يبدو أن مؤشرات تغيير الموقف الأمريكي من قضية الصحراء، بدت ملامحها منذ وصول بارك أوباما إلى البيت الأبيض، وتجسد في دعم توجهات كريستوفر روس المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة لحل نزاع الصحراء وكذا التشبث به بعد سحب المغرب الثقة منه، بعد أن همش المقترح المغربي لمنح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا موسعا في المفاوضات وسعيه لتوسيع صلاحيات المينورسو.

ويتوقع أن يسجل تطور الموقف الأمريكي من حليفه الاستراتيجي المغربي من خلال عدة مجالات حاسمة، منها الدعم الأمريكي للمبادرة المغربية المتعلقة بمنح حكم ذاتي في الصحراء، وفي مراجعة إجراءات استفادة المغرب من المساعدات الأمريكية العسكرية حيث تدافع اللجنة الخارجية الأمريكية على ربطها حكرا بمسألة تطور مسار حقوق الإنسان في المملكة المغربية.

إن قرائن عدم رضا الولايات المتحدة الأمريكية على حليفها الاستراتيجي المغرب جسدتها برودة في قنوات التواصل الدبلوماسية بين أوباما والملك محمد السادس، حتى أن الطرفين لم يجري مكالمة هاتفية منذ وصول أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية إلا مكالمة واحدة تمت على خلفية تطورات الموقف الأمريكي من قضية الصحراء.

 

وفي ظل هذا الوضع لا يمتلك المغرب استراتيجية لمواجهة جديد المواقف الأمريكية، ماعدا الترتيبات العسيرة لتنظيم زيارة ملكية إلى الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة للوقوف على المكان الذي أضاعت فيه الدبلوماسية المغربية خيط التواصل الدبلوماسي الفعال مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وإن تكن هذه الخطوة الملكية الهامة، فإنه لا يتوقع سهولة ترويض الجهاز القائم على السياسة الخارجية الأمريكية بعد استكمال حلقتها بقرب تعيين الرئيس الأمريكي باراك أوباما السفيرة السابقة لواشنطن لدى الأمم المتحدة سوزان رايس في منصب مستشارة الأمن القومي، وتعيين أحد مناصري حقوق الإنسان وتقرير المصير في شخص سامنتا بوير مكانها، فضلا عن نهج وزير الخارجية الأمريكي جون كيري والذي ينتمي هو الآخر إلى نفس الايديولوجيا الأمريكية الجديدة، والمرتكزة على تعزيز قضايا الحقوقية ودعم تقرير المصير.

 

إن قوة اللوبي الرسمي المسؤول عن السياسة الخارجية الأمريكية ستكون لمواقفه تداعيات خطيرة على الموقف التفاوضي المغربي من الصحراء في ظل استمرار نمطية عمل دبلوماسي مغربي رسمي رتيب وثابت، لم يعد بوسعه سوى تأجيل المبادرة الأمريكية بشأن توسيع صلاحيات بعثة المينورسو في الصحراء قبيل صدور التقرير الأخير لمجلس الأمن الدولي حول الصحراء لأبريل 2013، إلا أن مخاطر هذه المبادرة تستمر عند قرب حلول شهر أبريل من كل سنة.

إن وضعية الموقف المغربي من قضية الصحراء بعد المبادرة الأمريكية والنأي الفرنسي عن استعمال ورقة الفيتو يكشف بما لا يدع مجالا للشك تراجع الأداء الدبلوماسي المغربي على الساحة الدولية، هذا التراجع بدت معالم منذ إقرار العمل بشعار ما يسميه المغاربة "تازة قبل غزة" حيث اختار الملك الاهتمام بالقضايا المحلية والتقليص من حضوره في اللقاءات والقمم الدولية. وهو ما أفرز تراجعا كبيرا للحضور المغربي على الساحة الدولية، وكان من تداعياته فسح المجال لامتداد تأثير دبلوماسية الجزائر والبوليساريو حيث صارت تحظي بتعاطف دولي متزايد في منطقة الاتحاد الأوربي، ومنها اعتراف البرلمان السويدي بالبوليساريو ورفع توصية إلى البرلمان الألماني للإعتراف بالبوليساريو فضلا عن قرار البرلمان الأندلسي الأخير الذي أكد على "التزامه بحرية ما أسماه الشعب الصحراوي وتعاونه مع ممثل جبهة البوليساريو"، وكذا في حملة التأييد للمراقبين الدوليين والصحفيين والحقوقيين والنواب الأوربيين لزيارة الصحراء بعيد صدور القرار الأممي الأخير رقم 2099 بشأن نزاع الصحراء.

كما أن مؤشرات تطور الموقف الأمريكي تجاه رؤية المغرب لقضية الصحراء بعد وصول عدد من الشخصيات الأمريكية المعاكسة للموقف المغربي، يفسره أيضا برودة في العلاقات الثنائية بين البلدين، إذ لم يجري رئيسي البلدين أكثر من مكالمة هاتفية واحدة بين الملك محمد السادس وبارك أوباما منذ وصوله الى البيت الأبيض. وبعد رفض وزير الخارجية الأمريكي جون كيري استقبال الوفد المغربي نهاية أبريل الماضي المكون من مستشار الملك الطيب الفاسي الفهري والوزير المنتذب في الخارجية يوسف العمراني مدير مديرية الدراسات والمستندات ياسين المنصوري.

 

عبـد الفتـاح الفاتحـي

 

 

22/07/2013