرنسا، فلا تستطيع استعمال حق النقض، تماما كما صنع لاحقا لروسيا والصين في الإخراج اللاحق لنفس السيناريو في ليبيا. ولم ينجح لذلك لاحقا في سوريا.

 

ج-تمكن الأمن من اكتشاف الخيم المخصصة لتخزين القناني والأسلحة البيضاء (من بين الآلاف) وأفرغها من مخزونها وعندما أمرت السلطة قوات الأمن بالهجوم على المخيم لتفكيكه، قررت أن يتم ذلك دون ان يكونوا مسلحين. ولذلك أسقط في أيدي الانفصاليين المندسين، حين لم يجدوا سلاحا يستعملونه.. فاستعملوا السيارات في الدهس والحرق في العيون... وبذلك انقلب السحر على الساحر وخسر الخصوم والأعداء الأموال والجهد والزمن... وفشل المخطط ظرفيا وتأجل إعادة إنتاجه زمنا.

 

ح-ولأن السياسة العامة الخارجية لإدارة الدولة المغربية تقتضي عدم الاصطدام مع القوة الامبريالية الأمريكية، ولأنها أبدا تحتمي بفرنسا وتتوسل مع أمريكا بتوسط الأشقاء في الخليج والأخوة اليهود والأصدقاء في "اللوبيات" الأمريكية... ولأنها لا تستطيع الكشف عن تناقضاتها الفاضحة والانتهازية في الإدارتين المركزية والمحلية.. فلقد حولت الموضوع إعلاميا إلى صراع ين حزبين؟ والحال أنه في الصحراء لا يوجد إلا حزبان: الإدارة من جهة، بأسماء حزبية متعددة والانفصاليون(؟ !)

 

خلاصة: الإخراج الحقوقي-المدني الذي فشل في الصحراء بسبب الدعم الامني الأوروبي للمغرب، هو نفسه الذي استنسخ بنجاح نسبي وربما مؤقت في كثير من ساحات "الربيع العربي".

 

3. هل الموقف الامؤيكي سيادي، أم هو فقط انعكاس لتااقضات في الادارة الامريكية؟

 

سنغض النظر عن كثير من الظواهر والقرائن، لأنها للأسف موضوع خلاف داخلي، (ولا أقول وطني)، وهو ما ينعكس عن المنافسة الامريكية بل وصراعها ضدا على النفوذ الاوروبي في المغرب وما تعتبره احتكارا اوروبيا لأسواقه(فرنسا-اسبانيا-ألمانيا) في سياق ذلك، تسربت (أمريكا) وما تزال الى قطاع الصحافة وعموم ما يسمى بالمجتمع "المدني" وأدخلت أصابعها في تحريف حركة 20 فبراير قبل انسحابها المفاجئ من دعمها(موقف الجزيرة) وذلك حالما استجيب لمطالبها في الدستور(الحكامة) أو بعض القطاعات الانتاجية(الزيوت-بيمو....واخيرا السكر) وذلك في انتظار التصريح لبنوكها "الاسلامية"(مؤقتا وانتقاليا يقع الحديث عن سندات وصكوك اسلامية) والبقية آتية لا شك فيها.

 

أ‌- نكتفي لذلك عند حالة الوسيط "الأممي" (=الامريكي) روس.

 

لقد تيقظت السلطات العليا وأرهفت دبلوماسيتنا قرون استشعارها ...فاكتشفت لذلك ما كان مكشوفا إلا على أعمى البصيرة.لم تعد تقارير روس واتصالاته.."محايدة" ولا ملتزمة بحدود مهمته،بل أضحت منحازة..عندئد اتخذ المغرب الموقف الوطني الوحيد المطلوب ألا وهوم الطعن في صدقية "الوسيط"، والمطالبة من تم بتغييره، كان القرار سياديا فأوقف المهزلة وارتبكت امريكا.

 

هذا الحدث يعتبر أهم حجة على الذين يحاولون إرجاع الموقف الامريكي الى:

 

أ‌- تناقضات في صفوف الحزب الديموقراطي/ب التصرف الشخصي للمندوبة الامريكية رايس/ت التغيير في الادارة الامريكية بذهاب كلينتون ومجيئ كيري بديلا عنها.

جديد الموقف إذن هو في طابع الاستعجال في تنفيذ المخطط وليس في تغيير الموقف.

 

ما يؤكد سوء القصد الأمريكي لاحقا، هو تشبث الإدارة الأمريكية باستمرار روس في مهمته، وذلك بتبريرات أكثرها غير مقنع، والضغط من أجل ذلك بالاتصال بالسلطة العليا المغربية للتراجع عن القرار وذلك عن طريق تطمينها الذي اتضح اليوم أنه كان خادعا.

 

إن ما يرجح هذا الطرح أكثر، أن الأمريكيين نصحونا بالتعجيل في تنفيذ اتفاقية باريس وذلك بتأسيس مجلس وطني لحقوق الانسان يعوض الاستشاري ويوفر استقلالية وصلاحيات وحضور اقليمي...يمكن المغرب الدبلوماسي من الدفع بعدم الحاجة الى توسيع صلاحيات المينورسو ما دامت هناك مؤسسة مدنية مختصة في الموضوع تحترم "المعايير الدولية"، ذلك كان قبيل اجتماع مجلس الأمن حول الموضوع واحتمال طرح مسألة حقوق الانسان في الصحراء (2011).

 

ب‌- يجب الانتباه أيضا الى هذا التلازم في التوقيت يين الموقف الامريكي "المفاجئ" وبين الأزمة المالية الطارئة على الاقتصاد الوطني. فهل بين الحدثين علاقة؟ خاصة وأن مفاتيح اقتصاديات السوق المعولم تتحكم فيها المصارف والأبناك الأمريكية التي تتلاعب باقتصاديات دول عظمى، وأحرى حالتنا، قرينة ذلك المشابهة ما تعانيه دول مثل مصر وتونس والاردن في هذا الصدد والابتزاز الذي يمارس عليهم امريكيا من خلال ذلك.

 

إن رأس المال الخاص هش وجبان وشائعة منظمة واحدة، قد تدفع به ليس فحسب للإحجام عن الاستثمار ...بل بسحب ودائعه من الأبناك وحتى تهريبها خارج اوطانها الاصلية ودعم اقتصادياتهم المنهارة...(امريكا) وهذا جزئيا ما يحصل مغربيا وعربيا اليوم.

 

ت‌- ولا استبعد أخيرا أن يكون عنصر المفاجأة والاستعجال مرتبطا بالحرب المفتوحة على الجبهة السورية ، والموقف المغربي القريب نسبيا من "النأي بالنفس" في المنظور الأمريكي، والحال أنهم لا يقبلون منا غير الانخراط الكلي على النمط الخليجي، المغرب يصر على الاحتفاظ ب"سلفييه" في السجون ويمتنع بذلك عن إطلاق سراحهم وبالتالي التحاقهم للقتل والتدريب في سوريا كما قامت بذلك كل من تونس (النهضة) وليبيا في صفقة تسلمهما للحكم والذي أشرفت قطر على إنجازها بين الطرفين "الاسلامي" والأمريكي.

 

ث‌- ولا يجوز أن ننسى بالمناسبة أن كلا من الخصمين: الجزائر والبوليزاريو لم يسبق لهما أن انتقدا أمريكا ووسيطها في العلاقة مع ملف الصحراء. الحالة الوحيدة التي طَعنا فيها في وسيط منصف (بيتر فالسوم) استجابت أمريكا مباشرة لتحفظهما، نقيض ما حدث لنا معها في حالة (روس) وهو ما يبرز خطأ الدبلوماسية المغربية في تراجعها عن التحفظ على روس مع أنه من حقها، وله سابقة.وهو ما جرأ علينا أمريكا في مطلبها التآمري اللاحق باسم "حقوق الإنسان" المفترى عليها.

 

ج- إن أكبر حجة على غرضية النوايا الاستراتيجية لأمريكا ضدا على قضيتنا هو موقفها من مسألة إحصاء اللاجئين وفرزهم في تندوف، فهذه قضية فاضحة حقوقيا وسياسيا وذلك بالنسبة لجميع الأطراف، إن امريكا لا تكتفي بغض النظر عنها وعدم الاستجابة لمطالبنا المشروعة في شأنها، بل تأكد اليوم أنها هي من يقف خلف عدم إقرارها، وهو امر يعتبر بمثابة ضمانة وعربون ثقة مع الجزائر ولا يوجد في علاقتها بنا ما يكافؤه سياسيا.

 

4- هل للموقف الامريكي علاقة بزيارة الدولة للرئيس الفرنسي للمغرب؟

 

تمة من اعتبر أن الموقف الامريكي هو رد فعل على الاتفاقات الأخيرة مع المغرب والتي تكاد تمثل إعادة إنتاج ل"الحماية"، خاصة وإشاراتها السياسية الدالة كثيرة، فضلا عن مضامينها الاقتصادية-الاجتماعية والثقافية.. ونخص من ذلك خطاب هولاند في البرلمان المغربي وتبنيه الصريح للموقف الوطني الديموقراطي المغربي من المسألة .

 

رأيي باختصار هو العكس. إن الشعور الاوروبي "الفرنسي" بالمخطط الامريكي في المنطقة هو ما دفع بفرنسا نحو هذا الإنزال الاستراتيجي..وذلك تلافيا لما وقع لها في الجزائر سابقا "خلال الحرب الأهلية" وفي تونس أخيرا لمصلحة أمريكا، فرنسا إذن هي من يرد الفعل وليس العكس.

 

إن الهدية "الليبية" لفرنسا والتي انتزعت بعنف من فم إيطاليا (المافيا الايطالية في الحقيقة)، لايمكن أن تعوض لفرنسا الأهمية المصيرية للمغرب بالنسبة لها خصوصا وأن التنافس-التوافق الامريكي الروسي في الشرق الأوسط سيتم على حسابها.

 

5- هل يتعلق الأمر فعلا بموضوع حقوقي، أم بموضوع سياسي-سيادي؟

 

ليس من طبيعة الايديولوجية الاستعمارية وغيرها من أمثالها،أن تكشف عن نوياها ومقاصدها،هي بالأحرى تتقنع وتظهر غير ما تبطن وتضع السم في العسل وتستنيم وتستغفل...ومن ذلك اطروحتهم عن "الاصلاح" في الاستعمار القديم و"الديموقراطية وحقوق الانسان" في الاستعمار الجديد.

 

ومن أجل ذوي النوايا الوطنية السليمة المقرونة للأسف بالوهم "الحقوقي"، نقدم لهم السيناريو المحتمل والمطلوب استعماريا وراء الطرح "الحقوقي":

 

- سيلتحق بوليزاريو تيندوف بالصحراء تحت الحماية الاممية

 

- سيلتحق بهم بوليزاريو الداخل وربما غيرهم من انتهازيي "الغنائم" السياسية.

 

- سيفتحون مكاتب لهم وصحفا وإذاعات وتلفزة...

 

- سيعملون على فتح الباب مشرعا لجميع داعميهم في الخارج الغربي وغيره.

 

- سيصطدمون جسديا وبعنف (نمط المخيم) مع الساكنة ..ويضايقونهم في مساكنهم ومعاشهم للدفع بهم نحو النزوح والتهجير.

 

- ستنتشر الفتنة (= الفوضى) وهذا هو القصد، وليس حقوق الانسان الصحراوي.

 

إنها في آخر المطاف اطروحة "البؤرة الثورية" ترتد علينا لا لأجل "تحرير" الصحراء بل لنشر "الربيع" إياه في المنطقة جميعا، خاصة منها المغرب وموريطانيا.

 

6- ذلك يعني أيضا وأخطر، أن الأهداف "الحقوقية" هي أبعد من الصحراء ،إنها المغرب نفسه وطنا جامعا وشعبا موحدا ودولة مستقلة، إنه عمليا "الربيع الامريكي" يراد تعميمه واستكمال حلقاته.

 

لا يفكرن أحد في خرافة "الاستثناء أو الخصوصية المغربية"، لا تقبل العولمة الرأسمالية خصوصية جغرافية أو استثناء ثقافيا، إن قانونها هو التفكيك والاستضعاف والاستتباع عن طريق "الفوضى البناءة" والشرق الاوسط "الجديد" و حقوق "الاقليات" (اللغوية ،الجهوية، المذهبية ، الدينية و الطائفية.....) في الانفصال والاستقلال وفي إدارة الدولة(الفوضى تعني اللانظام أي اللادولة أي الفتنة...)

 

إذا عمت الفتنة وسادت الفوضى في الصحراء، فإنها لن تبق محصورة هنالك، عشرات الألغام الموقوتة وغير الموقوتة التي تركها الاستعمار القديم خلفه، وأخرى اصطنعها الجديد بوسائط شتى، أغلبها "ثقافي" وعن طريق ما يوصف في الغالب زورا ب"المجتمع المدني"...مزروعة وهي قابلة في كل حين للانفجار الغوغائي.

 

إن التهديد الحقيقي، قد يتعثر، ولكنه ماثل، فماذا أعددنا لمواجهة تحدياته؟

 

لا أستصغر مقومات الوحدة الوطنية ولكنني أدعي بأنها غير كافية كاحتياطات، مقارنة بما تحتاط به أقطار أخرى، لذلك هي صامدة اليوم أو أنها تدرأ عنها العدوى بسبب احتياطاتها.

 

7- أزمة النظام الرأسمالي العالمي، والذي نحن جزء منه، هي سائدة وشاملة وليس في الافق القريب ما يؤشر عن الخروج القريب منها، كما ليس أما مراكزها منفذ للخروج سوى عن طريق تصديرها، أولا في ما بينهم ...وأخيرا نحو اسواقنا ودولنا وشعوبنا. هذا هو قانون العصر الحديث، قانون الاستعمار.

 

في مقابل ذلك علينا أن نراجع بل وأن نواجه خطابات الاوهام حول 'حقوق الانسان" بديلا او حتى على حساب "حقوق الاوطان والشعوب والدول" في تقرير مصائرها الذاتية دون تدخل خارجي معلن أو خفي، مسلح أو سلمي عن طريق الأسواق أو "الثقافة"...

 

إن جذر حقوق الانسان هو الحق في العمل، وهذا مرتبط بقضايا النمو والتنمية والتحرر ..لا بنصوص قانونية، وعدو التنمية الاول في أقطارنا هو الاستعمار.

 

الحق في الاختلاف لا يجوز أن يتحول الى حق في الخلاف، وبالاحرى لا يجوز أن يمارس على حساب الحق في الوحدة.

 

والوحدة الوطنية هي كأي ظاهرة في المجتمع والتاريخ تحتاج في كل حين الى إعادة توثيق ،الى إعادة صياغة وتركيب بالتالي الى إعادة الصراع من أجل تثبيتها وتجديدها وتجذيرها...

 

العولمة التي تفهم أو تمارس كعدمية وطنية(لغويا، تراثيا وأخلاقيا...) هي المنفذ الأهم الذي يشتغل على حفره الاستعمار في جدار الوحدات الوطنية المجتمعية والثقافية والسياسية...فعلينا أن نتحد لمواجهته.

 

لقد ضحى الشعب الأمريكي من أجل وحدة شماله بجنوبه (القرن 19) بحوالي 650 ألف مواطن، ولولا تضحياتهم ما كان للدولة الأمريكية العتيدة أن تقوم، وذلك قبل أن تصبح استعمارية.

 

إن قصيري النظر ممن يتصورون أنهم بابتعادهم عن "شر" الاستعمار في المشرق سيأمنونه في المغرب يتوهمون، فهاهي ذي نيرانه تصلهم في عقر دارهم"تازة أولا" نعم ، ولكن مع "غزة أولا" أيضا، منطقة جغرافية واحدة وتاريخ مشترك ومصالح متشابكة وعدو واحد....هذا هو الدرس وهذه هي العبرة من كل ما حدث أو ما سيحدث، وذلك حتى لا نعادي أصدقاءنا الحقيقيين، ونصادق أعداءنا وخصومنا، كما يحدث اليوم؟

 

إن خسائر المقاومة، أهون بكثير من كوارث الفرقة والفتنة والفوضى، والحروب أهلية كانت أو اقليمية أو عدوانية...

 

8- وبالمناسبة فنحن في أشد الشوق لمعرفة ردود فعل أيتام "ماما أمريكا" في المغرب، وفي المقدمة منهم أميرهم، و"رؤاه" ووجهات نظره الاعلامية، فهلا كفيتمونا شر الحاضنة وتوسطتم لوطنكم معها أن تكف عنا شرها(؟؟)

 

لم يحدث في التاريخ المعاصر أن حمت امريكا أحدا من عملائها وأحرى شعوبهم ودولهم. ليست المؤسسات والقانون هو ما يحكم أمريكا بل المخابرات(15 وكالة) وهذه لا يتحكم في بعضها بل ولا يعرف أسرارها رئيس الدولة نفسه. إنكم تقبضون على الريح، اقرأوا مذكرات بريجينسكي..وكيف أقذعت الاجهزة إياها في سب الرئيس الطيب (كارتر) وأرغمته على توقيع قرار جمهوري يخالف القانون الدولي .

 

9- أما الجواب الوطني-الديمقراطي المسئول فيقتضي الكثير، أهمه:

 

1- العودة الى الاطار المغاربي كشرط. فالاستهداف بالتقسيم هو منتوج تقسيم استعماري موروث، حوفظ عليه من قبل نخب اصطنعت اصلا وتموقعت لأجل ذلك. التفتيت ينتج التفتيت. لا مجال للفكاك من مزيد التفكيك سوى بالعودة الى الجذر الوحدوي الذي أسسه الرواد: ابن تاشفين، عبد المومن والمنصوريان.. واقترح لذلك مبادرة من بقي من حكماء-رموز خاصة في المغربين الاقصى(اليوسفي-بوستة-الجبلي...) والاوسط... ونقبل مسبقا الالتزام بمقترحاتهم الاجرائية لاستهداف بناء ولايات متحدة مغاربية على اسس جغرافية-اقتصادية ...تكون الصحراء واحدة منها.

 

2- وداخليا إعادة انتاج توافق وطني أشمل واستدراكي يحافظ على المكتسبات، ويراكم عليها، وذلك بالتحاق الذين تخلفوا عن التوافقين السابقين (الإحسان) أو برزوا لاحقا في الساحة الوطنية (السلفية)

 

3- تعميق وتوسيع الاصلاح المتوافق عليه للحقول جميعا وأهمها : الثقافة والضمير الديني ومؤسساته /التعليم/الاعلام/المجتمع المدني وبالأخص منه النقابات والمجالس المحلية/الدبلوماسية...(خاصة منها الشعبية: الدينية في إفريقيا، والمهاجرين المغاربة في الغرب..)

 

كل ذلك وغيره يقتضي التوقف عن عبث استرضاء الغرب في جميع مقترحاته المغرضة والملغومة غالبا والمقنعة باسم الحداثة حينا والديمقراطية وحقوق الانسان.

 

خاتمة : أخبرني المرحوم علي يعتة بالتالي: وهو في ايطاليا وفي ضيافة الزعيم الشيوعي الأشهر تولياتي سأله عما إذا كانت لديه معطيات استراتيجية عن الصحراء، فاقترح عليه الأخير أن تكون مناسبة الجواب عن السؤال وجبة عشاء في ضيافة مالك شركة (أجيب كاز) وكذلك كان فأكد لهما هذا الاخير أن خريطة الثروات النفطية في المنطقة مكتشفة ومعروفة أوروبيا وامريكيا ومعفى على مواقعها.

 

إن نفس دوافع الصراع والحرب، في المشرق (اكتشاف اكبر احتياطي للغاز في العالم بسوريا)، هي ذاتها دوافعه الاستعمارية في المغرب.

 

"أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا" محمود درويش

 

عبد الصمد بلكبير

 

25/04/2013