عبد الحميد العوني

بعدما قررت الأمم المتحدة 2013 سنة الحسم..

 

في الوقت الذي دعت فيه الأمم المتحدة، عبر قرار عن الدورة السابعة والستين، إلى الدخول في مرحلة مفاوضات سمتها "ذات كثافة أشد، وبحسن نية، ودون شروط مسبقة" سمت أمريكا جون كيري، رجل الحوار غير المسبوق في تاريخ الولايات المتحدة، على رأس دبلوماسيتها، خليفة للوزيرة هيلاري كلينتون، وقد نشرنا تقريرا يكشف عن دعم واشنطن للقاء مراكش II بين الملك محمد السادس ورئيس البوليساريو، لإنجاح الرغبة الأممية والأمريكية في الوصول إلى حل سياسي سريع تسبقه "دبلوماسية مكوكية فعالة" بتعبير كريستوفر روس.

 

لم يتعجل الأمريكيون في نقل ما يريدونه إلى المغرب، وبعد معرفة ما سيدور في لقاء الملك ووزير الخارجية الأمريكية السابقة، فضل وليام بيرنز الذي زار الجزائر وطار إلى مراكش لحضور اجتماع أصدقاء سوريا، أن يترك الأمور معلقة إلى حين تعيين جون كيري وإصدار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعم لجهود كريستوفر روس، ومسلسل المفاوضات التي انطلقت بموجب قرار مجلس الأمن 1745 لسنة 2007 وأكدته باقي القرارات ذات الصلة إلى متم 2012، فيما راهنت منظمة بان كي مون على مزيد من الضغط على العاصمة الرباط لمطالبتها اللجنة الخاصة المعنية بحالة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة أن تسلم تقريرا بخصوص موضوع الصحراء "الغربية" في نهاية 2013، مما يجعل المغرب أمام عام حرج، بعد تحديد "سقف زمني" للمفاوضات تحت بند "الكثافة الشديدة" وإنهاء وضع الصراع في أجل محدد.

 

ورأت البوليساريو، من جهتها، قبول إحصاء اللاجئين سكان مخيمات تندوف في مشروع الاستفتاء، على أن تزيد من تعاونها مع لجنة الصليب الأحمر بموجب القانون الانساني الدولي.

 

وتأتي هذه التطورات والرجل الذي قبل زيارة إيران كأكبر مسؤول أمريكي منذ ثورة 1979، يترأس وزارة خارجية الولايات المتحدة، لأنه كما تقول "يدعوت أحرنوت" غير مؤمن "بالضغط اليهودي" عكس ما كانت عليه هيلاري كلينتون ـ السيناتور من نيويورك معقل الجالية اليهودي ـ والمغرب بهذا التعيين في أمريكا أمام مستجدين:

 

الأول، وصول "رجل متطرف في الحوار" إلى رئاسة دبلوماسية الولايات المتحدة، بما يدعم مسلسل المفاوضات "وتسريع الحل في الصحراء (الغربية)" وإن أدركنا علاقة كريستوفر روس وجون كيري سنعرف إلى أي حدود سيكون مشروع الولايات المتحدة (تسريع الحل) والأمم المتحدة (تكثيف المفاوضات) والجزائر (تعطيل الحرب في مالي لحين الحسم في معالم الحل في الصحراء "الغربية") مجرد تشكيل كتلة من الضغوط على المغرب في 2013.

 

الثاني، عدم رضوخ جون كيري لضغط اللوبي اليهودي، وتحرك اليهود المغاربة في أمريكا لن يكون له تأثير كبير عليه، وإن أضفنا أن الجمهوريين يدعمون الجمهوري جون كيري، سيكون تحريك أصدقاء النظرة المغربية دون الدور الذي مارسوه في فترة هيلاري كلينتون.

 

من جانب ثالث، يمكن تغيير السفير الأمريكي في المغرب "كابلان" لإنجاح المهمة المنوطة بالدبلوماسية الأمريكية في هذه الفترة على صعيد ملف الصحراء "الغربية" والعلاقات الجزائرية ـ المغربية، لكن هذا القرار الذي مالت إليه قراءة قريبة من وليام بيرنز، ليس دقيقا لكنه يحمل معطى مساعدا يدعو إلى المزيد من فعالية القنوات الدبلوماسية المنسوبة لأمريكا في كل من الجزائر والمغرب.

 

لا ينسى الجميع أن جون كيري حاور الفيتناميين الذين قاتلهم قائدا لفرقة بحرية في نهر "ميكونغ" على ظهر زورق "سويفت"، وتمكن من تطبيع العلاقات الدبلوماسية لبلاده معهم بعد طي أزمة 1968 وإخفاء ميداليتيه وثلاثة أوسمة (بيريل هرنر)، كما استقر على زيارة طهران، (كما نشرت جريدة وول ستريت جورنال) قبل أن تضغط هيلاري لتقول الإدارة، إن الزيارة بمبادرة كيري وليس للبيت الأبيض صلة بها، ولم ينتقد أحد نتنياهو في عهد أوباما كما فعل كيري، وإحراج رئيس الوزراء الإسرائيلي 2009 لا ينساه أحد.

 

وفي ظل هذه الاعتبارات، نرى أن:

 

أ ـ جون كيري "خزان استراتيجي" لتطوير منظومة تفاوضية منتجة بين المغرب والبوليساريو.

 

ب ـ أن الضغوط على جون كيري من قبل لوبيات المصالح الجزائرية والمغربية على حد سواء يفيد الوضع.

 

ج ـ أي مفاوضات ناجحة حول الصحراء "الغربية" لن تكون دون قنوات متقدمة وخلفية داعمة وقوية عبر سفارتي أمريكا في كل من الجزائر العاصمة والرباط.

 

د ـ القدرة على منح "غطاء سياسي" للقاء كبير وحاسم بين الدولة المغربية والجبهة شئ حاسم، ويؤمن "جون كيري" بهذه "القدرة" الحيوية للحوار من أجل الوصول إلى حلول، والقناعة التي يتملكها "كريستوفر روس"، ولم تسعفها أجواء هيلاري كلينتون، تطابق "روح العمل الدبلوماسي" لجون كيري، للشبه الكبير بينه وبين "رتشارد لوغار" الأكثر اعتدالا بين الجمهوريين.

 

لم يكن وزير الخارجية بعيدا عن تطورات قضية الصحراء "الغربية" وتوازناتها الإقليمية بعد حرب مالي، ومقتل الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي.

 

وحسب توافقات بين البيت الأبيض والكونغرس، فإن تقرير اللجنة المستقلة حول الهجوم على بنغازي صدر قبل تعيين جون كيري في مقابل ما دعاه التقرير "القصور الجسيم" في الاجراءات الأمنية دون أن يحمل وزيرة الخارجية أو رسميين كبار مسؤولية ما حدث، مشيرا إلى عدم الكفاءة في الإدارة االعليا في "مكتب الأمن الدبلوماسي وقسم الشرق الأدنى في الوزارة".

 

ويعرف جون كيري، أن منطقة شمال أفريقيا سببت في وصوله إلى رئاسة دبلوماسية بلاده بعد 20 سنة من المحاولة، مما يعطي لها بعدا خاصا في "نفسية" وزير الخارجية إلى حدود "معتبرة".

 

ونحن، إذ نقرأ، بوضوح تأثير ما وقع من تطورات في شمال أفريقيا والربيع العربي الذي ذكره أوباما بالاسم لحظة تسميته لجون كيري، نعرف أن "التهديدات" المترابطة من الصحراء "الغربية" إلى دولة النيجر المهددة بالسقوط، وإعلان ليبيا إغلاق حدودها، تشكل في الجوهر صراعا يجب أن يضع مستشاري الرئيس أوباما للأمن القومي إلى جانب الدبلوماسية، وهو التطور الذي عبر عنه رئيس أمريكا، وأقرته اللجنة المستقلة، وإن من دون عقوبات أو إجراءات.

 

فيما طالبت استراتيجية أوباما بالتوجه إلى الباسيفيكي والعمل على نزع فتيل النزاع مع العالم الاسلامي بانسحاب أمريكا من أفغانستان وعدم التورط في مالي.

 

وتأتي هذه الحزمة من القرارات في إطار كيري أو "أوباما ثان" في الخارجية الأمريكية، وهو نعت يرفضه جون ماكين الذي قاد إلى جانب كيري "ملف تطبيع العلاقات" الأمريكية مع فيتنام.

 

ويظهر أن جو ماكين يدعم ويوفر الأرضية لصديقه جون كيري، الذي خاطبه بالوزير قبل تسميته، ويعرف المراقبون إلى أي حد سيسمح كيري بإعادة صديقه جو ماكين إلى ملف الصحراء "الغربية" بعدما احتكرها الديموقراطيون عبر قناة كلينتون ـ رايس ـ روس، وتحتفظ الصحراء لكيري بوديعة سابقة في قضية الأسرى المغاربة لدى جبهة البوليساريو، و"لا يزال للأمر ظلاله" تقول إحدى التقارير.

 

ومن الممكن، في هذه الظروف المستجدة بعد تعيين جون كيري على رئاسة الدبلوماسية الأمريكية:

 

أ ـ الوصول إلى سرعة أمريكية واحدة بين الحزبين: الديموقراطي والجمهوري، لأن الرئيس ديموقراطي (أوباما) ورئيس الدبلوماسية جمهوري (جون كيري) وتوحيد العمل في قضية الصحراء "الغربية" بهذه الطريقة لم يكن مسبوقا، ولم يصل أبدا إلى درجة التطابق الموجود حاليا بين وجهتي النظر والعمل بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة في هذه القضية.

 

ب ـ استبق كريستوفر روس ابعاد رايس من الخارجية الأمريكية، وسارع إلى "دبلوماسية مكوكية ومكثفة" تطابق مذهب جون كيري تماما.

 

ج ـ أن المفاوضات "المكثفة" لم تعد قرارا لمجلس الأمن، بل أيضا للجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد تصويتها لصالح دولة فلسطين، والمغرب الذي حرم على نفسه نقاش قضية الصحراء "الغربية" في رئاسته لمجلس الأمن طيلة شهر دجنبر 2012، واجه قرارا متقدما لما سماه التقرير "مفاوضات ذات كثافة اشد" من أجل تسريع الحل.

 

حصول اتفاق بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، وهولاند الذي التزم بالحرف بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في زيارته للجزائر، كشف أن الخيار الدولي "موحد ومتراص" في هذه الفترة الحرجة.

 

د ـ كما استبقت أمريكا زيارة هولاند بزيارة بيرنز، وتحركت الجمعية العامة للأمم المتحدة لعدم إحراج المملكة المغربية في مجلس الأمن، لكنها طالبت بتقرير لتنفيذ قرار اللجنة الخاصة المعينة بحالة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، دون أي تحفظ أمريكي، لدفع المغرب إلى المفاوضات، لأن تأمين الجولات واستمرارها يمنع من تبني "قرارات حادة" ضد أي طرف يقبل الحوار.

 

ه ـ أن تطابق نظرة أوباما وجون كيري، ومن الجهة الأخرى كريستوفر روس ورايس (مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة) يفيد "التحرك الدولي" وفي مقدمته الأمريكي على أن تكون الشراكة الجزائرية ـ الفرنسية بعد زيارة هولاند عاملا مساعدا في "توحيد" الجهد الأممي والدولي والإقليمي نحو مبدئي "المفاوضات" المكثفة وبزيارات مكوكية وتسريع الحل كما تنادي به واشنطن.

 

إن تصريف هذه الجهود قمين بالوصول إلى أهداف أمريكية وفرنسية وإقليمية، دون أن ننسى الاتحاد الأفريقي الذي يعمل بعد نكبة مؤسسة القذافي، على "دعم الجهد الأمريكي في الصحراء"، لأن حماية منطقة الساحل من العنف لن يكون دون طرح مفاوضات للحل، وليس لتعميق الأوضاع التي تسير بشكل إيجابي نحو الإرهاب ويأس الشعوب.

 

ويرى جون كيري، بصرامة استراتيجية، أن الدول ذات الموقع الاستراتيجي أخطر في أمنها من التي تمتلك مصادر طبيعية: "نسعى للحفاظ على المصادر قبل الدول"، لكن في معدلات أخرى: نقرر أن "الدول تسبق مصادرها".

 

وحاليا، لا يمكن تهميش مالي أو قوس الصحراء والساحل، لأن تهديد الأمن الأمريكي بدأ في بنغازي بقتل مواطنين أمريكيين في قلب مؤسسة دبلوماسية، ولن ينته سوى بتحجيم هذا الخطر وحصاره "كي لا تكون له فرص".

 

ولم يكن دفاع سوزان رايس على "معادلة صورية" في شمال أفريقيا منطقا ناجعا، لهذا تقرر أن ترفع أمريكا أمنها الدبلوماسي والاستراتيجي في هذه المنطقة بطريقة متقدمة وحيوية بما يكفي، ولن تكون أي خطوة دون تسريع الحل في الصحراء "الغربية" لأن خلط مطالب الشعوب وتنظيم القاعدة خطير كما سمع بوتفليقة من هولاند الذي فاجأه بالقول: نعم، وبارك الاتفاق الذي توصلت إليه الجزائر، وطال جماعتي: أنصار الدين وتحرير أزواد، في يوم زيارة الرئيس الفرنسي.

 

المشكلة التي أوصلت كيري (69 سنة، ازداد في 1943 في إيروزا في ولاية كولورادو) سيبقى لها تأثير، يقول ماكين، ولا يجد الجمهوريون مانعا ليس في حرب القاعدة، إنما في "دعم الجهود الأمريكية لحل قضية الصحراء الغربية".

 

ليس لدا الجمهوريين قداسة نحو الأمم المتحدة، لكنهم يريدون التحرك من خلالها، ومن وسائط "دبلوماسية أمريكية خالصة" لأن الجزائر تؤكد على أمر رئيس: لا تطور في مالي دون تطورات إقليمية، ولا ثقة في الأمم المتحدة دون حل في الصحراء "الغربية"، والحرب تعني "أنصار الشريعة" في كل مكان ( وقد تبنت قتل السفير الأمريكي في بنغازي على موقعها على الفيس بوك وتويتر ونقلت الخبر س.ن.ن ).

 

وأي حملة عسكرية لن تكون دون إبداء حل، يقول بوتفليقة لبيرنز، ويمكن عزل تنظيم القاعدة عن حاضنته القبلية والجغرافية دفعة واحدة، إن قررنا الحرب على الإرهاب وليس على أزواد، ولن يكون ذلك دون مفاوضات، ولن يكون الأمر سلسا وممكنا دون أن يقرر العالم الحل السياسي في الصحراء "الغربية" لإبعاد القوة والعنف على كل المنطقة، فأمريكا قائدة "حوار متسلسل واستراتيجي ومكثف" من أجل تنسيق المسارات وديناميتها معا، وهذه الكلمات لبوتفليقة وجون كيري.

عبد الحميد العوني

 

12/01/2013